4 juillet 2014 5 04 /07 /juillet /2014 10:50

 

(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31))

 

هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن، عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال : بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث : أن " أسماء بنت مرشدة " كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء : ما أقبح هذا. فأنزل الله : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) الآية.

 

فقوله تعالى : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) أي : عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. ولهذا ذهب [كثير من العلماء] إلى أنه : لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا. واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي، من حديث الزهري، عن نبهان - مولى أم سلمة - أنه حدثه : أن أم سلمة حدثته : أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه ". ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

 

وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت.

 

وقوله : (ويحفظن فروجهن) قال سعيد بن جبير : عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان : عما لا يحل لهن. وقال مقاتل : عن الزنى. وقال أبو العالية : كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنى، إلا هذه الآية : (ويحفظن فروجهن) ألا يراها أحد.

 

وقال : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) أي : لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه.

 

وقال ابن مسعود : كالرداء والثياب. يعني : على ما كان يتعاناه نساء العرب، من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه ؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال] بقول ابن مسعود : الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.

 

وقال الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال : وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وغيرهم - نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله : (ولا يبدين زينتهن) : الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال : الزينة زينتان : فزينة لا يراها إلا الزوج : الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب، وهي] الظاهر من الثياب.

 

وقال الزهري : [لا يبدو] لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم.

 

وقال مالك، عن الزهري : (إلا ما ظهر منها) الخاتم والخلخال.

 

ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه : حدثنا يعقوب بن كعب الإنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال : " يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا " وأشار إلى وجهه وكفيه. لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي : هذا مرسل؛ خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، فالله أعلم.

 

وقوله : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) يعني : المقانع يعمل لها صنفات ضاربات على صدور النساء، لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ؛ ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى : (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) [الأحزاب : 59]. وقال في هذه الآية الكريمة : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) والخمر : جمع خمار، وهو ما يخمر به، أي : يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.

 

قال سعيد بن جبير : (وليضربن) : وليشددن (بخمرهن على جيوبهن) يعني : على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء.

 

وقال البخاري : وقال أحمد بن شبيب : حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن به. وقال أيضا : حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة؛ أن عائشة، رضي الله عنها، كانت تقول : لما نزلت هذه الآية : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) : أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها.

 

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجي بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة، قالت : فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة، رضي الله عنها : إن لنساء قريش لفضلا وإني - والله - وما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به، تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان. ورواه أبو داود من غير وجه، عن صفية بنت شيبة، به.

 

وقال ابن جرير : حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أن قرة بن عبد الرحمن أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أنها قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن أكثف مروطهن فاختمرن به. ورواه أبو داود من حديث ابن وهب، به.

 

وقوله : (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) يعني : أزواجهن، (أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن) كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج.

 

وقال ابن المنذر : حدثنا موسى - يعني : ابن هارون - حدثنا أبو بكر - يعني ابن أبي شيبة - حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية : (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن) - حتى فرغ منها قال : لم يذكر العم ولا الخال؛ لأنهما ينعتان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره.

 

وقوله : (أو نسائهن) يعني : تظهر زينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة ؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك - وإن كان محذورا في جميع النساء - إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تباشر المرأة المرأة، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ". أخرجاه في الصحيحين، عن ابن مسعود.

وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نسي، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال : كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة : أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.

وقال مجاهد في قوله : (أو نسائهن) قال : نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة.

وروى عبد في تفسيره عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس : (أو نسائهن)، قال : هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر والقرط والوشاح، وما لا يحل أن يراه إلا محرم.

وروى سعيد : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال : لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول : (أو نسائهن) فليست من نسائهن.

وعن مكحول وعبادة بن نسي : أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة.

 

وقوله : (أو ما ملكت أيمانهن) قال ابن جريج : يعني : من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر [زينتها لها وإن كانت مشركة ؛ لأنها أمتها. وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وقال الأكثرون : بل يجوز لها أن تظهر] على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها. قال : وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : " إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك ".

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه ". ورواه أبو داود، عن مسدد، عن سفيان، به.

 

وقوله : (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) يعني : كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وله وخوث، ولا هم لهم إلى النساء ولا يشتهونهن.

قال ابن عباس : هو المغفل الذي لا شهوة له. وقال مجاهد : هو الأبله.

وفي الصحيح من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة ؛ أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة : يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن عليكن " فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل يوم كل جمعة يستطعم.

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت : دخل عليها [رسول الله صلى الله عليه وسلم] وعندها مخنث، وعندها [أخوها] عبد الله بن أبي أمية [والمخنث يقول لعبد الله : يا عبد الله بن أبي أمية] إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. قال : فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأم سلمة : " لا يدخلن هذا عليك ". أخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام بن عروة، به.

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة. فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا؟ لا يدخلن عليكم هذا " فحجبوه. ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي من طريق عبد الرزاق، به.

 

وقوله : (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) يعني : لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله على النساء. فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إياكم والدخول على النساء ". قالوا : يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال : " الحمو الموت ".

 

وقوله : (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت - لا يسمع صوته - ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي لقوله تعالى : (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن).

 

ومن ذلك أيضا أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " يعني زانية. قال : وفي الباب، عن أبي هريرة، وهذا حسن صحيح. رواه أبو داود والنسائي، من حديث ثابت بن عمارة، به.

وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب، ولذيلها إعصار فقال : يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت : نعم. قال لها : [وله] تطيبت؟ قالت : نعم. قال : إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد، حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة ". ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان - هو ابن عيينة - به.

وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها ".

 

ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق ؛ لما فيه من التبرج. قال أبو داود : حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز - يعني : ابن محمد - عن أبي اليمان، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد - وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء : " استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق "، فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار، من لصوقها به.

 

وقوله : (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) أي : افعلوا ما آمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان [وعليه التكلان].

 

تفسير ابن كثير

 

تفسير الآية 31 من سورة النور

Partager cet article

Published by connaitre islam
commenter cet article
27 juin 2014 5 27 /06 /juin /2014 10:58

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

شرح الحديث الـ 188
عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُدركه الفجر، وهو جُنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم.

فيه مسائل :

1 =
في رواية مسلم : كان يُصبح جُنباً من غير حُلُم ثم يصوم.
وفي رواية له : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُصبح جنبا من جماعٍ غيرِ احتلام في رمضان، ثم يصوم.
وفي رواية لـه عن عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدركه الفجر في رمضان وهو جُنب من غير حُلُم فيغتسل ويصوم.
وفي رواية له عن أم سلمة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصبح جُنُباً من جماعٍ لا مِن حُلُم، ثم لا يُفطر ولا يقضي.

2 =
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فليس ذلك خاصا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فقد روى مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال : يا رسول الله ! تُدركني الصلاة وأنا جنب. أفأصوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا تُدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال : لست مثلنا يا رسول الله ! قد غَـفَـر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّـر فقال : والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي.

3 =
يُدركه الفجر. يعني وقت الفجر، فيلزمه الصوم وهو جُنُب.
لا أنها تُدركه الصلاة فيتأخر عنها.

4 =
وهو جُنب من أهله.
تُفسّره الروايات الأخرى، ومنها : يُصبح جُنُباً من جماعٍ لا مِن حُلُم

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحتلم ؛ لأن الاحتلام من الشيطان.

5 =
لا يعني ذلك أن الذي يُدركه الفجر من احتلام أنه لا يجوز له الصيام، فليس الحُـكم خاص بمن أصابته الجنابة من أهله.
وإنما أن ذلك كان باختياره، فغيره الذي لا يقع باختياره كالمحتلم أولى بأن يُعذر.

6 =
ثم يغتسل ويصوم
لا علاقة للصيام بالجنابة. فلو أن إنساناً لا يستطيع الاغتسال أو كان فاقداً للماء فإن صومه صحيح وعليه التيمم للصلاة لا للصيام.

من أدركه الفجر وهو جُنُب فإنه يصوم ولا يُفطر يومه ذلك ولا يجب عليه قضاء.

قالت أم سلمة - رضي الله عنها - : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصبح جُنُباً مِـن جماعٍ لا مِن حُلُم، ثم لا يُفطر ولا يقضي. رواه مسلم.

7 =
لا فرق بين صوم النفل وصوم الفرض في ذلك.

8 =
مثله الحائض فإنها إذا طهرت قبل الفجر فإنها تصوم ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر. لكن إذا لم تطهر ولم ينقطع الدم إلا بعد طلوع الفجر، فإنه لا يلزمها الإمسـاك وعليها القضاء.

9 =
تيسير الإسلام، ويُسر الدِّين. وإنما يكون اليسر في الدِّين والتيسير على العباد فيما يسّر الله فيه.

صيد الفوائد


 

 

Partager cet article

Published by connaitre islam
commenter cet article
27 juin 2014 5 27 /06 /juin /2014 10:45

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
شرح الحديث الـ 187
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن زيد بن ثابت – رضي الله عنه – قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قام إلى الصلاة . قال أنس : قلت لزيد : كم كان بين الأذان والسَّحور ؟ قال : قدرُ خمسين آية .

فيه مسائل :

1 =
في هذا الحديث رواية صحابي عن صحابي
وهنا صرّح أنس – رضي الله عنه – بأنه يروي عن زيد بن ثابت – رضي الله عنه – ولو لم يُصرّح فإن جهالة الصحابي لا تضرّ .

2 =
قدر خمسين آية . هذا تقدير ، والتقدير لا يكون دقيقاً بل هو نسبي وتقريبي .
تدلّ عليه رواية للبخاري : عن أنس أن زيد بن ثابت حدثه أنهم تسحروا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلى الصلاة . قال أنس : قلت : كم بينهما ؟ قال : قدر خمسين أو ستين يعني آية .

3 =
الوقت هل هو ما بين الأذان والإقامة أو ما بين الأذان والسحور ؟
الذي يظهر من الجمع بين الروايات أنه بين الأذان والسحور .
ففي رواية للبخاري : عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحّرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ، فصلى . قال قتادة : قلنا لأنس : كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال : قدر ما يقـرأ الرجل خمسين آية .

ولقوله – عليه الصلاة والسلام – : إن بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم . قال : ولم يكن بينهما إلا أن ينـزل هذا ويَرقى هـذا . متفق عليه .
وفي رواية : إن بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ، ثم قال : وكان رجلا أعمى لا يُنادي حتى يُقال له : أصبحت أصبحت .
ولقوله – عليه الصلاة والسلام – : إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده ، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه . رواه أحمد وأبو داود .

ويُحمل الأذان الوارد في حديث الباب في قوله : كم كان بين الأذان والسَّحور ؟
على الإقامة ؛ لأن الإقامة يُطلق عليها أذان ، كما في قوله – عليه الصلاة والسلام – : بين كل أذانين صلاة . متفق عليه .
والمقصود بين الأذان والإقامة .

3 =
قدر خمسين آية . متوسطة لا طويلة ولا قصيرة ، والقراءة لا سريعة ولا بطيئة .
والمسألة تقدير ، والتقدير أمر نسبي كما تقدّم .
قال ابن حجر : قال المهلب وغيره : فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن ، وكانت العرب تُقدر الأوقات بالأعمال ؛ كقولهم : قدر حلب شاة ، وقدر نحر جزور . فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة .

4 =
قوله : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قام إلى الصلاة .
قوله في الأول : تسحرنا
وفي الثاني : ثم قام
فالأول بلفظ الجمع ، والثاني بلفظ الإفراد ؛ فهم داخلون فيه بطريق الأولى وبالتبعيّة ؛ لأنه لا يُتصوّر أن يتخلّفوا عن الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

5 =
فيه جواز مؤانسة الفاضل للمفضول بالمؤاكلة .

6 =
أفضلية تأخير السُّحـور ، خلافاً لمن يتسحّر ثم ينام .

7 =
استحباب الاجتماع على السَّحور .

8 =
فيه حرص الصحابة – رضي الله عنهم – على العِلم ، فهذا أنس – رضي الله عنه – يسأل زيد بن ثابت عن هذه السنة التي خَفيت عليه .

9 =
مقدار الوقت بين أذان الفجر والإقامة .

 

صيد الفوائد


 

Partager cet article

Published by connaitre islam
commenter cet article
27 juin 2014 5 27 /06 /juin /2014 10:43

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
شرح الحديث الـ 186
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسحروا فإن في السَّـحور بركة .

فيه مسائل :

1 =
السّحور : بالضم الفعل . وبالفتح ما يُتسحّر به .

2 =
السُّحور : مأخوذ من وقته ، وهو السّحر ، وبهذا يُعلم أن وقته آخر الليل .

3 =
الأمر في : تسحروا . للاستحباب وليس للوجوب ، والصارف له عن الوجوب فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : يا عائشة ثم هل عندكم شيء ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ما عندنا شيء . قال : فإني صائم . رواه مسلم .
قال ابن الملقن : أجمع العلماء على استحباب السَّحور ، وأنه ليس بواجب .

4 =
إذا كان الأمر للاستحباب فهو يدلّ على سُنيّة السُّحور .

5 =
البركة . هي النماء والزيادة ، وهي دنيوية وأخروية .

6 =
البركة تكون في عِـدّة أمور :
1 –
اتباع السنة ، وموافقة السنة مطلوبة ومُتعبد بها .
2 –
مخالفة أهل الكتاب ، وهي مقصودة لذاتها ، لقوله – عليه الصلاة والسلام – : فصل ما بين صيامنا وصيامِ أهل الكتاب ؛ أكلة السحر . رواه مسلم .
3 –
التّقوّي به على طاعة الله . قال – عليه الصلاة والسلام – : تسحروا ولو بجرعة من ماء . رواه ابن حبان ، وهو حديث صحيح .
ولقوله – عليه الصلاة والسلام – : نعم سَحور المؤمن التمر . رواه ابن حبان ، وهو حديث صحيح .
4 –
الاستيقاظ في وقت السحر والاستغفار ، فيدخلون تحت قوله سبحانه : ( وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )

 

صيد الفوائد


 

 

Partager cet article

Published by connaitre islam
commenter cet article
27 juin 2014 5 27 /06 /juin /2014 10:26

وفاة الإمام أحمد بن حنبل

قال ابنه صالح‏:‏ كان مرضه في أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودخلت عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف، فقلت‏:‏ يا أبت ‏!‏ ما كان غداؤك ‏؟‏ فقال‏:‏ ماء الباقلا‏.‏

ثم إن صالحاً ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته، وكثرة حرج الناس عليه، وكان معه خريقة فيها قطيعات ينفق على نفسه منها، وقد أمر ولده عبد الله أن يطالب سكان ملكه وأن يكفر عنه كفارة يمين، فأخذ شيئاً من الأجرة فاشترى تمراً وكفَّر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثة دراهم‏.‏

وكتب الإمام أحمد وصيته‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون‏.‏ وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين‏.‏ وأوصي أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً‏.‏ وأوصي لعبد الله بن محمد المعروف ببوران عليَّ نحواً من خمسين ديناراً وهو مصدق فيها، فيقضي ماله عليَّ من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى أعطى ولد صالح كل ذكر وأنثى عشرة دراهم‏.‏

ثم استدعى بالصبيان من ورثته فجعل يدعو لهم، وكان قد ولد له صبي قبل موته بخمسين يوماً فسماه‏:‏ سعيداً، وكان له ولد آخر اسمه‏:‏ محمد قد مشى حين مرض فدعاه فالتزمه وقبله ثم قال‏:‏ ما كنت أصنع بالولد على كبر السن ‏؟‏ فقيل له‏:‏ ذرية تكون بعدك يدعون لك‏.‏ قال‏:‏ وذاك إن حصل‏.‏

وجعل يحمد الله تعالى، وقد بلغه في مرضه عن طاوس أنه كان يكره أنين المريض فترك الأنين فلم يئن حتى كانت الليلة التي توفي في صبيحتها أنَّ، وكانت ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، فأنَّ حين اشتد به الوجع‏.‏

وقد روي عن ابنه عبد الله، ويروي عن صالح أيضاً أنه قال‏:‏ حين احتضر أبي جعل يكثر أن يقول‏:‏ لا بعد لا بعد‏.‏ فقلت‏:‏ يا أبت ‏!‏ ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة ‏؟‏ فقال‏:‏ يا بني ‏!‏ إن إبليس واقف في زواية البيت وهو عاض على إصبعه وهو يقول‏:‏ فتَّني يا أحمد ‏؟‏ فأقول‏:‏ لا بعد، لا بعد - يعني‏:‏ لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد - كما جاء في بعض الأحاديث قال إبليس‏:‏ يا رب وعزتك وجلالك ما أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم‏.‏ فقال الله‏:‏ وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني‏.‏

وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضؤوه فجعلوا يوضؤونه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي وهو يذكر الله عز وجل في جميع ذلك، فلما أكملوا وضوءه توفي رحمه الله ورضي عنه‏.‏

وقد كانت وفاته يوم الجمعة حين مضى منه نحو من ساعتين، فاجتمع الناس في الشوارع، وبعث محمد بن طاهر حاجبه ومعه غلمان ومعهم مناديل فيها أكفان، وأرسل يقول‏:‏ هذا نيابة عن الخليفة، فإنه لو كان حاضراً لبعث بهذا‏.‏

فأرسل أولاده يقولون‏:‏ إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره، وأبوا أن يكفنوه بتلك الأكفان‏.‏

وأتي بثوب كان قد غزلته جاريته فكفنوه، واشتروا معه عوز لفافة وحنوطاً واشتروا له راوية ماء، وامتنعوا أن يغسلوه بماء بيوتهم لأنه كان قد هجر بيوتهم فلا يأكل منها ولا يستعير من أمتعتهم شيئاً، وكان لا يزال متغضباً عليهم لأنهم كانوا يتناولون ما رتب لهم على بيت المال، وهو في كل شهر أربعة آلاف درهم، وكان لهم عيال كثيرة وهم فقراء‏.‏

وحضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بني هاشم فجعلوا يقبلون بين عينيه ويدعون له ويترحمون عليه رحمه الله‏.‏

وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لم يعلم عددهم إلا الله، ونائب البلد محمد بن عبد الله بن طاهر واقف في جملة الناس، ثم تقدم فعزَّى أولاد الإمام أحمد فيه، وكان هو الذي أمَّ الناس في الصلاة عليه، وقد أعاد جماعة الصلاة عليه عند القبر، وعلى القبر بعد أن دفن من أجل ذلك، ولم يستقر في قبره رحمه الله إلا بعد صلاة العصر وذلك لكثرة الخلق‏.‏

وقد روى البيهقي وغير واحد‏:‏ أن الأمير محمد بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألف ألف وثلثمائة ألف‏.‏ وفي رواية‏:‏ وسبعمائة ألف سوى من كان في السفن‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ سمعت أبا زرعة يقول‏:‏ بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه حيث صلوا على الإمام أحمد بن حنبل فبلغ مقاسه ألفي ألف وخمسمائة ألف‏.‏

قال البيهقي، عن الحاكم، سمعت أبا بكر أحمد بن كامل القاضي، يقول‏:‏ سمعت محمد بن يحيى الزنجاني، سمعت عبد الوهاب الوراق، يقول‏:‏ ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية ولا في الإسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع على جنازة أحمد بن حنبل‏.‏

فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم‏:‏ سمعت أبي، يقول‏:‏ حدثني محمد بن العباس المكي، سمعت الوركاني - جار أحمد بن حنبل - قال‏:‏ أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفاً، فالله أعلم‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ سمعت أبا سهل بن زياد، سمعت عبد الله بن أحمد، يقول‏:‏ سمعت أبي، يقول‏:‏ قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز حين تمر‏.‏

وقد صدق الله قول أحمد في هذا فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي داؤد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يلتفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان‏.‏

وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته، لم يصل عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس‏.‏

وكذلك بشر بن غياث المريسي لم يصل عليه إلا طائفة يسيرة جداً فلله الأمر من قبل ومن بعد‏.‏

وقد روى البيهقي، عن حجاج بن محمد الشاعر، أنه قال‏:‏ ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصل على الإمام أحمد‏.‏

وروي عن رجل من أهل العلم أنه قال يوم دفن أحمد‏:‏ دفن اليوم سادس خمسة وهم‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد‏.‏

وكان عمره يوم مات سبعاً وسبعين سنة وأياماً أقل من شهر، رحمه الله تعالى‏.‏

ذكر ما رئي له من المنامات

وقد صح في الحديث لم يبق من النبوة إلا المبشرات‏.‏ وفي رواية‏:‏ إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم، سمعت علي بن حمشاد، سمعت جعفر بن محمد بن الحسين، سمعت سلمة بن شبيب، يقول‏:‏ كنا عند أحمد بن حنبل وجاءه شيخ ومعه عكازة فسلم وجلس فقال‏:‏ من منكم أحمد بن حنبل ‏؟‏ فقال أحمد‏:‏ أنا ما حاجتك ‏؟‏ فقال‏:‏ ضربت إليك من أربعمائة فرسخ أريت الخضر في المنام فقال لي‏:‏ سر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له‏:‏ إنَّ ساكن العرش والملائكة راضون بما صبرت نفسك لله عز وجل‏.‏

وعن أبي عبد الله محمد بن خزيمة الإسكندراني، قال‏:‏ لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداً فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ أي مشية هذه ‏؟‏ فقال‏:‏ مشية الخدام في دار السلام‏.‏ فقلت‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ أغفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري، وكنت تدعو بهن في دار الدنيا، فقلت‏:‏ يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء اغفر لي كل شيء، حتى لا تسألني عن شيء‏.‏ فقال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ هذه الجنة قم فادخلها‏.‏ فدخلت فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة وهو يقول‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏‏.‏ قال فقلت له‏:‏ ما فعل بشر الحافي ‏؟‏ فقال‏:‏ بخ بخ، ومن مثل بشر‏؟‏ تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول‏:‏ كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم‏.‏ أو كما قال‏.‏

وقال أبو محمد بن أبي حاتم‏:‏ عن محمد بن مسلم بن وارة، قال‏:‏ لما مات أبو زرعة رأيته في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ قال الجبار‏:‏ ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله، مالك والشافعي وأحمد بن حنبل‏.‏

وقال أحمد بن خرّزاد الأنطاكي‏:‏ رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد برز الرب جل جلاله، لفصل القضاء، وكأن منادياً ينادي من تحت العرش‏:‏ أدخلوا أبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله الجنة‏.‏ قال‏:‏ فقلت لملك إلى جنبي‏:‏ من هؤلاء ‏؟‏ فقال‏:‏ مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل‏.‏

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب المقدسي قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وهو نائم وعليه ثوب مغطى به وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين يذبان عنه‏.‏

وقد تقدم في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد، عن يحيى الجلاء أنه رأى كأن أحمد بن حنبل في حلقة بالمسجد الجامع، وأحمد بن أبي داؤد في حلقة أخرى، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 89‏]‏ ويشير إلى حلقة ابن أبي داؤد ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 89‏]‏ ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه‏.‏

 

البداية والنهاية

 

Partager cet article

Published by connaitre islam
commenter cet article
27 juin 2014 5 27 /06 /juin /2014 10:11

ملخص الفتنة والمحنة من كلام أئمة السنة أثابهم الله الجنة

قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل‏.‏

قال البيهقي‏:‏ ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين‏.‏

فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم يقال له‏:‏ جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد وقال له‏:‏ يا هذا ‏!‏ إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميداً‏.‏ قال أحمد‏:‏ وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه‏.‏

فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول‏:‏ يعزُّ عليَّ أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف‏.‏

قال‏:‏ فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال‏:‏ سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولياءك بالضرب والقتل، اللهم فإن لم يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته‏.‏ قال‏:‏ فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل‏.‏ قال أحمد‏:‏ ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذىً كثير‏.‏

وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحواً من ثمانية وعشرين شهراً، وقيل‏:‏ نيفاً وثلاثين شهراً، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم‏.‏

وقد كان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه‏.‏

ذكر ضربه رضي الله عنه بين يدي المعتصم

لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده. قال أحمد‏:‏ فلم أستطع أن أمشي بها فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاؤوني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق عليَّ وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذ أنا على القبلة و لله الحمد‏.‏

ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال‏:‏ أليس قد زعمتم أنه حدث السن وهذا شيخ مكهل ‏؟‏

فلما دنوت منه وسلمت قال لي‏:‏ ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال‏:‏ اجلس ‏!‏ فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة ثم قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إلى م دعا إليه ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ إلى شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ قلت‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ قال‏:‏ ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس2 ثم قلت‏:‏ فهذا الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم‏:‏ لولا أنك كنت في يد من قبلي لم أتعرض إليك‏.‏

ثم قال‏:‏ يا عبد الرحمن ‏!‏ ألم آمرك أن ترفع المحنة ‏؟‏

قال أحمد‏:‏ فقلت‏:‏ الله أكبر، هذا فرج المسلمين‏.‏

ثم قال ناظره‏:‏ يا عبد الرحمن، كلمه‏.‏

فقال لي عبد الرحمن‏:‏ ما تقول في القرآن‏؟‏ فلم أجبه‏.‏

فقال المعتصم‏:‏ أجبه‏.‏

فقلت‏:‏ ما تقول في العلم‏؟‏ فسكت‏.‏

فقلت‏:‏ القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله‏.‏ فسكت‏.‏

فقالوا فيما بينهم‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ كفَّرك وكفَّرنا‏.‏ فلم يلتفت إلى ذلك‏.‏

فقال عبد الرحمن‏:‏ كان الله ولا قرآن‏.‏

فقلت‏:‏ كان الله ولا علم‏؟‏ فسكت‏.‏

فجعلوا يتكلمون من ههنا وههنا، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به‏.‏

فقال ابن أبي دؤاد‏:‏ وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا ‏؟‏

فقلت‏:‏ وهل يقوم الإسلام إلا بهما‏.‏

وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا عليه بقوله‏:‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 2‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 16‏]‏‏.‏

وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله‏:‏ ‏{‏تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏‏.‏

فقال ابن أبي دؤاد‏:‏ هو والله يا أمير المؤمنين ضالٌ مضلٌ مبتدعٌ، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم‏.‏

فقال لهم‏:‏ ما تقولون ‏؟‏

فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضاً، ثم في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته حججهم‏.‏

قال‏:‏ فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحداً يقولها، وقد تكلم معي ابن غوث بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت‏:‏ لا أدري ما تقول، إلا أني أعلم أن الله أحد صمد، وليس كمثله شيء، فسكت عني‏.‏

وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة، فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفقوا عن بعض المحدثين كلاماً يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ‏؟‏

وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول‏:‏ يا أحمد ‏!‏ أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي‏.‏

فأقول‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها‏.‏

واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 42‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏وكلم الله موسى تكليماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 164‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 40‏]‏‏.‏

ونحو ذلك من الآيات‏.‏ فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ هذا كافر ضال مضل‏.‏

وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين‏.‏

فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء‏.‏

قال أحمد‏:‏ فعند ذلك قال لي‏:‏ لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني‏.‏

ثم قال‏:‏ خذوه واخلعوه واسحبوه‏.‏

قال أحمد‏:‏ فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين‏.‏

فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ الله الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث‏)‏‏)‏‏.‏ وتلوت الحديث‏.‏

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم‏)‏‏)‏‏:‏ فبم تستحل دمي، ولم آت شيئاً من هذا‏؟‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ اذكر وقوفك بين الله كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك‏.‏

ثم يزالوا يقولون له‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إنه ضال مضل كافر‏.‏

فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه، وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعني المعتصم -‏:‏ شد قطع الله يديك‏.‏

ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك فضربني أسواطاً فأغمي عليَّ وذهب عقلي مراراً، فإذا سكن الضرب يعود عليَّ عقلي، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون‏:‏ ويحك ‏!‏ الخليفة على رأسك، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفاً وثلاثين سوطاً، وقيل‏:‏ ثمانين سوطاً، لكن كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً‏.‏

وقد كان الإمام أحمد رجلاً رقيقاً أسمر اللون، كثير التواضع، رحمه الله‏.‏

ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي‏:‏ وصليت في دمك ‏!‏ فقال له أحمد‏:‏ قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً، فسكت‏.‏

ويروى أنه لما أقيم ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا لله فعاد سراويله كما كان‏.‏ ويروى أنه قال‏:‏ يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة‏.‏

ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحماً ميتاً من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندماً كثيراً، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 22‏]‏ الآية‏.‏ ويقول‏:‏ ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك‏؟‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين‏)‏‏)‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 40‏]‏‏.‏ وينادي المنادي يوم القيامة‏:‏ ‏(‏‏(‏ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا‏)‏‏)‏، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ثلاث أقسم عليهن‏:‏ ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله‏)‏‏)‏‏.‏

وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة‏:‏ أحمد بن حنبل وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري ومات في الطريق، ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن، وأبو يعقوب البويطي، وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن، وكان مثقلاً بالحديد، وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله‏.‏

ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل

قال البخاري‏:‏ لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول‏:‏ لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة‏.‏

وقال إسماعيل بن الخليل‏:‏ لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبياً‏.‏

وقال المزني‏:‏ أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين‏.‏

وقال حرملة‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ خرجت من العراق فما تركت رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل‏.‏

وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان‏:‏ ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل‏.‏

وقال قتيبة‏:‏ مات سفيان الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع‏.‏

وقال‏:‏ إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة‏.‏ قال البيهقي‏:‏ - يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله -‏.‏

- وقال أبو عمر بن النحاس - وذكر أحمد يوماً - فقال‏:‏ رحمه الله في الدين ما كان أبصره، وعن الدنيا ما كان أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره، وبالصالحين ما كان ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها‏.‏

وقال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد بن حنبل‏:‏ أدخل أحمد الكير فخرج ذهباً أحمر‏.‏

وقال الميموني‏:‏ قال لي علي بن المديني بعد ما امتحن أحمد، وقيل‏:‏ قبل أن يمتحن‏:‏ يا ميمون ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل‏.‏ فعجبت من هذا عجباً شديداً وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة علي بن المديني فقال‏:‏ صدق ‏!‏ إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصاراً وأعواناً، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان‏.‏ ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول‏:‏ لست أعلم في الإسلام مثله‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه‏.‏

وقال علي بن المديني‏:‏ إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل، ثم قال‏:‏ ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله ‏؟‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط‏:‏ كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً‏.‏

وقال يحيى بن معين أيضاً‏:‏ أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه‏.‏

وقال الذهلي‏:‏ اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله‏.‏

وقال هلال بن المعلى الرقي‏:‏ منَّ الله على هذه الأمة بأربعة‏:‏ بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ‏.‏ وبأبي عبيد بين غريبها‏.‏ وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث‏.‏ وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي داود‏:‏ أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلماً ومحبرة - يعني‏:‏ في عصره -‏.‏

وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء‏:‏ ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله‏.‏

وقال أبو زرعة الرازي‏:‏ ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن يحيى بن محمد العنبري قال‏:‏ أنشدنا أبو عبد الله البوسندي في أحمد بن حنبل رحمه الله‏:‏

إن ابن حنبل إن سألت إمامنا * وبه الأئمة في الأنام تمسكوا

خلف النبي محمداً بعد الألى * خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا

حذو الشراك على الشراك وإنما * يحذو المثال مثاله المستمسك

وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏)‏‏)‏‏.‏

وروى البيهقي، عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن أبي القاسم البغوي، عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معاذ بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‏.‏ ح‏.‏ قال البغوي‏:‏ وحدثني زياد بن أيوب، حدثنا مبشر، عن معاذ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‏.‏ ح‏.‏ قال البغوي‏:‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا الحديث مرسل، وإسناده فيه ضعف، والعجب أن ابن عبد البر صححه، واحتج به على عدالة كل من حمل العلم، والإمام أحمد من أئمة أهل العلم، رحمه الله، وأكرم مثواه‏.‏

ما كان من أمر الإمام أحمد بعد المحنة

حين خرج من دار الخلافة صار إلى منزله فدووي حتى برئ، ولله الحمد، ولزم منزله فلا يخرج منه إلى جمعة ولا جماعة، وامتنع من التحديث، وكانت غلته من ملك له في كل شهر سبعة عشر درهماً ينفقها على عياله ويتقنع بذلك، رحمه الله، صابراً محتسباً‏.‏

ولم يزل كذلك مدة خلافة المعتصم، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق، فلما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محباً للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق‏:‏ لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد - وهو‏:‏ إسحاق بن إبراهيم - أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق الإمام أحمد إليه فأكرمه وعظمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله إياه، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن فقال له أحمد‏:‏ سؤالك هذا سؤال تعنت، أو استرشاد ‏؟‏ فقال‏:‏ بل سؤال استرشاد‏.‏ فقال‏:‏ هو كلام الله منزل غير مخلوق، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهزه إلى الخليفة إلى سر من رأى ثم سبقه إليه‏.‏ وبلغه أن أحمد اجتاز بابنه محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلم عليه، فغضب إسحاق بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة فقال المتوكل‏:‏ يرد إن كان قد وطئ بساطي، فرجع الإمام أحمد من الطريق إلى بغداد‏.‏

وقد كان الإمام أحمد كارهاً لمجيئه إليهم، ولكن لم يهن ذلك على كثير من الناس، وإنما كان رجوعه عن قول إسحاق بن إبراهيم الذي كان هو السبب في ضربه‏.‏

ثم إن رجلاً من المبتدعة يقال له‏:‏ ابن البلخي وشى إلى الخليفة شيئاً فقال‏:‏ إن رجلاً من العلويين قد أوى إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن‏.‏ فأمر الخليفة نائب بغداد أن يكبس منزل أحمد من الليل، فلم يشعروا إلا والمشاعل قد أحاطت بالدار من كل جانب حتى من فوق الأسطحة، فوجدوا الإمام أحمد جالساً في داره مع عياله فسألوه عما ذكر عنه‏.‏ فقال‏:‏ ليس عندي من هذا علم، وليس من هذا شيء، ولا هذا من نيتي، وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي، وأثره عليَّ، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار، في كلام كثير‏.‏ ففتشوا منزله حتى مكان الكتب وبيوت النساء والأسطحة وغيرها، فلم يروا شيئاً‏.‏

فلما بلغ المتوكل ذلك وعلم براءته مما نسب إليه، علم أنهم يكذبون عليه كثيراً‏.‏ فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة - وهو‏:‏ أحد الحجبة - بعشرة آلاف درهم من الخليفة‏ وقال‏:‏ هو يقرأ عليك السلام ويقول‏:‏ استنفق هذه، فامتنع من قبولها‏.‏ فقال‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ إني أخشى من ردك إياها أن يقع وحشة بينك وبينه، والمصلحة لك قبولها، فوضعها عنده ثم ذهب، فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله وقال‏:‏ لم أنم هذه الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرقها في الناس ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فلم يبق منها درهماً وأعطى منها لأبي أيوب وأبي سعيد الأشج، وتصدق بالكيس الذي كانت فيه، ولم يعط منها لأهله شيئاً وهم في غاية الفقر والجهد، وجاء بنوا ابنه فقال‏:‏ أعطني درهماً‏.‏ فنظر أحمد إلى ابنه صالح فتناول صالح قطعة فأعطاها الصبي فسكت أحمد‏.‏

وبلغ الخليفة أنه تصدق بالجائزة كلها حتى كيسها، فقال علي بن الجهم‏:‏ يا أمير المؤمنين إنه قد قبلها منك، وتصدق بها عنك، وماذا يصنع أحمد بالمال‏؟‏ إنما يكفيه رغيف‏.‏ فقال‏:‏ صدقت‏.‏

فلما مات إسحاق بن إبراهيم، وابنه محمد ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه أن يحمل إليه الإمام أحمد، فقال لأحمد في ذلك، فقال‏:‏ إني شيخ كبير وضعيف، فرد الجواب على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لتأتيني، وكتب إلى أحمد‏:‏ إني أحب أن آنس بقربك، وبالنظر إليك، ويحصل لي بركة دعائك‏.‏ فسار إليه الإمام أحمد - وهو عليل - في بنيه، وبعض أهله، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام‏.‏ وقال له وصيف‏:‏ قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي داؤد، فلم يرد عليه جواباً، وجعل ابنه يدعو الله للخليفة ولوصيف، فلما وصلوا إلى العسكر بسر من رأى، أنزل أحمد في دار إيتاخ، فلما علم بذلك ارتحل منها، وأمر أن يستكري له دار غيرها، وكان رؤوس الأمراء في كل يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعوا ما عليهم من الزينة والسلاح‏.‏

وبعث إليه الخليفة بالمفارش الوطيئة وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك ليحدث الناس عوضاً عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك، وهو ضعيف‏.‏

وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة، والفاكهة والثلج، مما يقاوم مائة وعشرين درهماً في كل يوم، والخليفة يحسب أنه يأكل من ذلك، ولم يكن أحمد يأكل شيئاً من ذلك بالكلية، بل كان صائماً يطوي، فمكث ثمانية أيام لم يستطعم بطعام، ومع ذلك هو مريض، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلاً من السويق بعد ثمانية أيام‏.‏

وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له فامتنع من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل‏.‏ فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله، وقال‏:‏ إنه لا يمكن ردها على الخليفة‏.‏

وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله الخليفة، فقال الخليفة‏:‏ لا بد من ذلك، وما هذا إلا لولدك‏.‏

فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته، ثم أخذ يلوم أهله وعمه، وقال لهم‏:‏ إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا قد نزل بنا الموت فإما إلى جنة وإما إلى نار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء‏.‏ في كلام طويل يعظهم به‏.‏ فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏‏(‏ما جاءك من هذا المال، وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه‏)‏‏)‏‏.‏ وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان‏.‏ فقال‏:‏ وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال‏.‏

ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه بابن ماسويه المتطبب لينظر في مرضه، فرجع إليه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن أحمد ليس به علة في بدنه، وإنما علته من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة‏.‏

فسكت المتوكل ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد، فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه المعتز ويدعو له، وليكن في حجره‏.‏ فتمنع من ذلك، ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله ببغداد‏.‏

وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه، فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور فجيء ببغل لبعض التجار فركبه وجاء إلى مجلس المعتز، وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك المجلس، من وراء ستر رقيق، فلما جاء أحمد قال‏:‏ سلام عليكم‏.‏ وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة، فقالت أم الخليفة‏:‏ الله الله يا بني ‏!‏ في هذا الرجل ترده إلى أهله، فإن هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه‏.‏ وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه‏:‏ يا أمه قد تأنست الدار‏.‏

وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب وقلنسوة وطيلسان فألبسها أحمد بيده، وأحمد لا يتحرك بالكلية‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ ولما جلست إلى المعتز قال مؤدبه‏:‏ أصلح الله الأمير، هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك ‏!‏

فقال‏:‏ إن علمني شيئاً تعلمته‏.‏

قال أحمد‏:‏ فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيراً جداً، فخرج أحمد عنهم وهو يستغفر الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه‏.‏

ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حزاقة فلم يقبل أن ينحدر فيها، بل ركب في زورق فدخل بغداد مختفياً، وأمر أن تباع تلك الخلعة، وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين‏.‏

وجعل أياماً يتألم من اجتماعه بهم، ويقول‏:‏ سلمت منهم طول عمري، ثم ابتليت بهم في آخره‏.‏

وكان قد جاع عندهم جوعاً عظيماً كثيراً حتى كاد أن يقتله الجوع‏.‏

وقد قال بعض الأمراء للمتوكل‏:‏ إن أحمد لا يأكل لك طعاماً، ولا يشرب لك شراباً، ولا يجلس على فرشك، ويحرم ما تشربه‏.‏

فقال‏:‏ والله لو نشر المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه‏.‏

وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في كل يوم تستعلم أخباره وكيف حاله، وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي داؤد فلا يجيب بشيء، ثم إن المتوكل أخرج ابن أبي داؤد من سر من رأى إلى بغداد بعد أن أشهد عليه نفسه ببيع ضياعه وأملاكه وأخذ أمواله كلها‏.‏

قال عبد الله بن أحمد‏:‏ وحين رجع أبي من سامرا وجدنا عينيه قد دخلتا في موقيه، وما رجعت إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتاً هم فيه أو ينتفع بشيء مما هم فيه لأجل قبولهم أموال السلطان‏.‏

وكان مسير أحمد إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم مكث إلى سنة وفاته، وكل يوم إلا ويسأل عنه المتوكل ويوفد إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره في أشياء تقع له‏.‏

ولما قدم المتوكل بغداد بعث إليه ابن خاقان ومعه ألف دينار ليفرقها على من يرى، فامتنع من قبولها وتفرقتها، وقال‏:‏ إن أمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، فردها‏.‏

وكتب رجل رقعة إلى المتوكل يقول‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن أحمد يشتم آباءك ويرميهم بالزندقة‏.‏

فكتب فيها المتوكل‏:‏ أما المأمون فإنه خلط فسلط الناس على نفسه، وأما أبي المعتصم فإنه كان رجل حرب ولم يكن له بصر بالكلام، وأما أخي الواثق فإنه استحق ما قيل فيه‏.‏

ثم أمر أن يضرب الرجل لذي رفع إليه الرقعة مائتي سوط، فأخذه عبد الله بن إسحق بن إبراهيم فضربه خمسمائة سوط‏.‏ فقال له الخليفة‏:‏ لم ضربته خمسمائة سوط ‏؟‏ فقال‏:‏ مائتين لطاعتك، ومائتين لطاعة الله، ومائة لكونه قذف هذا الشيخ الرجل الصالح أحمد بن حنبل‏.‏

وقد كتب الخليفة إلى أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤال استرشاد واستفادة لا سؤال تعنت ولا امتحان ولا عناد، فكتب إليه أحمد رحمه الله رسالة حسنة فيها آثار عن الصحابة وغيرهم، وأحاديث مرفوعة‏.‏

وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها، وهي مروية عنه وقد نقلها غير واحد من الحفاظ‏.‏

 

-----------------------

2 وفيه: أن وفد عبد القيس سألوه عن الإيمان فقال (صلى الله عليه وسلم): أتدرون ما الإيمان ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم. (ابن الجوزي: مناقب الإمام أحمد ص 321).

 

 

 

Partager cet article

Published by connaitre islam
commenter cet article
27 juin 2014 5 27 /06 /juin /2014 10:01

الإمام أحمد بن حنبل

هذه الترجمة للإمام منقولة من كتاب البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله

 

فنقول وبالله المستعان هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل - عليهما السلام - أبو عبد الله الشيباني ثم المروزي ثم البغدادي، هكذا ساق نسبه الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي في الكتاب الذي جمعه في مناقب أحمد عن شيخه الحافظ أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك‏.‏

وروى عن صالح بن الإمام أحمد قال‏:‏ رأى أبي هذا النسب في كتاب لي فقال‏:‏ وما تصنع به‏؟‏ ولم ينكر النسب‏.‏ قالوا‏:‏ وقدم به أبوه من مرو وهو حمل فوضعته أمه في ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة‏.‏

وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمه‏.‏

قال صالح‏:‏ عن أبيه، فثقبت أذني وجعلت فيها لؤلؤتين، فلما كبرت دفعتهما إلي بثلاثين درهماً‏.‏

وتوفي أبو عبد الله أحمد بن حنبل يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله من العمر سبع وسبعون سنة، رحمه الله‏.‏

وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك وأقبل على سماع الحديث، فكان أول طلبه للحديث وأول سماعه من مشايخه في سنة سبع وثمانين ومائة، وقد بلغ من العمر ست عشر سنة، وأول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين‏.‏

وفيها‏:‏ حج الوليد بن مسلم، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج في سنة ثمان وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين، سافر إلى عند عبد الرازق إلى اليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحق بن راهويه‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حججت خمس حجج منها ثلاث راجلاً، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً‏.‏ قال‏:‏ وقد ضللت في بعضها الطريق وأنا ماش، فجعلت أقول‏:‏ يا عباد الله دلوني على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق، قال‏:‏ وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة، ولو كان عندي تسعون درهماً كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج لأنه لم يمكن عندي شيء‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ عن أبيه، عن حرملة سمعت الشافعي قال‏:‏ وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر فلم يقدم‏.‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ يشبه أن تكون ذات اليد منعته أن يفي بالعدة، وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخنا في تهذيبه أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وكذلك الرواة عنه‏.‏

قال البيهقي‏:‏ بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد‏:‏ وقد ذكر أحمد بن حنبل في المسند وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة‏.‏

قلت‏:‏ قد أفرد ما رواه أحمد عن الشافعي، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثاً ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد، عن الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة يرجعه إلى جسده يوم البعث)‏‏)‏

وقد قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة - وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة - قال له‏:‏ يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه حجازياً كان أو شامياً أو عراقياً أو يمنياً - يعني لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين وينزلون أحاديث من سواهم منزلة أحاديث أهل الكتاب -‏.‏

وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد، وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه، وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث، وقد بعد صيته في زمانه واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق‏.‏

ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الإيمان وأنه قول وعمل ويزيد وينقص، وكلامه في القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنكاره على من يقول‏:‏ إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن‏.‏

قال‏:‏ وفيها حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أخبرنا أحمد شيخنا السراج، عن أحمد بن حنبل، أنه قال‏:‏ اللفظ محدث، واستدل بقوله‏:‏ ‏{‏مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}‏ ‏[‏ق‏:‏ 18‏]‏‏.‏ ‏قال‏:‏ فاللفظ كلام الآدميين‏.‏

وروى غيرهما عن أحمد أنه قال‏:‏ القرآن كيف ما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة، قلت‏:‏ وقد قرر البخاري في هذا المعنى في أفعال العباد، وذكره أيضاً في الصحيح، واستدل بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏‏(زينوا القرآن بأصواتكم)‏‏)‏‏.‏ ولهذا قال غير واحد من الأئمة‏:‏ الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، وقد قرر البيهقي ذلك أيضاً‏.‏

وروى البيهقي، من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل السلمي، عن أحمد، أنه قال‏:‏ من قال القرآن محدث فهو كافر‏.‏

ومن طريق أبي الحسن الميموني، عن أحمد أنه أجاب الجهيمة حين احتجوا عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 2‏]‏ قال‏:‏ يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث‏.‏ وعن حنبل، عن أحمد أنه قال‏:‏ يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وعظه إياهم‏.‏

ثم ذكر البيهقي كلام الإمام أحمد، وفي رؤية الله في الدار الآخرة، واحتج بحديث صهيب في الرؤية، وهي زيادة، وكلامه في نفي التشبيه وترك الخوض في الكلام، والتمسك بما ورد في الكتاب والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن أبي عمرو بن السماك، عن حنبل، أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى‏:‏ ‏{وَجَاءَ رَبُّكَ}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 22‏]‏ أنه‏:‏ جاء ثوابه‏.‏ ثم قال البيهقي‏:‏ وهذا إسناد لا غبار عليه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله هو ابن مسعود - قال‏:‏ ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء، وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه، إسناد صحيح‏.‏

قلت‏:‏ وهذا الأثر فيه حكاية إجماع عن الصحابة في تقديم الصديق‏.‏ والأمر كما قاله ابن مسعود، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة‏.‏

وقد قال أحمد حين اجتاز بحمص وقد حمل إلى المأمون في زمن المحنة، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي فقال له‏:‏ ما تقول في الخلافة ‏؟‏ فقال‏:‏ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن قدم علياً على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى، لأنهم قدموا عثمان رضي الله عنه‏.‏

 ورعه وتقشفه وزهده رحمه الله

روى البيهقي، من طريق المزني، عن الشافعي أنه قال للرشيد‏:‏ إن اليمن يحتاج إلى قاض‏.‏ فقال له‏:‏ اختر رجلاً نوله إياها‏.‏ فقال الشافعي لأحمد بن حنبل - وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه - ألا تقبل قضاء اليمن‏؟‏ فامتنع من ذلك امتناعاً شديداً‏‏ وقال للشافعي‏:‏ إني إنما أختلف إليك لأجل العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن ألي القضاء‏؟‏ ولولا العلم لما أكلمك بعد اليوم‏.‏ فاستحى الشافعي منه‏.‏

وروي أنه كان لا يصلي خلف عمه إسحاق بن حنبل، ولا خلف بنيه، ولا يكلمهم أيضاً، لأنهم أخذوا جائزة السلطان، ومكث مرة ثلاثة أيام لا يجد ما يأكله حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقاً، فعرف أهله حاجته إلى الطعام فعجلوا وعجنوا وخبزوا له سريعاً فقال‏:‏ ما هذه العجلة ‏!‏ كيف خبزتم ‏؟‏ فقالوا‏:‏ وجدنا تنور بيت صالح مسجوراً فخبزنا لك فيه، فقال‏:‏ ارفعوا ولم يأكل، وأمر بسد بابه إلى دار صالح‏.‏

قال البيهقي‏:‏ لأن صالحاً أخذ جائزة السلطان، وهو المتوكل على الله‏.‏

وقال عبد الله ابنه‏:‏ مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً لم يأكل فيها إلا ربع مد سويقاً، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سفة منه، حتى رجع إلى بيته، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، وقد رأيت موقيه دخلاً في حدقتيه‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وقد كان الخليفة يبعث إليه المائدة فيها أشياء كثيرة من الأنواع، وكان أحمد لا يتناول منها شيئاً‏.‏

قال‏:‏ وبعث المأمون مرة ذهباً يقسم على أصحاب الحديث، فما بقي منهم أحد إلا أخذ إلا أحمد بن حنبل فإنه أبى‏.‏

وقال سليمان الشاذكوني‏:‏ حضرت أحمد وقد رهن سطلاً له عند فامي1 اليمن، فلما جاءه بفكاكه أخرج له سطلين فقال‏:‏ خذ متاعك منهما، فاشتبه أيهما له فقال‏:‏ أنت في حل منه، ومن الفكاك، وتركه وذهب‏.‏

وحكى ابنه عبد الله قال‏:‏ كنا في زمن الواثق في ضيق شديد، فيكتب رجل إلى أبي إن عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها‏.‏ فامتنع من ذلك، وكرر عليه فأبى، فلما كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال أبي‏:‏ لو كنا قبلناها كانت ذهبت وأكلناها. وعرض عليه بعض التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها باسمه فأبى أن يقبلها وقال‏:‏ نحن في كفاية، وجزاك الله عن قصدك خيراً‏.‏ وعرض عليه تاجر آخر ثلاثة آلاف دينار فامتنع من قبولها وقام وتركه‏.‏ ونفدت نفقة أحمد وهو في اليمن فعرض عليه شيخه عبد الرزاق ملء كفه دنانير فقال‏:‏ نحن في كفاية، ولم يقبلها، وسرقت ثيابه وهو في باليمن فجلس في بيته ورد عليه الباب، وفقده أصحابه فجاءوا إليه فسألوه فأخبرهم فعرضوا عليه ذهباً فلم يقبله ولم يأخذ منهم إلا ديناراً واحداً ليكتب لهم به، فكتب لهم بالأجر رحمه الله‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط‏.‏

وروى البيهقي‏:‏ أن أحمد سئل عن التوكل فقال‏:‏ هو قطع الاستشراف باليأس من الناس‏.‏ فقيل له‏:‏ هل من حجة على هذا ‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ إن إبراهيم لما رمي به في النار في المنجنيق عرض له جبريل فقال‏:‏ هل لك من حاجة ‏؟‏ قال‏:‏ أما إليك فلا‏.‏ قال‏:‏ فسل من لك إليه حاجة‏.‏ فقال‏:‏ أحب الأمرين إلي أحبهما إليه‏.‏

وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفار قال‏:‏ كنا مع أحمد بن حنبل بسر من رأى فقلنا‏:‏ ادع الله لنا فقال‏:‏ اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائماً، ثم سكت فقلنا‏:‏ زدنا ‏!‏ فقال‏:‏ اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض ‏{اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏‏.‏ اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر لنا فنطغى، ولا تقل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغاً لنا في دنيانا، وغنى من فضلك‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وفي حكاية أبي الفضل التميمي، عن أحمد وكان يدعو في السجود‏:‏ اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق ليكون من أهل الحق.‏

وكان يقول‏:‏ اللهم إن قبلت عن عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فداء فاجعلني فداء لهم‏.‏

وقال صالح بن أحمد‏:‏ كان أبي لا يدع أحداً يستقي له الماء للوضوء، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدلو ملآن قال‏:‏ الحمد لله‏.‏ فقلت‏:‏ يا أبة ما الفائدة بذلك ‏؟‏ فقال‏:‏ يا بني أما سمعت قول الله عز وجل‏:‏ ‏{أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 30‏]‏

والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جداً، وقد صنف أحمد في الزهد كتاباً حافلاً عظيماً لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحد فيه، والمظنون بل المقطوع به أنه كان يأخذ بما أمكنه منه رحمه الله‏.‏

وقال إسماعيل بن إسحاق السراج‏:‏ قال لي أحمد بن حنبل‏:‏ هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك ‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم ‏!‏ وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له‏:‏ إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك‏.‏ فقال‏:‏ إنهم كثير فأحضر لهم التمر والكسب‏.‏ فلما كان بين العشاءين جاؤوا، وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئاً، بل جاؤوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتاً مطرقي الرؤوس، كأنما على رؤوسهم الطير، حتى إذا كان قريباً من نصف الليل سأله رجل مسألة فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ، فجعل هذا يبكي وهذا يئن وهذا يزعق‏.‏ قال‏:‏ فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة فإذا هو يبكي حتى كاد يغشى عليه، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح، فلما أرادوا الانصراف قلت‏:‏ كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله ‏؟‏ فقال‏:‏ ما رأيت أحداً يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثل هؤلاء، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم‏.‏

قال البيهقي‏:‏ يحتمل أنه كره له صحبتهم لأن الحارث بن أسد، وإن كان زاهداً، فإنه كان عنده شيء من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك، أو كره له صحبتهم من أجل أنه لا يطيق سلوك طريقتهم وما هم عليه من الزهد والورع‏.‏

قلت‏:‏ بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث المسمى‏:‏ بالرعاية، قال‏:‏ هذا بدعة‏.‏ ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب‏:‏ عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة‏.‏

وقال إبراهيم الحربي‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب‏.‏

وقال‏:‏ الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر‏.‏

وقال‏:‏ الفقر أشرف من الغنى، فإن الصبر عليه مرارة وانزعاجه أعظم حالاً من الشكر‏.‏

وقال‏:‏ لا أعدل بفضل الفقر شيئاً‏.‏

وكان يقول‏:‏ على العبد أن يقبل الرزق بعد اليأس، ولا يقبله إذا تقدمه طمع أو استشراف‏.‏

وكان يحب التقليل من الدنيا لأجل خفة الحساب‏.‏

وقال إبراهيم‏:‏ قال رجل لأحمد‏:‏ هذا العلم تعلمته لله ‏؟‏ فقال له أحمد‏:‏ هذا شرط شديد ولكن حبب إلي شيء فجمعته‏.‏ وفي رواية أنه قال‏:‏ أما الله فعزيز، ولكن حبب إلى شيء فجمعته‏.‏

وروى البيهقي‏:‏ أن رجلاً جاء إلى الإمام أحمد فقال‏:‏ إن أمي زمنة مقعدة منذ عشرين سنة، وقد بعثتني إليك لتدعو لها‏.‏ فكأنه غضب من ذلك، وقال‏:‏ نحن أحوج أن تدعو هي لنا من أن ندعو لها‏.‏ ثم دعا الله عز وجل لها‏.‏ فرجع الرجل إلى أمه فدق الباب، فخرجت إليه على رجليها وقالت‏:‏ قد وهبني الله العافية‏.‏

وروي أن سائلاً سأل فأعطاه الإمام أحمد قطعة فقام رجل إلى السائل فقال‏:‏ هبني هذه القطعة حتى أعطيك عوضها، ما تساوي درهماً‏.‏ فأبى فرقاه إلى خمسين درهماً وهو يأبى وقال‏:‏ إني أرجو من بركتها ما ترجوه أنت من بركتها‏.‏

ثم قال البيهقي رحمه الله‏:‏

 باب ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل

في أيام المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق بسبب القرآن العظيم، وما أصابه من الحبس الطويل، والضرب الشديد، والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم في ذلك إليه، وصبره عليه وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم‏.‏

وكان أحمد عالماً بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة، والأخبار المأثورة، وبلغه ما أوصى به في المنام واليقظة فرضي وسلم إيماناً واحتساباً، وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة، وهيأه الله بما آتاه من ذلك لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه، وألحق به محببيه فيما نال من كرامة الله تعالى إن شاء الله من غير بلية، وبالله التوفيق والعصمة‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 1 - 3‏]‏‏.‏

وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 17‏]‏‏.‏

في سواها معنى ما كتبنا‏.‏

وقد روى الإمام أحمد الممتحن في مسنده قائلاً فيه‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عاصم بن بهدلة، سمعت مصعب بن سعد، يحدث عن سعد، قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي الناس أشد بلاء ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الله الرجل على حسب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك، وما زال البلاء بالرجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)‏‏)‏‏.‏

وقد روى مسلم في صحيحه قال‏:‏ حدثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(ثلاثة من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان‏:‏ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه)‏‏)‏‏.‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏

وقال أبو القاسم البغوي‏:‏ حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان بن عمر السكسكي، ثنا عمرو بن قيس السكوني، ثنا عاصم بن حميد، قال‏:‏ سمعت معاذ بن جبل، يقول‏:‏ إنكم لم تروا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الأمر إلا شدة، ولا الأنفس إلا شحاً‏.‏ وبه قال معاذ‏:‏ لن تروا من الأئمة إلا غلطة، ولن تروا أمراً يهولكم ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشد منه‏.‏ قال البغوي‏:‏ سمعت أحمد، يقول‏:‏ اللهم رضنا‏.‏

وروى البيهقي، عن الربيع، قال‏:‏ بعثني الشافعي بكتاب من مصر إلى أحمد بن حنبل، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب فقال‏:‏ أقرأته ‏؟‏ فقلت‏:‏ لا ‏!‏ فأخذه فقرأه فدمعت عيناه، فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ وما فيه ‏؟‏ فقال‏:‏ يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأقرأ عليه السلام مني وقل له‏:‏ إنك ستمتحن وتدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم، ويرفع الله لك علماً إلى يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏ قال الربيع‏:‏ فقلت‏:‏ حلاوة البشارة‏.‏ فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه، فلما رجعت إلى الشافعي أخبرته فقال‏:‏ إني لست أفجعك فيه، ولكن بله بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به‏.‏

 

-------

1 فامي: نسبة إلى فامية: بلدة في العراق.

Partager cet article

Published by connaitre islam - dans savants
commenter cet article
26 juin 2014 4 26 /06 /juin /2014 18:56

د.محمد عبدة

كُتب الكثير عن حياة الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الإسلامية في الجزائر في العصر الحديث. ولكن حركة الشيخ وتأسيس جمعية العلماء ما تزال مصدرًا مفيدًا للتأمل والاستفادة، فقد أصابت هذه التجربة النجاح بنسبة عالية، وقد لاحظ الشيخ نفسه أهمية ما قام به فذكره -ربما حتى لا ينتقص مِنْ هذا العمل الدؤوب- فقال: “لم تقم في أمة إسلامية هيئة علمية منظمة تعلن الدعوة إعلانًا عامًّا وتصمد للمقاومة غير الأمة الجزائرية؛ فكان من علمائها الأحرار المستقلين أولئك الذين نهضوا بالدعوة الإصلاحية، وجاهدوا وصابروا وأسسوا لها مؤسسة دينية حتى أصبحت الدعوة الإصلاحية -والحمد لله- ثابتة الأركان باسقة الأفنان”[1].

إن تجربة جمعية العلماء تستحق الدراسة؛ لأنها لم تأت عفوية نتيجة حدث أو ردّ فعل، إنما جاءت بعد تخطيط وتفكير عميق وبعد دراسة وتأنٍ، كانت البداية عام 1913م، ولكن الجمعية لم تقم إلا عام 1931م، فقد انتظر الشيخ حتى تنضج الفكرة، وتأخذ حقها من التريُّث والدراسة وجمع الكلمة.

 

نبذة عن حياة الشيخ عبد الحميد بن باديس

ولد الشيخ عبد الحميد بن باديس في مدينة قسنطينة من مدن شرقي الجزائر عام 1308هـ/ 1889م من أسرة ذات جاهٍ وشهرة، ترجع في أصولها إلى المعز بن باديس مؤسس الدولة الصنهاجية، وكان والد ابن باديس عضوًا في المجلس الجزائري الأعلى.

- درس عبد الحميد بن باديس في قسنطينة على يد المشايخ ولم يلتحق بالمدارس الفرنسية، وحفظ القرآن على الشيخ محمد المداسي، وبعدها انتقى له والده أحد الشيوخ الصالحين، وهو الشيخ حمدان الونيسي، فدرس معه مبادئ العربية والعلوم الإسلامية، وقد أوصاه بأن يقرأ العلم للعلم لا للوظيفة ولا للرغيف، وأخذ عليه عهدًا ألاَّ يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا، وقد نفذ ابن باديس وصية شيخه تنفيذًا كاملاً.

- ارتحل عبد الحميد بن باديس إلى جامعة الزيتونة في تونس عام 1908م، وبعد أربع سنوات نال شهادة العالمية، وكان من أبرز شيوخه: محمد النخلي، والطاهر بن عاشور، والبشير صفر، والخضر حسين.

- في عام 1332هـ- 1913م ارتحل عبد الحميد بن باديس إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والالتقاء بأستاذه الونيسي. وفي المدينة النبوية التقى لأول مرة بالشيخ البشير الإبراهيمي العالم والأديب الجزائري الذي سبقه إلى المدينة عام 1911م. يقول الإبراهيمي: “وكنا نؤدي فريضة العشاء كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي فنسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد، فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ويشهد الله على أن تلك الليالي هي التي وضعت فيها الأسس الأولية لجمعية العلماء”.

- رجع الشيخ ابن باديس إلى الجزائر في العام نفسه وبدأ بتطبيق برنامجه وخطته التي وضعها، وهي تعليم النشء في المسجد، والدروس تبدأ بعد الفجر وتستمر طيلة النهار، وبعد العشاء يدرس الكهول والشيوخ من أهالي قسنطينة يفسر لهم القرآن.

- أسس مع الإبراهيمي وآخرين جمعية العلماء عام 1931م، وكان لها دور بارز وكبير في نهضة الجزائر.

- في عام 1938م احتفلت الجزائر كلها بختم الشيخ لدروس تفسير القرآن الذي أتمه خلال خمسة وعشرين عامًا.

- توفي الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في عام 1359هـ/ 1940م.

 

الأهداف والمرحلية

كما يقال (ابدأ والنهاية في ذهنك)، فإن الأهداف البعيدة المدى كانت واضحة منذ لقاء ابن باديس للإبراهيمي، يقول الأخير: “كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة في تربية النشء هي: ألا نتوسع له في العلم، وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا”[2]. ومن الأهداف البعيدة لجمعية العلماء: “إنشاء جيش من الشباب يحمل فكرة الجمعية وعقيدة الإسلام، وأن يكون هؤلاء نقاط جذب لمئات الآلاف من أنصار الفكرة وحملة العقيدة”.

إن تشخيص الداء واضح عند هذيْن الزعيمين، يقول الإبراهيمي: “إن البلاء المنُصبّ على هذا الشعب آتٍ من جهتين متعاونتين عليه يفسدان عليه دينه ودنياه: استعمار مادي (فرنسا)، واستعمار روحاني (مشايخ الطرق) المؤثرون في الشعب، المتاجرون باسم الدين، والاستعماران متعاضدان يؤيد أحدهما الآخر، وغرضهما تجهيل الأمة لئلاَّ تفيق بالعلم، وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة، وكان من سداد الرأي أن تبدأ الجمعية بمحاربة الاستعمار الثاني؛ لأنه أهون”[3].

والبداية بالأضعف عدا عن دلالتها على وضوح فكرة المرحلية عند الشيخ والجمعية، فهي كذلك محاصرة للاستعمار الأول وفضح أعوانه وتنحيتهم طائفة بعد أخرى؛ لأن محاربة الطرقية ستظهر كدعوة دينية بحتة لتنقية الإسلام من البدع، ولا دخل لها بمحاربة فرنسا.

 

المرحلة الأولى

بعد رجوع ابن باديس إلى الجزائر من رحلته العلمية ورحلته إلى الحجاز، ركز جهوده كلها على التربية والتعليم، وقد بدأ بداية بسيطة في مسجد (سيدي قموش) وفي (الجامع الكبير) في قسنطينة. كان النهار كله للأطفال والشباب، يعلمهم العربية وأمور دينهم، وفي المساء تفسير القرآن للكهول والشيوخ، وتقاطر عليه الناس يستفيدون من علمه. منعته فرنسا من دروس (الجامع الكبير)، فانتقل إلى (الجامع الأخضر)، وقد استعان بوجاهة والده لدى الحكومة فأذنت له بالتدريس، وربما ظنت فرنسا أنه شيخ مثل بقية الشيوخ لا خطر منه، أو أنها سكتت عنه احترامًا لوالده.

كانت هذه السنوات تأسيسًا وإرهاصًا لنشوء جمعية العلماء، وفي هذه الفترة كانت المشاورة مستمرة مع الشيخ الإبراهيمي، وكان اللقاء كل أسبوعين. يقول الإبراهيمي: “فنزن أعمالنا بالقسط، ونزن آثارها في الشعب بالعدل، ونبني على ذلك أمرنا، ونضع على الورق برامجنا للمستقبل بميزان لا يخل أبدًا”.

بعد أن أحس ابن باديس بصلابة الأرض تحت قدميه بدأ بالهجوم على الطرق الصوفية الذين ارتضوا لأنفسهم ما ارتضته لهم فرنسا، وأصدر جريدة (المنتقد) عام 1925م. واسمها يدل على ما يهدف إليه الشيخ، وتنبهت الإدارة الفرنسية إلى خطر هذا المصلح الذي يهاجم أعوانها، فأصدرت قرارًا بتعطيل الجريدة بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددًا، ولكن الشيخ كان قد بدأ مشروعه وسار فيه شوطًا، وقد فات الأوان على فرنسا أن تحاصره أو توقف عمله.

في هذه المرحلة كان الشيخ حذرًا في التعامل مع فرنسا ويتكلم بلهجة واقعية، ويطالب بمطالب بسيطة، فهو يطالب فرنسا بتطبيق دستورها، وألا تكيل بمكيالين. يقول في المقال الافتتاحي في العدد الأول من جريدة المنتقد: “نحن قوم مسلمون جزائريون في نطاق مستعمرات الجمهورية الفرنسوية، فلأننا مسلمون نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا، وإن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته، ولا نعني بهذا أننا نخلط بين الدين والسياسة في جميع شئوننا، وإنما نعني اعتبار الدين قوامًا لنا وملجأ شرعيًّا لسلوكنا؛ ولأننا جزائريون نعمل للم شعث الأمة وترغيبهم في العلم والعمل المفيد؛ ولأننا مستعمرة نسعى لربط أواصر المودة بيننا وبين الأمة الفرنسية، ونحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادئها الثلاثة: الحرية، المساواة، الأخوة”[4].

فالخطاب واضح: الجزائر تابعة لفرنسا إداريًّا، وتمد لها يد الصداقة لتفيد منها في النهضة الاقتصادية والسياسية، ولكن الجزائر مسلمة، وهذه هويتها. ويقول تعليقًا على قانون 1865م: “قضى قانون 1865م اعتبارنا فرنسيين، ولكنه نفذ تنفيذًا جائرًا، فيفرض علينا جميع الواجبات دون حقوقها”.

 

المرحلة الثانية:

بعد إقفال جريدة (المنتقد) أصدر الشيخ جريدة (الشهاب) التي احتفظ بها حتى وفاته، وكانت أسبوعية ثم تحولت إلى شهرية، وكان يصدرها أحيانًا بدروسه في التفسير، وأصدر صحفًا أخرى مثل: الشريعة، السنة المحمدية، الصّراط، ولم تعمر طويلاً؛ فقد أوقفتها الإدارة الفرنسية، وبدأت نبرة الانتقاد للطرق الصوفية وعملاء فرنسا تعلو، وبعد تأسيس جمعية العلماء -وحتى لا يحرج الجمعية- كان إذا أراد مهاجمة الاستعمار الفرنسي يقول: اتركوا لي هذا الأمر شخصيًّا، وكان ذلك على صفحات (الشهاب).

من أبرز أعمال هذه المرحلة تأسيس جمعية العلماء الجزائريين التي تكللت بالنجاح، وتأتي في قمة عطاء ابن باديس والإبراهيمي وغيرهم من العلماء كالشيخ العقبي والتبسّي. كان ذلك في عام 1931م بعد مرور قرن على الاحتلال الفرنسي لهذا القطر العربي الإسلامي، وبعد أن ظنت فرنسا أنها ألحقت الجزائر بها سياسيًّا وثقافيًّا إلى غير رجعة، وكتب الكاردينال (لافيجري) في احتفالات سنة 1930م: “إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر”، وإذا بها تفاجأ بعمل كبير كان له أكبر الأثر في أجيال قاومت فرنسا، وحفظت للجزائر دينها ولغتها.

كتب الإبراهيمي عن تأسيس الجمعية: “دَعَوْنا فقهاء الوطن كلهم، وكانت الدعوة صادرة باسم الأمة كلها، وليس فيها اسمي ولا اسم ابن باديس؛ لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق من الحملات الصادقة على جمودهم، فاستجابوا جميعًا للدعوة واجتمعوا في يومها المقرر، ودام اجتماعنا في (نادي الترقي) بالجزائر أربعة أيام، وانتخب ابن باديس رئيسًا وجاء دور العمل”[5].

كان هذا الاجتماع بعد تمهيد طويل ونتيجة تشاور واتصالات وإقناع، وبعد أن نفخ ابن باديس في المسلمين روح الاجتماع والشورى، يقول: “ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلا بإهمالهم أمر الاجتماع ونظامه، فعلى أهل العلم -وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم- أن يقوموا بما أرشدت إليه الآية {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه} [النور: 62].

وحتى ينجح هذا المشروع الكبير فإن الشيخ أراد أن يسير به بحذر وتؤدة وجنبه الألغام، فكان من دستور الجمعية أنه لا يسوغ لها بأي حال من الأحوال أن تخوض في الأمور السياسية، ومن أهدافها: محاربة الآفات الاجتماعية كالخمر والميسر، وكل ما يحرمه الشرع وينكره العقل. وكان هذا ستارًا رقيقًا، أما المضمون والواقع فإن الجمعية خاضت في السياسة بطريقة أخرى عندما أنشأت المدارس العربية في مدن الجزائر وقراها، وعندما نادت بالأخوة الإسلامية وحقوق الإنسان ومناهضة الظلم والاستعباد. نعم، لم يبدأ الشيخ بالعمل السياسي الذي هو عند البعض خطب ومظاهرات لا تجدي مع هذا الاستعمار، وإنما خطته محاصرة هذا الاستعمار وتقويض أهدافه شيئًا فشيئًا.

كانت مبادئ الجمعية واضحة: القرآن هو كتاب الإسلام، السُّنَّة القولية والفعلية تفسير وبيان للقرآن، التوحيد أساس الدين، وأما إنجازات الجمعية فكثيرة جدًّا، ومن أهمها: إحياء المفاهيم الإسلامية، وإنشاء المدارس، ونشر العلم وإحياء اللغة العربية. وظل الشيخ يعتبرها غير سياسية، فعندما هاجمت جريدة (الطان) الفرنسية جمعية العلماء بأنها تثير الناس، ردّ عليهم: “ثم ما شأن جمعية العلماء في هذا الأمر وهي جمعية دينية تهذيبية بحتة، بعيدة كل البعد عن السياسة؟”[6].

وقد فطن أحد الكتاب الفرنسيين لخطورة ابن باديس وجمعيته رغم إعلانه أنها غير سياسية، فكتب محذرًا: “هل يمكن أن نقول: إن جمعية العلماء ملية (وطنية جزائرية) نعم، ولكن هذه الملية لا تظهر مباشرة، فالعلماء يحملونها في صدورهم، إن سياستهم تنحصر في المرابطة بحصن الثقافة والدين، وهكذا يتدخلون في كل شيء”.

 

المرحلة الثالثة:

بعد قيام الجمعية وتقوية نفوذها بدأت لهجة الشيخ في معارضة فرنسا تزداد حدة؛ ففي سنة 1933م كتب إلى الوالي الفرنسي متهمًا إياه بالتدخل في الشئون الدينية لمسلمي الجزائر على نحو مخالف للدين وللقانون الفرنسي، ثم يوجِّه الشيخ نداء إلى الأمة أن لا تتبع السياسة العتيقة، سياسة المطالبة والانتظار تجاه دولة تخلف وعودها، ويدعو إلى سياسة المقاومة السلمية مثل مقاطعة الانتخابات، وحدد يومًا للبدء بحركة المقاومة. وقد ثار المستعمرون الفرنسيون على نداء ابن باديس، فكتب يرد عليهم: “لم يسؤني ما علقتم به من عبارات الحقد والتحريش، وأريد أن أحقق لكم أن تحرشكم لا يخيف صغارًا من تلامذتنا، فمن باب أولى ألا يكون له أدنى تأثير في كبارنا، ومن المؤسف أنكم لا تدركون تطورات الأمم وتقلبات الأيام”[7].

في سنة 1937م يطلب الشيخ من أهالي قسنطينة عدم المشاركة بالاحتفال المئوي لاحتلال مدينتهم فيمتثلون لأمره جميعًا. لقد انتقل الشيخ إلى مركز القيادة، وحاولت فرنسا الالتفاف على هذه المبادرات وهذه اليقظة فأصدرت قانون (بلوم- فيوليت)، الذي فرحت به الأحزاب السياسية لآمالهم في الاندماج مع فرنسا والمساواة في الحقوق السياسية، ولكن فرنسا أخلفت مواعيدها في هذه المرة أيضًا، ويكتب الشيخ: “إن فرنسا تعد وتخلف، والجزائر تخدع وتطمع، وأما نحن فقد أخذ اليأس بتلابيب كثير منا، كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر، وإنما يدفعنا اليأس إلى المغامرة والتضحية، وكَذَب رأي السياسة وساءَ فألها”[8]. وهذه العبارة الأخيرة تدل على ما في ذهن الشيخ وما يخطط له من محاربة الاستعمار.

ويهاجم دعاة الاندماج مرة ثانية فيقول: “ثم إن هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا، لو أرادت”.

وهكذا انتقل ابن باديس في آخر حياته لمرحلة المقاومة السياسية ثم المقاومة بالقوة، ولكنه لم يدرك هذه الأخيرة. لقد بدأ إصلاحه “سهلاً لينًا وانتهى صارمًا ممتنعًا على نحو لم يفطن له المستعمر أول الأمر. إنه الرجل السهل الممتنع الذي بدأ ينحت في الصخر تحت خرير الماء الهادئ، حتى أتى على الصخر وأزاله من طريق الأمة”[9].

 

المصدر: د. محمد العبدة موقع الإسلام اليوم.

 

1 تركي رابح: الشيخ ابن باديس ص146.

2 د. محمود قاسم: الإمام عبد الحميد بن باديس ص27.

3 المصدر السابق ص25.

4 محمد الميلي: ابن باديس وعروبة الجزائر ص161.

5 محمود قاسم: ابن باديس ص23.

6 الميلي: ابن باديس وعروبة الجزائر ص186.

7 محمود قاسم: ابن باديس ص73.

8 الميلي: ابن باديس ص180.

9 محمود قاسم: ابن باديس ص49-64.


 

 

Partager cet article

Published by connaitre islam - dans savants
commenter cet article
25 juin 2014 3 25 /06 /juin /2014 05:21

 


 

Partager cet article

Published by connaitre islam - dans éducation
commenter cet article
14 juin 2014 6 14 /06 /juin /2014 12:44

Partager cet article

Published by connaitre islam - dans prophete
commenter cet article

Présentation

  • : Le blog de connaitreislam.over-blog.com
  • Le blog de connaitreislam.over-blog.com
  • : Le but de ce blog est de mener une réflexion sur l'islam. Cette religion qui est souvent ignorée par une large partie de la population.
  • Contact

Recherche

Liens

Partager cette page Facebook Twitter Google+ Pinterest
Suivre ce blog