coran

Mardi 26 février 2 26 /02 /Fév 14:36

 



عرفت البشرية في عصور التاريخ المختلفة ألوانًا مختلفة من المذاهب والنظريات، والنُّظُم والتشريعات التي تستَهدِف سعادة الفرد والجماعة، ولكن واحدة منها لم يبلغ من الروعة والإتقان والإجلال مَبْلَغ القرآن في تشرِيعاته ونظمه، بل ولا داناه ولا قارَبَه.

لقد جاء القرآن ليَبنِي عقيدةً في القلوب تُؤَثِّر على سلوك الإنسان ووجدانه ومشاعره، وترسم في حَنايَا نفسه مَسارِب للتربية الإيمانية العَمِيقة التي تقوم على عقيدة التوحيد.

فأساس التشريع الإسلامي هو في تلك العقيدة التي يُرَبِّي عليها القرآن أبناء الإسلام فتُتَرجَم إلى سلوك عملي، عقيدة تقوم على أن الله تعالى خالِق الكون ومُنشِئه والمُهَيْمِن على كلِّ كبير وصغير فيه.

والعالم الذي يَحْيَا فيه الفرد المسلم هو جزءٌ من هذا الكون الكبير يجب أن يَسِير على وَفْقِ المنهج الذي ارتَضَاه له خالقه، ومن أسس عقيدة التوحيد ما جاء في القرآن مثل:

قوله تعالى : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ الإخلاص: 1- 4. وقوله تعالى : ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ الحديد: 3. وقوله تعالى : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾ يونس: 3. وقوله تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ الشورى: 11. وقوله تعالى : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ الأنعام: 103. وقوله تعالى : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ القصص: 88

هذه الحقائق عندما تَعِيش في وجدان المسلم ويَتربَّى عليها، يكون انقِيادُه لشريعة الله المنزلة في كتاب الله انقِيادًا تامًّا مُستَولِيًا على كلِّ شخصيَّته، ويعدُّ نفسه متعبدًا إلى الله تعالى خالقه بكلِّ تكليف وكلِّ أمر وكلِّ نهي يَرِدُ في القرآن أو في سنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقف منه الموقف المذعن للأمر بالائتِمار وللنهي بالانتهاء.

وهكذا إذا صحَّت العقيدة كان الأخْذ بالتشريع القرآني على مستوى صحَّة العقيدة، فتصبح كلُّ عبادة مفروضة من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها من ضروب العبادة مظهرًا من مظاهر الصلاح الذي يَنعَكِس أثره على المجتمع في مجموعِه والدولة في نظامها.

فالصلاة تربية روحية يتعلَّم الفرد من خلالها نظام الجماعة؛ فهو يُؤَدِّيها في جماعة خمس مرَّات في اليوم والليلة فيتعلَّم النظام ويتعلَّم الإيجابية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهو في اتِّجاهه إلى قبلة واحدة يتفكَّر في تلك القبلة التي يُصَلِّي إليها المسلمون جميعًا في مَشارِق الأرض ومَغارِبها؛ فيشعر بالوحدة الإسلامية والآصِرَة الإيمانية تملأُ أرجاء نفسه وتُسَيطر على كيانه ومشاعره.

والزكاة تَقتَلِع من النفس جذور الشرِّ وعبادة المال والحرص على الدنيا، وهي في صالح الجماعة؛ فهي تُقِيم دعائم التعاون بين أفراد المجتمع وتشعر النفس بتكامُلها مع الآخَرين.

والصوم ضبْط للنفس وشحْذ لعزائمها، وحبْس للشهوة وتقوِيَة للإرادة، وهو مَظْهَرٌ اجتماعي يجمع المسلمين شهرًا كاملاً على نظام واحد في الطعام والشراب فتَقْوَى الأواصِر وتتوحَّد الهِمَم والمشاعر.

والحجُّ سياحة روحية، وتجوال في أماكن مهبط الوحي الأولى، وبها ينخلع المسلم من أهله ووطنه وجَواذِب الأرض والطين لينضمَّ إلى قافلة المُقبِلين على الله.

ومن تربية القرآن للفرد ينتقل إلى بناء الأسرة على دعائم صالحة من الودِّ والرحمة كما قال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الروم: 21

وتقوم المعاشرة داخل الأسرة المسلمة على المعروف وللرجل القوامة التي تعني: القيام بالرعاية واستشعار المسؤولية.

ثم يأتي نظام الحكم الذي يقوم في المجتمع المسلم، فهو كما أرادَه الله - تعالى - وبيَّنَه في القرآن نظام يقوم على الشورى المُلزِمة، فلا استبداد برأيٍ ولا تعطيل لقُوَى المجتمع الحيَّة في تنمية المجتمع وترقِيَته؛ قال تعالى : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ الشورى: 38

هي إذًا حكومة الشورى والمساواة، والعدل والحرية، وتحكيم الشريعة في الصغير والكبير من أمور الدولة؛ كما قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ النساء: 135

وكما قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ النساء: 58

والتشريع الإسلامي جاء تشريعًا قائمًا على أصول صالحة عامَّة؛ فهو تشريع مَرِن يصلح لحاجَة الجماعة البشرية في كلِّ عصر، وهو تشريع مُتوازِن مُتكامِل يجمع بين حاجات الرُّوح ومَطالِب البدن.

ولقد جاء القرآن بأصول التشريعات المختلفة؛ من تشريعات اجتماعية واقتصادية، وسياسية ودستورية، ودولية وجنائية، في أسلوب سهل بديع يُهَيِّئ الملكة العلمية للاجتهاد والتطوير المُنضَبِط بالثوابت والقطعِيَّات، وبما يَتلاءَم مع ظروف العصر وحاجات كلِّ جماعة من الجماعات البشرية.

ومن سِمَات التشريع القرآني المعجز:

أولاً: الربانيَّة:

أوَّل ما تمتاز به شريعة القرآن عن قوانين البشر جميعًا أنها شريعة ربَّانيَّة المصدر ربانِيَّة الوجهة.

فربَّانِيَّة المصدر تَتمثَّل في أنها ليست من وضْع البشر الذين يستولي على عملهم دائمًا النقْص والقصور والعجْز عن بلوغ الكمال، فضلاً عن مُؤَثِّرات الزمان والمكان والحال والهوى والعاطفة.

وربَّانيَّة الوجهة تَتَمثَّل في أن هدف الشريعة القرآنية الأوَّل هو ربط الناس بربهم حتى يعرفوه ويُوَحِّدوه ويتَّقوه حقَّ تقواه ويعبُدوه حقَّ عبادته.

وليس هذا خاصًّا بالعبادات الفردية فقط، وإنما يشمل سائر أحكام الشريعة في مجالاتها المختلفة: الاجتماعية، والمدنية، والدستورية، والدولية، والجنائية، وغيرها.

ثانيًا: العالمية أو الإنسانية:

حيث إنَّ شريعة الإسلام ليست شريعة قوْم مخصوصين، فهي ليست شريعةً للعرب دون غيرهم، وليست لشعب من الشعوب دون باقي الشعوب الأخرى، بل هي شريعة عالمية إنسانية نزلت لتُطَبَّق في كلِّ زمان ومكان، فليست للبِيض دون السُّود، ولا للسود دون البيض، وإنما هي للإنسان من حيث هو إنسان يعيش في أيِّ مجتمع إنساني أيًّا كان هذا المجتمع.

ثالثًا: العدل المطلق:

فهدف الشريعة القرآنية إقامة العدل المطلق، وهو قاعدة أصيلة من قواعد الشريعة في مجالها السياسي والاقتصادي، والاجتماعي والجنائي والدولي.

رابعًا: الموازنة بين حاجات الفرد وحاجات المجتمع:

فالفرد في شريعة القرآن له حقوق وعليه واجبات تُكافِئ هذه الحقوق، والمجتمع كذلك له حقوقه وعليه واجباته تجاه الفرد، والاثنان معا - الفرد والمجتمع - يحملان معًا عبْء القيام بالواجبات التي يفرِضها القرآن.

خامسًا: الشُّمول:

فالتشريع القرآني ليس تشريعًا قانونيًّا فقط يُنَظِّم سلوك الأفراد وعلاقاتهم في المجتمع مع بعضهم البعض، ولكنَّه قبل ذلك يُنَظِّم حياة الفرد الخاصَّة، وهو حين يَتناوَل التشريع لحياة الفرد يَتناوَل جوانب هذه الحياة جميعًا في تَناسُب واتِّساق ووحدة، لا يلغي النَّوازِع الفردِيَّة؛ بل يَنظمها ويُوَجِّهها لتَعُود بالنفع على الفرد والمجتمع.

كما أنه ليس تشريعًا لجانب واحد من الحياة القانونية، بل هو تشريع لهذه الجوانب جميعها تتعمَّق فيه الروابط وتتوحَّد، وتتكامَل الاتِّجاهات والروافد.

سادسًا: الجمع بين الثَّبَات والمرُونة:

فالثَّبَات في الأصول والأهداف، والمرونة في الفروع والوسائل والتفاصيل، ومن هنا فإن للاجتهاد البشري في التشريع الإسلامي مجالاً كبيرًا للعمل.

فمجال الاجتِهاد هو منطقة الظنيَّات، أمَّا منطقة القطعيَّات فهي منطقة الأصول والأهداف، وهذه لا مجال للاجتِهاد فيها، وبهذا يجمع التشريع القرآني بين الثَّبَات والمرُونة في آنٍ واحد.

وهكذا، فإن هذه الخصائص التي تَتَميَّز بها شريعة الإسلام تُؤَكِّد الإعجازَ التشريعيَّ للقرآن الكريم الذي ستَظَلُّ شريعته شريعة الخلود والبقاء دليلاً على أن هذا القرآن من عند خالق الأرض والسماء.

 

Par connaitre islam - Publié dans : coran - Communauté : les vérités du CORAN
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 26 février 2 26 /02 /Fév 14:34

 



من جوانب الإعجاز التي تكلَّم فيها المُعاصِرون: إعجازُ القرآن العلمي، وهذا الإعجاز العلمي لا يتبدَّى في اشتمال القرآن على النظرِيَّات العلمية التي يُمكِن أن تتغيَّر وتتبدَّل وتكون ثمرة للجهد البشري في النظر والبحث، وإنما يبدو إعجاز القرآن في حثِّ الإنسان على التفكير والبحث الذي قاد العقل البشري للوصول إلى هذه النظريات والقوانين.

فالقرآن يحثُّ العقل البشري على النظر في الكون وتدبُّره ولا يشلُّ حركته في التفكير ولا يَحُول بينه وبين الاستِزادة من العلوم ما استَطاع إلى ذلك سبيلاً.

ومن هنا فإن أيَّ مسألة من مسائل العلم أو قاعدة من قواعده يثبت رسوخها ويتبيَّن يقينها تكون مُحَقِّقة لما حثَّ عليه القرآن من منهج علمي وتفكير سليم. وقد تقدَّمت العلوم في هذا العصر تقدُّمًا كبيرًا وكثرت مسائلها، ولم يَتعارَض شيء ثابت منها مع آية من آيات القرآن، وهذا يُعَدُّ من الإعجاز.

كذلك فإن إعجاز القرآن العلمي باب واسع، ولا نتكلَّم عن نظريات وفروض لا تزال قيد البحث والنظر، ولكن تلك الحقائق العلمية الراسخة التي أثبَتَها العلم جِيلاً بعد جيل، نجد في القرآن العظيم إشارات إلى جُمَلٍ منها؛ ذلك أن القرآن كتاب هداية وإرشاد، وهو حين يُشِير إلى حقيقة علميَّة يُشِير إليها إشارة مُوجَزة مُجمَلة يعرفها العلماء بعد طُولِ البحث والدرس، ويُلاحِظون تضمُّن الإشارة القرآنية مع رسوخ العلم وطول الممارسة له.

ومن هذه الإشارات الإعجازية البالغة ما يلي:

التلقيح في النبات ذاتي وخلطي، والذاتي هو ما اشتملت زهرته على عضو التذكير والتأنيث، والخلطي هو ما كان عضو التذكير فيه مُنفَصِلاً عن عضو التأنيث كالنَّخِيل فيكون بالنقل، ومن وسائل ذلك الرياح، وهذا هو ما جاء في قوله تعالى : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ الحجر: 22

الأوكسجين هو غاز ضروري للتنفُّس، ويقلُّ في طبقات الجوِّ العُليَا، فكُلَّما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحسَّ بضِيق الصدر وصعوبة التنفُّس، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ الأنعام: 125

وفي مجال علم الأجِنَّة يقول الله تعالى : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ الطارق: 5- 7. وقد أثبَتَ العلماء هذه الحقيقة العلميَّة؛ إذ إنَّ التكوينات الأولى للبُوَيْضَة والحيوان المنويِّ تبدأ من بين الصلب والترائب، وهي عظام الصدر.

ما أرشد إليه القرآن من اختِلاف بصمات الأصابع في الإنسان في قوله - تعالى -: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ القيامة: 3- 4، فهذه الآية تلفت النظر إلى قدرة الله تعالى وحكمته في خلق البَنان بصورة مختلفة من إنسان إلى آخر؛ ممَّا يترتَّب عليه اختلاف بصمات الأصابع.

وإذا ذهبنا نُعَدِّد أمثلةً للإعجاز العلمي في القرآن نجدها كثيرة، والقرآن حين يَعرِض هذه الآيات الكونية كدلائل للإعجاز يَعرِضها في مَعرِض الهداية بالقرآن الذي هو كلام العليم الخبير بأسرار السماوات والأرض، ويهدف منها إلى لفت الأنظار إلى بديع قدرة الله تعالى كدليل على وحدانيته وألوهيَّته.

Par connaitre islam - Publié dans : coran - Communauté : les vérités du CORAN
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 26 février 2 26 /02 /Fév 14:33

 



من وجوه إعجاز القرآن إعجازُه في الإخبار بالْمُغَيَّبات، هذه الْمُغَيَّبات قد تَتَعلَّق بالماضي السَّحِيق الْمُوغِل في القِدَم ممَّا لم يشهَدْه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي خاطَبَه ربُّه سبحانه فقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ آل عمران: 44؛ وذلك تعقيبًا على قصة امرأة عمران، وتمهيدًا للحديث عن مريم عليها السلام.

ومنها ما يتعلَّق بالحاضر الواقع في زمن نزول القرآن عن أمور مُتَعَلِّقة بغُيُوبٍ لِمَن هم في عصْر الرسالة.

ومنها ما يَتَعلَّق بغُيُوبٍ مستقبلِيَّة لم تكن وقعت في عهده صلَّى الله عليه وسلَّم وممَّا يكون في يوم القيامة.

أ‌- من الغيوب التي وقعت في الماضي:

في سورة البقرة أخبر الحق جلَّ وعلا عن مُغَيَّبات وقعَتْ لبني إسرائيل، وما حدث لموسى عليه السلام معهم؛ مثل قصَّة البقرة وقصة اتِّخاذهم العجل، وكذلك قصَّة بناء الكعبة على يد إبراهيم وإسماعيل.

وفي سورة البقرة كذلك قصَّة طالوت وجالوت، وانتِصار بني إسرائيل على أعدائهم وقيام مملكة داود عليه السلام.

وفي سورة آل عمران قصَّة امرأة عمران، وقصَّة مريم وولدها عيسى ابن مريم عليهما السلام ونبوَّته ورسالته.

وفي سورة الأعراف: قصَّة عاد وثمود وقصة خلق آدم عليه السلام وقصَّة ما وقع لآدم من إبليس لعَنَه الله وإخراج آدم من الجنَّة بوسوسته، وقصَّة تمكين الله تعالى لموسى عليه السلام وبني إسرائيل.

وفي سورة يوسف قصة يوسف عليه السلام كاملة في موطن واحد.

وفي سورة القصص قصَّة موسى من لحظة ميلاده حتى خروجه من مصر وعودته إليها، والصراع الذي دارَ بين موسى ودعوته وفرعون الذي رفَضَ دعوة الإسلام التي جاء بها موسى عليه السلام. وكذلك قصَّة قارون وكيف أهلَكَه الله تعالى بطغيانه وجبروته.

وفي سُوَرٍ كثيرة من القرآن ألوانٌ مُتَنوِّعة من القصص الذي يُخبِر عن غيبيَّات من الماضي ما كان لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يعلَمَها إلا من خلال الوحي، وفي التعقيب على قصة موسى في سورة القصص يقول الحق جلَّ وعلا : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ القصص: 44- 46. وفي سورة هود، يعقب الله تعالى على قصة نوح عليه السلام بقوله : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) 49

من كلِّ هذا يتَّضح أن أكبر دليلٍ على أنَّ القرآن من عند الله تعالى هذا القصص الذي يَعرِض لوقائع تفصيلِيَّة في تاريخ غابِر ما شهده رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولكنه عِلْمُ الذي لا تَخْفَى عليه خافِيَةٌ في الأرض ولا في السماء


ب- من الغُيُوب التي وقعت في الحاضر الْمُعاصِر لنزول القرآن:

ومن إعجاز القرآن الإخبار بالمُغَيَّبات التي كانت مُعاصِرة لزمن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فضح مَكايد المُنافِقين ومُؤامراتهم كما حدث في مسجد الضرار؛ قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ التوبة: 107- 110

وكان نفر من المنافقين بنوا هذا المسجد للكيد للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، وجاؤوا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليصلي فيه فيتَّخِذونه مسجدًا وقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدًا لذي العلَّة والحاجة والليلة المَطِيرة، ونحن نحبُّ أن تأتينا وتصلى فيه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :إني على جناح سفر وشغل، ولو قدمنا - إن شاء الله - أتيناكم فصلينا لكم فيه. ثم نزل القرآن فأرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في قفوله من تبوك مَن يهدمه، فهُدِّم وأُحرِق.

وكذلك في سورة التوبة بيانٌ لكثيرٍ من المُغَيَّبات التي كانت حاضرة وقت نزول القرآن، أخبر بها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يكن يعلم بها حتى نزل القرآن يُبَيِّنها؛ ومن ذلك مواقف المنافقين التي حكى عنها القرآن؛ يقول تعالى : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ﴾ التوبة: 75- 78

وممَّا أخبر به القرآن من شأن المنافقين: موقف عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول الذي قال عنه القرآن: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ المنافقون: 7- 8. وكان عبد الله بن أُبَيٍّ قال تلك الكلمة في حقِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبر زيد بن أرقم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلمَّا سُئِل عبد الله بن أُبَيٍّ عن قول تلك الكلمة أنكر أنه قالَهَا، فأنزل الله تعالى في القرآن تصديق زيد بن أرقم، وغير ذلك في القرآن كثير.

ج- من الغيوب المستقبلية التي أخبر بها القرآن:

وأمَّا عن الغيوب المستقبلِيَّة التي أخبر بها فهي كثيرة؛ فمن ذلك إخبار القرآن عن الرُّوم أنهم سينتَصِرون على الفرس في بضع سنين حيث نزل قول الله تعالى : ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم: 2- 6، وتَحقَّق وعْد الله تعالى بالفعل وانقَضَّ هرقل عظيم الرُّوم بعد هزيمة الرُّوم ببضع سنين على مَعاقِل الفرس، فلاذَ الفرس بالفرار، وهُزِموا هزيمة فادحة، ثم عاد هرقل إلى القسطنطينية عاصمة الرُّوم، وتَمَّ له ذلك في بضع السنوات التي أخبر القرآن بها.

ومن ذلك ما أخبر به القرآن من انتِصار الدعوة الإسلامية وانتِشار دين الإسلام، والآيات في ذلك مُتكاثِرة، وقد حدث ما أخبر به القرآن؛ كما في قوله تعالى : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ التوبة: 32- 33

Par connaitre islam - Publié dans : coran - Communauté : les vérités du CORAN
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 26 février 2 26 /02 /Fév 14:31

 



المُعجِزة هي أمر خارِق للعادَة، مَقرُون بالتحدِّي، سالم من المعارضة.

والإعجاز اللغوي هو أحد وجوه الإعجاز الذي هو إعجاز شامل لكلِّ ما في كلمة "إعجاز" من معنى؛ فهو مُعجِز في ألفاظه وأسلوبه، وهو مُعجِز في بيانه ونظمه، يجد القارئ فيه صورةً حَيَّةً للكون والحياة والإنسان، وحيثما قَلَّب الإنسان نظَرَه في القرآن وجد أسرارًا من الإعجاز اللغوي:

أولاً: في نظامه الصوتي البَدِيع بجرْس حروفه حين يسمع حركاتها وسكناتها، ومدها وغننها، وفواصلها ومقاطعها.

ثانيًا: في ألفاظه التي تَفِي بحقِّ كلِّ معنًى في موضعه، لا ينبو فيه لفظ فيُقال: إنه زائد، ولا موضع يُقال: إنه يحتاج إلى لفظ ناقص.

ثالثًا: في ضروب الخِطاب التي يَتقارَب فيها أصناف الناس في الفهْم بما تُطِيقه عقولهم، فيراها كلُّ واحدٍ مقدرة على قدر عقله ووفق حاجته.

رابعًا: في إقناع العقل وإقناع العاطفة بما يَفِي بحاجات النفس البشرية؛ تفكيرًا ووُجدانًا، في تكافُؤٍ واتِّزان، فلا تطغى قوَّة التفكير على قوَّة الوجدان، ولا قوَّة الوجدان على قوَّة التفكير.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: "والذي يشتَمِل عليه بديعُ نظمِه المتضمن للإعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة؛ وذلك أن نظم القرآن على تصرُّف وجوهه واختلاف مَذاهِبِه خارِجٌ عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومُبايِن للمألوف من ترتيب خِطابِهم، وله أسلوب يختصُّ به ويتميَّز في تصرُّفه عن أساليب الكلام المُعتَاد؛ وذلك أن الطرق التي يتميَّز بها الكلام البديع المنظوم تنقَسِم إلى أَعارِيض الشِّعر على اختِلاف أنواعِه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المُقَفَّى، ثم إلى أصناف الكلام المُعدَّل المُسَجَّع، ثم إلى مُعدَّل موزون غير مُسَجَّع، ثم إلى ما يُرسَل إرسالاً فتُطلَب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، ترتيب لطيف وإن لم يكن معتدلاً في وزنه، وذلك شَبِيهٌ بجملة الكلام الذي لا يتعمَّل فيه ولا يتصنَّع له، وقد عَلِمنا أن القرآن خارِجٌ عن هذه الوجوه، ومُبايِن لهذه الطرق، ويَبقَى علينا أن نُبَيِّن أنه ليس من باب السجع ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قَبِيل الشِّعر؛ لأن من الناس مَن زَعَمَ أنَّه كلام السجع، ومنهم مَن يدَّعِي فيه شِعرًا كثيرًا، فهذا إذا تأمَّله المتأمِّل تَبَيَّن - بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم - أنه خارِجٌ عن العادَة وأنه مُعجِز، وهذه خصوصِيَّة ترجع إلى جملة القرآن، وتَمَيُّز حاصِل في جميعه.

ومنها أنه ليس للعرب كلامٌ مُشتَمِل على هذه الفَصاحة والغَرابة، والتصرُّف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطُّولِ وعلى هذا القَدْرِ، وإنما تُنسَب إلى حَكِيمِهم كلماتٌ معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعِرِهم قصائد مَحصُورة يقع فيها من الاختِلال ويَعتَرِضها من الاختلاف، ويَشمَلُها من التَّعَمُّل والتكلُّف والتجوُّز والتعسُّف ما يُمكِن بيانه، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله مُتناسِبًا في الفصَاحَة على ما وصَفه الله تعالى به فقال عز مِن قائل : ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ﴾ الزمر: 23

وعدد آيات القرآن نحو ستة آلاف ومائتي آية (6200) تناولت موضوعات شَتَّى؛ في الاعتِقاد، والتشريع، والأخلاق، والقصص، وغيرها، وكلُّها جاءَتْ في غاية الدقَّة والإحكام، مع روعة البلاغة والبيان.

وليس في القرآن معنًى يُعارِض معنًى، أو حكم يُناقِض حكمًا، أو مبدأ يَهدِم مبدأ، أو غرض لا يتَّفق مع آخر، وصدق الحق جلَّ وعلا إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾ النساء: 82

Par connaitre islam - Publié dans : coran - Communauté : les vérités du CORAN
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 6 février 3 06 /02 /Fév 17:25

 

كتابة الوحي

كان القرآن الكريم يتنـزل منجمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظه ويبلغه للناس، ويأمر بكتابته، فيقول: ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة، وضعوا هذه الآية بإزاء تلك الآية، فيُحفظ ما كُتب في منـزله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ينسخ منه كتّاب الوحي نسخًا لأنفسهم.

وكُتب القرآن الكريم في العسب واللخاف، والرّقاع، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع.

ومن الصحابة من اكتفى بسماعه مِنْ فيه صلى الله عليه وسلم فحفظه كله، أو حفظ معظمه، أو بعضًا منه، ومنهم من كتب الآيات، ومنهم من كتب السورة، ومنهم من كتب السور، ومنهم من كتبه كله. فحُفظ القرآن في عهده صلى الله عليه وسلم في الصدور وفي السطور.



وقد ذكر الإمام ابن كثير كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه

فمنهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم.

ومنهم رضي الله عنهم: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي أسلم بعد أخويه خالد وعمرو، وكان إسلامه بعد الحديبية، لأنه هو الذي أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة يوم الحديبية، وقيل: خيبر لأن له ذكر في الصحيح من حديث أبي هريرة في قسمة غنائم خيبر، وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام، فذكر له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له الراهب: ما اسمه؟ قال: محمد. قال: فأنا أنعته لك، فوصفه بصفته سواء. وقال: إذا رجعت إلى أهلك فأقرئه السلام، فأسلم بعد مرجعه.

قال أبو بكر ابن أبي شيبة: كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت، وكتب له عثمان، وخالد بن سعيد، وأبان بن سعيد، هكذا قال - يعني: بالمدينة - وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها، وقد كتبها الصحابة بمكة رضي الله عنهم.

ومنهم: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري أبو المنذر ويقال: أبو الطفيل سيد القراء، شهد العقبة الثانية، وبدرا وما بعدها، وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية، لا يغير شيبه. قال أنس: جمع القرآن أربعة - يعني: من الأنصار -: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ورجل من الأنصار يقال له: أبو يزيد، أخرجاه. وفي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن». قال: وسماني لك يا رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فذرفت عيناه.

ومعنى: «أن أقرأ عليك» قراءة إبلاغ وإسماع، لا قراءة تعلم منه، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه، وقد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه وأنه قرأ عليه سورة: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة» وذلك أن أبي بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبي، فرفعه أبي إلى رسول الله فقال: «إقرأ يا أبي» فقرأ. فقال: «هكذا أنزلت». ثم قال لذلك الرجل: «إقرأ» فقرأ. فقال: «هكذا أنزلت». قال أبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية. قال: فضرب رسول الله في صدره ففضضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فبعد ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورة كالتثبيت له والبيان له أن هذا القرآن حق وصدق، وأنه أنزل على أحرف كثيرة رحمة ولطفا بالعباد.

وقال ابن أبي خيثمة: هو أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنهم رضي الله عنهم: أرقم ابن أبي الأرقم واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي أسلم قديما، وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا في داره عند الصفا، وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن أنيس.

ومنهم رضي الله عنهم:ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المدني خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب النبي صلى الله عليه وسلم . قال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد المدايني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله قالوا: قدم عبد الله بن عبس اليماني، ومسلمة بن هاران الحمداني على رسول الله في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم. وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة. وروى الترمذي في جامعه بإسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح».

ومنهم رضي الله عنهم: حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم تميمي الأسيدي الكاتب، وأخوه رباح صحابي أيضا، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب. قال الواقدي: كتب للنبي صلى الله عليه وسلم كتابا، وقال غيره: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطوائف في الصلح، وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها وقد أدرك أيام علي، وتخلف عن القتال معه في الجمل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان ومات بعد أيام علي.

وقد ذكر ابن الأثير في (أسد الغابة): أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت:

تعجبت دعد لمحزونة * تبكي على ذي شيبة شاحب

إن تسأليني اليوم ما شفني * أخبرك قولا ليس بالكاذب

إن سواد العين أودى به * حزن على حنظلة الكاتب

ومنهم رضي الله عنهم: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سعيد الأموي، أسلم قديما يقال: بعد الصديق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل: خمسة. وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأنه وافقا على شفير جهنم، فذكر من سعتها ما الله به عليم. قال: وكأن أباه يدفعه فيها، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيده ليمنعه من الوقوع، فقص هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق فقال له: لقد أريد بك خير هذا رسول الله فاتبعه تنج مما خفته. فجاء رسول الله فأسلم، فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه وضربه بعصاة في يده حتى كسرها على رأسه، وأخرجه من منزله ومنعه القوت، ونهى بقية إخوته أن يكلموه، فلزم خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا، ثم أسلم أخوه عمرو، فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم، ثم كان هو الذي ولي العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله.

قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك ابن أبي بكر عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم - يعني: أن خالد بن سعيد - كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمي أعطاه غلوتين بسهم، وغلوة بحجر برهاط لا يحاقه فيها أحد، فمن حاقه فلا حق له وحقه حق» وكتب خالد بن سعيد.

وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني جعفر بن محمد بن خالد عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله، وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف، وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومنهم رضي الله عنهم: خالد بن الوليد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو سليمان المخزومي، وهو أمير الجيوش المنصورة الإسلامية، والعساكر المحمدية، والمواقف المشهودة، والأيام المحمودة.

ذو الرأي السديد، والبأس الشديد، والطريق الحميد، أبو سليمان خالد بن الوليد.

قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك ابن أبي بكر عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطايع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين: أن صيدوح وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وينزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فانه يؤخذ فيبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم وأن هذا من محمد النبي وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد».

ومنهم رضي الله عنهم: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو عبد الله الأسدي أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وزوج أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه.

روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم أن الزبير بن العوام هو الذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم. وروى ابن عساكر بإسناد عن عتيق به.

ومنهم رضي الله عنهم: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبيد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو سعيد ويقال: أبو خارجة، ويقال: أبو عبد الرحمن المدني قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة فلهذا لم يشهد بدرا لصغره، قيل: ولا أحدا، وأول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها. وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا، ثبت عنه في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتبوا إليه، فتعلمه في خمسة عشر يوما.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، ثنا عبد الرحمن عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله المدينة. قال زيد: ذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب بي. فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك رسول الله وقال: «يا زيد تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي». قال زيد: فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب.

وهذا ذكاء مفرط جدا، وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء كما ثبت في الصحيحين عن أنس.

وروى أحمد والنسائي من حديث أبي قلابة عن أنس، عن رسول الله أنه قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأقضاهم علي ابن أبي طالب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح».

ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبي عبيدة، ففي صحيح البخاري من هذا الوجه، وقد كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن، ومن أوضح ذلك ما ثبت في الصحيح عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله } [النساء: 95] دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله». فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها فنزل: «غير أولي الضرر» فأمرني فألحقتها. فقال زيد: فإني لأعرف موضع ملحقها عند صدع في ذلك اللوح - يعني: من عظام - الحديث.

وقد شهد زيد اليمامة، وأصابه سهم فلم يضره، وهو الذي أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه.

وقال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، ففعل ما أمره به الصديق، فكان في ذلك خير كثير، ولله الحمد والمنة، وقد استنابه عمر مرتين في حجتين على المدينة، واستنابه لما خرج إلى الشام، وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا، وكان علي يحبه، وكان يعظم عليا ويعرف له قدره، ولم يشهد معه شيئا من حروبه، وتأخر بعده حتى توفي سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: خمس وخمسين، وهو ممن كان يكتب المصاحف الأئمة التي نفذ بها عثمان بن عفان إلى سائر الآفاق اللائي وقع على التلاوة طبق رسمهن الإجماع والاتفاق.

ومنهم عامر بن فهيرة : مولى أبي بكر الصديق.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: قال الزهري: أخبرني عبد الملك بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول: فذكر خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه: فقلت له: إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزؤني منه شيئا، ولم يسألوني إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى. وقد روى أن أبا بكر هو الذي كتب لسراقة هذا الكتاب، فالله أعلم.

ومنهم رضي الله عنهم: عبد الله بن أرقم ابن أبي الأرقم المخزومي: أسلم عام الفتح، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم . قال الإمام مالك: وكان ينفذ ما يفعله ويشكره، ويستجيده.

وقال سلمة عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير: أن رسول الله استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويختم على ما يقرأه لأمانته عنده.

وكتب لأبي بكر وجعل إليه بيت المال، وأقره عليهما عمر بن الخطاب، فلما كان عثمان عزله عنهما.

قلت: وذلك بعد ما استعفاه عبد الله بن أرقم ويقال: إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته، فأبى أن يقبلها. وقال: إنما عملت لله فأجري على الله عز وجل.

قال ابن إسحاق: وكتب لرسول الله زيد بن ثابت، فإذا لم يحضر ابن الأرقم، وزيد بن ثابت، كتب من حضر من الناس، وقد كتب عمر، وعلي، وزيد، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وخالد بن سعيد بن العاص، وغيرهم، ممن سمي من العرب.

وقال الأعمش: قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عبد الله بن الأرقم، وقد جاءنا كتاب عمر بالقادسية وفي أسفله: وكتب عبد الله بن الأرقم.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون عن عبد الواحد ابن أبي عون، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم كتاب رجل فقال لعبد الله بن الأرقم: «أجب عني». فكتب جوابه، ثم قرأه عليه. فقال: «أصبت وأحسنت، اللهم وفقه». قال: فلما ولي عمر كان يشاوره، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما رأيت أخشى لله منه يعني: في العمال أضر رضي الله عنه قبل وفاته.

ومنهم رضي الله عنهم: عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، صاحب الأذان، أسلم قديما فشهد عقبة السبعين، وحضر بدرا وما بعدها، ومن أكبر مناقبه رؤيته الأذان والإقامة في النوم، وعرضه ذلك على رسول الله وتقريره عليه وقوله له: «إنها لرؤيا حق، فألقه على بلال، فإنه أندى صوتا منك».

وقد روى الواقدي بأسانيده عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش فيه الأمر لهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإعطاء خمس المغنم، وقد توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين عن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ومنهم رضي الله عنهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح القرشي العامري، أخو عثمان لأمه من الرضاعة، أرضعته أم عثمان، وكتب الوحي، ثم ارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء، فجاء إلى عثمان بن عفان فاستأمن له، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حسن إسلام عبد الله بن سعد جدا.

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد ابن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه النسائي من حديث علي بن الحسين بن واقد به.

ومنهم رضي الله عنهم: عبد الله بن عثمان، أبو بكر الصديق، والدليل على كتابته: ما ذكره موسى بن عقبة عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم، فلما غشيهم - وكان من أمر فرسه ما كان - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا ثم ألقاه إليه. وقد روى الإمام أحمد من طريق الزهري بهذا السند أن عامر بن فهيرة كتبه، فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقية، والله أعلم.

ومنهم رضي الله عنهم: عثمان بن عفان أمير المؤمنين، وستأتي ترجمته في أيام خلافته وكتابته بين يديه عليه السلام مشهورة. وقد روى الواقدي بأسانيده أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الإسلام.

ومنهم رضي الله عنهم: علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين، وقد كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية أن يأمن الناس، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وعلى وضع الحرب عشر سنين، وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم .

وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم وفي آخره وكتب علي ابن أبي طالب، وفيه شهادة جماعة من الصحابة منهم سعد بن معاذ ومعاوية ابن أبي سفيان، فهو كذب وبهتان مختلق موضوع مصنوع. وقد بين جماعة من العلماء بطلانه، واغتر بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا: بوضع الجزية عنهم، وهذا ضعيف جدا.

ومن الكتاب بين يديه صلى الله عليه وسلم: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبد الله بن الأرقم.

ومنهم رضي الله عنهم: العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي: عباد، ويقال: عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن عريقة بن مالك بن الخزرج بن أياد بن الصدق بن زيد بن مقنع بن حضرموت بن قحطان، وقيل غير ذلك في نسبه.

وقد بعث النبي صلى الله عيه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها، وأقره عليها الصديق ثم عمر بن الخطاب، ولم يزل بها حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة، فلما كان في أثناء الطريق توفي، وذلك في سنة إحدى وعشرين.

ومنهم: العلاء بن عقبة، قال الحافظ ابن عساكر: كان كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم ولم أجد أحدا ذكره إلا فيما أخبرنا. ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم فذكرها وذكر فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس ببن مرداس السلمي أعطاه مدمورا فمن خافه فيها فلا حق له، وحقه حق، وكتب العلاء بن عقبة وشهد». ثم قال: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهني من ذي المروة وما بين بلكثه إلى الظبية إلى الجعلات إلى جبل القبيلة فمن خافه فلا حق له، وحقه حق، وكتبه العلاء بن عقبة». وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبني سيح من جهينة، وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة وشهد.

وقد ذكر ابن الأثير في (الغابة) هذا الرجل مختصرا فقال: العلاء بن عقبة كتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ذكره في حديث عمرو بن حزم، ذكره جعفر، أخرجه أبو موسى - يعني: المديني - في كتابه.

ومنهم رضي الله عنهم: محمد بن مسلمة بن جريس بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد المدني حليف بني عبد الأشهل، أسلم على يدي مصعب بن عمير، وقيل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وآخى رسول الله حين قدم المدينة بينه وبين أبي عبيدة ابن الجراح، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، واستخلفه رسول الله على المدينة عام تبوك. وذكر محمد بن سعد عن علي بن محمد المدايني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الذي كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومنهم رضي الله عنهم: معاوية ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن؟ قال: «نعم». قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين.

قال: «نعم». قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: «نعم» الحديث.

ومنهم رضي الله عنهم: المغيرة بن شعبة الثقفي، وقد روى ابن عساكر بسنده عن عتيق بن يعقوب أن المغيرة بن شعبة هو الذي كتب إقطاع حصين بن نضلة الأسدي، الذي أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره.



لماذا لم ترتب سور المصحف على أولية النزول ؟

الإجماع والنصوص الكثيرة على ترتيب الآيات في السورة الواحدة أمر معلوم ومشهور ، أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر وعبارته : ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين .

وأما النصوص فمنها ما أخرجه أحمد في المسند (4/218) بإسناد حسن عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ ثُمَّ صَوَّبَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْزِقَهُ بِالأَرْضِ قَالَ ثُمَّ شَخَصَ بِبَصَرِهِ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .

(ومنها ) ما أخرجه البخاري في الصحيح برقم (4536) عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا إِلَى قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ .

ومنها ) ما رواه مسلم برقم (809) عن أبي الدرداء مرفوعاً من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال وفي لفظ عنده من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف .

وقراءته صلى الله عليه وسلم للسور المختلفة بمشهد من الصحابة يدلّ على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيباً سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافة فبلغ ذلك مبلغ التواتر .

قال القاضي أبو بكر في الانتصار : ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم فقد كان جبريل يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا .

وقال أيضاً : الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتّبه عليه رسوله من آي السور لم يُقدّم من ذلك مؤخّر ولا أخّر منه مقدّم وأن الأمة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة .

وقال البغوي في شرح السنة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرّقاً عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة .



المصادر

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

البداية والنهاية

ن للقرآن وعلومه

 

 



 

Par connaitre islam - Publié dans : coran - Communauté : Coran
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Présentation

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Avril 2014
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30        
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés