الإمام أحمد بن حنبل 2

Publié le par connaitre islam

ملخص الفتنة والمحنة من كلام أئمة السنة أثابهم الله الجنة

قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل‏.‏

قال البيهقي‏:‏ ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين‏.‏

فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم يقال له‏:‏ جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد وقال له‏:‏ يا هذا ‏!‏ إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميداً‏.‏ قال أحمد‏:‏ وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه‏.‏

فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول‏:‏ يعزُّ عليَّ أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف‏.‏

قال‏:‏ فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال‏:‏ سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولياءك بالضرب والقتل، اللهم فإن لم يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته‏.‏ قال‏:‏ فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل‏.‏ قال أحمد‏:‏ ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذىً كثير‏.‏

وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحواً من ثمانية وعشرين شهراً، وقيل‏:‏ نيفاً وثلاثين شهراً، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم‏.‏

وقد كان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه‏.‏

ذكر ضربه رضي الله عنه بين يدي المعتصم

لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده. قال أحمد‏:‏ فلم أستطع أن أمشي بها فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاؤوني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق عليَّ وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذ أنا على القبلة و لله الحمد‏.‏

ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال‏:‏ أليس قد زعمتم أنه حدث السن وهذا شيخ مكهل ‏؟‏

فلما دنوت منه وسلمت قال لي‏:‏ ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال‏:‏ اجلس ‏!‏ فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة ثم قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إلى م دعا إليه ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ إلى شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ قلت‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ قال‏:‏ ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس2 ثم قلت‏:‏ فهذا الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم‏:‏ لولا أنك كنت في يد من قبلي لم أتعرض إليك‏.‏

ثم قال‏:‏ يا عبد الرحمن ‏!‏ ألم آمرك أن ترفع المحنة ‏؟‏

قال أحمد‏:‏ فقلت‏:‏ الله أكبر، هذا فرج المسلمين‏.‏

ثم قال ناظره‏:‏ يا عبد الرحمن، كلمه‏.‏

فقال لي عبد الرحمن‏:‏ ما تقول في القرآن‏؟‏ فلم أجبه‏.‏

فقال المعتصم‏:‏ أجبه‏.‏

فقلت‏:‏ ما تقول في العلم‏؟‏ فسكت‏.‏

فقلت‏:‏ القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله‏.‏ فسكت‏.‏

فقالوا فيما بينهم‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ كفَّرك وكفَّرنا‏.‏ فلم يلتفت إلى ذلك‏.‏

فقال عبد الرحمن‏:‏ كان الله ولا قرآن‏.‏

فقلت‏:‏ كان الله ولا علم‏؟‏ فسكت‏.‏

فجعلوا يتكلمون من ههنا وههنا، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به‏.‏

فقال ابن أبي دؤاد‏:‏ وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا ‏؟‏

فقلت‏:‏ وهل يقوم الإسلام إلا بهما‏.‏

وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا عليه بقوله‏:‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 2‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 16‏]‏‏.‏

وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله‏:‏ ‏{‏تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏‏.‏

فقال ابن أبي دؤاد‏:‏ هو والله يا أمير المؤمنين ضالٌ مضلٌ مبتدعٌ، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم‏.‏

فقال لهم‏:‏ ما تقولون ‏؟‏

فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضاً، ثم في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته حججهم‏.‏

قال‏:‏ فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحداً يقولها، وقد تكلم معي ابن غوث بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت‏:‏ لا أدري ما تقول، إلا أني أعلم أن الله أحد صمد، وليس كمثله شيء، فسكت عني‏.‏

وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة، فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفقوا عن بعض المحدثين كلاماً يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ‏؟‏

وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول‏:‏ يا أحمد ‏!‏ أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي‏.‏

فأقول‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها‏.‏

واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 42‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏وكلم الله موسى تكليماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 164‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وبقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 40‏]‏‏.‏

ونحو ذلك من الآيات‏.‏ فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ هذا كافر ضال مضل‏.‏

وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين‏.‏

فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء‏.‏

قال أحمد‏:‏ فعند ذلك قال لي‏:‏ لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني‏.‏

ثم قال‏:‏ خذوه واخلعوه واسحبوه‏.‏

قال أحمد‏:‏ فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين‏.‏

فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ الله الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث‏)‏‏)‏‏.‏ وتلوت الحديث‏.‏

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم‏)‏‏)‏‏:‏ فبم تستحل دمي، ولم آت شيئاً من هذا‏؟‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ اذكر وقوفك بين الله كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك‏.‏

ثم يزالوا يقولون له‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إنه ضال مضل كافر‏.‏

فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه، وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعني المعتصم -‏:‏ شد قطع الله يديك‏.‏

ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك فضربني أسواطاً فأغمي عليَّ وذهب عقلي مراراً، فإذا سكن الضرب يعود عليَّ عقلي، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون‏:‏ ويحك ‏!‏ الخليفة على رأسك، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفاً وثلاثين سوطاً، وقيل‏:‏ ثمانين سوطاً، لكن كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً‏.‏

وقد كان الإمام أحمد رجلاً رقيقاً أسمر اللون، كثير التواضع، رحمه الله‏.‏

ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي‏:‏ وصليت في دمك ‏!‏ فقال له أحمد‏:‏ قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً، فسكت‏.‏

ويروى أنه لما أقيم ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا لله فعاد سراويله كما كان‏.‏ ويروى أنه قال‏:‏ يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة‏.‏

ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحماً ميتاً من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندماً كثيراً، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 22‏]‏ الآية‏.‏ ويقول‏:‏ ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك‏؟‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين‏)‏‏)‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 40‏]‏‏.‏ وينادي المنادي يوم القيامة‏:‏ ‏(‏‏(‏ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا‏)‏‏)‏، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ثلاث أقسم عليهن‏:‏ ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله‏)‏‏)‏‏.‏

وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة‏:‏ أحمد بن حنبل وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري ومات في الطريق، ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن، وأبو يعقوب البويطي، وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن، وكان مثقلاً بالحديد، وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله‏.‏

ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل

قال البخاري‏:‏ لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول‏:‏ لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة‏.‏

وقال إسماعيل بن الخليل‏:‏ لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبياً‏.‏

وقال المزني‏:‏ أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين‏.‏

وقال حرملة‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ خرجت من العراق فما تركت رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل‏.‏

وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان‏:‏ ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل‏.‏

وقال قتيبة‏:‏ مات سفيان الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع‏.‏

وقال‏:‏ إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة‏.‏ قال البيهقي‏:‏ - يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله -‏.‏

- وقال أبو عمر بن النحاس - وذكر أحمد يوماً - فقال‏:‏ رحمه الله في الدين ما كان أبصره، وعن الدنيا ما كان أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره، وبالصالحين ما كان ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها‏.‏

وقال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد بن حنبل‏:‏ أدخل أحمد الكير فخرج ذهباً أحمر‏.‏

وقال الميموني‏:‏ قال لي علي بن المديني بعد ما امتحن أحمد، وقيل‏:‏ قبل أن يمتحن‏:‏ يا ميمون ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل‏.‏ فعجبت من هذا عجباً شديداً وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة علي بن المديني فقال‏:‏ صدق ‏!‏ إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصاراً وأعواناً، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان‏.‏ ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول‏:‏ لست أعلم في الإسلام مثله‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه‏.‏

وقال علي بن المديني‏:‏ إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل، ثم قال‏:‏ ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله ‏؟‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط‏:‏ كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً‏.‏

وقال يحيى بن معين أيضاً‏:‏ أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه‏.‏

وقال الذهلي‏:‏ اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله‏.‏

وقال هلال بن المعلى الرقي‏:‏ منَّ الله على هذه الأمة بأربعة‏:‏ بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ‏.‏ وبأبي عبيد بين غريبها‏.‏ وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث‏.‏ وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي داود‏:‏ أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلماً ومحبرة - يعني‏:‏ في عصره -‏.‏

وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء‏:‏ ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله‏.‏

وقال أبو زرعة الرازي‏:‏ ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن يحيى بن محمد العنبري قال‏:‏ أنشدنا أبو عبد الله البوسندي في أحمد بن حنبل رحمه الله‏:‏

إن ابن حنبل إن سألت إمامنا * وبه الأئمة في الأنام تمسكوا

خلف النبي محمداً بعد الألى * خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا

حذو الشراك على الشراك وإنما * يحذو المثال مثاله المستمسك

وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏)‏‏)‏‏.‏

وروى البيهقي، عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن أبي القاسم البغوي، عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معاذ بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‏.‏ ح‏.‏ قال البغوي‏:‏ وحدثني زياد بن أيوب، حدثنا مبشر، عن معاذ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‏.‏ ح‏.‏ قال البغوي‏:‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا الحديث مرسل، وإسناده فيه ضعف، والعجب أن ابن عبد البر صححه، واحتج به على عدالة كل من حمل العلم، والإمام أحمد من أئمة أهل العلم، رحمه الله، وأكرم مثواه‏.‏

ما كان من أمر الإمام أحمد بعد المحنة

حين خرج من دار الخلافة صار إلى منزله فدووي حتى برئ، ولله الحمد، ولزم منزله فلا يخرج منه إلى جمعة ولا جماعة، وامتنع من التحديث، وكانت غلته من ملك له في كل شهر سبعة عشر درهماً ينفقها على عياله ويتقنع بذلك، رحمه الله، صابراً محتسباً‏.‏

ولم يزل كذلك مدة خلافة المعتصم، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق، فلما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محباً للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق‏:‏ لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد - وهو‏:‏ إسحاق بن إبراهيم - أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق الإمام أحمد إليه فأكرمه وعظمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله إياه، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن فقال له أحمد‏:‏ سؤالك هذا سؤال تعنت، أو استرشاد ‏؟‏ فقال‏:‏ بل سؤال استرشاد‏.‏ فقال‏:‏ هو كلام الله منزل غير مخلوق، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهزه إلى الخليفة إلى سر من رأى ثم سبقه إليه‏.‏ وبلغه أن أحمد اجتاز بابنه محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلم عليه، فغضب إسحاق بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة فقال المتوكل‏:‏ يرد إن كان قد وطئ بساطي، فرجع الإمام أحمد من الطريق إلى بغداد‏.‏

وقد كان الإمام أحمد كارهاً لمجيئه إليهم، ولكن لم يهن ذلك على كثير من الناس، وإنما كان رجوعه عن قول إسحاق بن إبراهيم الذي كان هو السبب في ضربه‏.‏

ثم إن رجلاً من المبتدعة يقال له‏:‏ ابن البلخي وشى إلى الخليفة شيئاً فقال‏:‏ إن رجلاً من العلويين قد أوى إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن‏.‏ فأمر الخليفة نائب بغداد أن يكبس منزل أحمد من الليل، فلم يشعروا إلا والمشاعل قد أحاطت بالدار من كل جانب حتى من فوق الأسطحة، فوجدوا الإمام أحمد جالساً في داره مع عياله فسألوه عما ذكر عنه‏.‏ فقال‏:‏ ليس عندي من هذا علم، وليس من هذا شيء، ولا هذا من نيتي، وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي، وأثره عليَّ، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار، في كلام كثير‏.‏ ففتشوا منزله حتى مكان الكتب وبيوت النساء والأسطحة وغيرها، فلم يروا شيئاً‏.‏

فلما بلغ المتوكل ذلك وعلم براءته مما نسب إليه، علم أنهم يكذبون عليه كثيراً‏.‏ فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة - وهو‏:‏ أحد الحجبة - بعشرة آلاف درهم من الخليفة‏ وقال‏:‏ هو يقرأ عليك السلام ويقول‏:‏ استنفق هذه، فامتنع من قبولها‏.‏ فقال‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ إني أخشى من ردك إياها أن يقع وحشة بينك وبينه، والمصلحة لك قبولها، فوضعها عنده ثم ذهب، فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله وقال‏:‏ لم أنم هذه الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرقها في الناس ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فلم يبق منها درهماً وأعطى منها لأبي أيوب وأبي سعيد الأشج، وتصدق بالكيس الذي كانت فيه، ولم يعط منها لأهله شيئاً وهم في غاية الفقر والجهد، وجاء بنوا ابنه فقال‏:‏ أعطني درهماً‏.‏ فنظر أحمد إلى ابنه صالح فتناول صالح قطعة فأعطاها الصبي فسكت أحمد‏.‏

وبلغ الخليفة أنه تصدق بالجائزة كلها حتى كيسها، فقال علي بن الجهم‏:‏ يا أمير المؤمنين إنه قد قبلها منك، وتصدق بها عنك، وماذا يصنع أحمد بالمال‏؟‏ إنما يكفيه رغيف‏.‏ فقال‏:‏ صدقت‏.‏

فلما مات إسحاق بن إبراهيم، وابنه محمد ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه أن يحمل إليه الإمام أحمد، فقال لأحمد في ذلك، فقال‏:‏ إني شيخ كبير وضعيف، فرد الجواب على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لتأتيني، وكتب إلى أحمد‏:‏ إني أحب أن آنس بقربك، وبالنظر إليك، ويحصل لي بركة دعائك‏.‏ فسار إليه الإمام أحمد - وهو عليل - في بنيه، وبعض أهله، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام‏.‏ وقال له وصيف‏:‏ قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي داؤد، فلم يرد عليه جواباً، وجعل ابنه يدعو الله للخليفة ولوصيف، فلما وصلوا إلى العسكر بسر من رأى، أنزل أحمد في دار إيتاخ، فلما علم بذلك ارتحل منها، وأمر أن يستكري له دار غيرها، وكان رؤوس الأمراء في كل يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعوا ما عليهم من الزينة والسلاح‏.‏

وبعث إليه الخليفة بالمفارش الوطيئة وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك ليحدث الناس عوضاً عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك، وهو ضعيف‏.‏

وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة، والفاكهة والثلج، مما يقاوم مائة وعشرين درهماً في كل يوم، والخليفة يحسب أنه يأكل من ذلك، ولم يكن أحمد يأكل شيئاً من ذلك بالكلية، بل كان صائماً يطوي، فمكث ثمانية أيام لم يستطعم بطعام، ومع ذلك هو مريض، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلاً من السويق بعد ثمانية أيام‏.‏

وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له فامتنع من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل‏.‏ فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله، وقال‏:‏ إنه لا يمكن ردها على الخليفة‏.‏

وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله الخليفة، فقال الخليفة‏:‏ لا بد من ذلك، وما هذا إلا لولدك‏.‏

فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته، ثم أخذ يلوم أهله وعمه، وقال لهم‏:‏ إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا قد نزل بنا الموت فإما إلى جنة وإما إلى نار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء‏.‏ في كلام طويل يعظهم به‏.‏ فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏‏(‏ما جاءك من هذا المال، وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه‏)‏‏)‏‏.‏ وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان‏.‏ فقال‏:‏ وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال‏.‏

ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه بابن ماسويه المتطبب لينظر في مرضه، فرجع إليه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن أحمد ليس به علة في بدنه، وإنما علته من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة‏.‏

فسكت المتوكل ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد، فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه المعتز ويدعو له، وليكن في حجره‏.‏ فتمنع من ذلك، ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله ببغداد‏.‏

وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه، فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور فجيء ببغل لبعض التجار فركبه وجاء إلى مجلس المعتز، وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك المجلس، من وراء ستر رقيق، فلما جاء أحمد قال‏:‏ سلام عليكم‏.‏ وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة، فقالت أم الخليفة‏:‏ الله الله يا بني ‏!‏ في هذا الرجل ترده إلى أهله، فإن هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه‏.‏ وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه‏:‏ يا أمه قد تأنست الدار‏.‏

وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب وقلنسوة وطيلسان فألبسها أحمد بيده، وأحمد لا يتحرك بالكلية‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ ولما جلست إلى المعتز قال مؤدبه‏:‏ أصلح الله الأمير، هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك ‏!‏

فقال‏:‏ إن علمني شيئاً تعلمته‏.‏

قال أحمد‏:‏ فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيراً جداً، فخرج أحمد عنهم وهو يستغفر الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه‏.‏

ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حزاقة فلم يقبل أن ينحدر فيها، بل ركب في زورق فدخل بغداد مختفياً، وأمر أن تباع تلك الخلعة، وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين‏.‏

وجعل أياماً يتألم من اجتماعه بهم، ويقول‏:‏ سلمت منهم طول عمري، ثم ابتليت بهم في آخره‏.‏

وكان قد جاع عندهم جوعاً عظيماً كثيراً حتى كاد أن يقتله الجوع‏.‏

وقد قال بعض الأمراء للمتوكل‏:‏ إن أحمد لا يأكل لك طعاماً، ولا يشرب لك شراباً، ولا يجلس على فرشك، ويحرم ما تشربه‏.‏

فقال‏:‏ والله لو نشر المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه‏.‏

وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في كل يوم تستعلم أخباره وكيف حاله، وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي داؤد فلا يجيب بشيء، ثم إن المتوكل أخرج ابن أبي داؤد من سر من رأى إلى بغداد بعد أن أشهد عليه نفسه ببيع ضياعه وأملاكه وأخذ أمواله كلها‏.‏

قال عبد الله بن أحمد‏:‏ وحين رجع أبي من سامرا وجدنا عينيه قد دخلتا في موقيه، وما رجعت إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتاً هم فيه أو ينتفع بشيء مما هم فيه لأجل قبولهم أموال السلطان‏.‏

وكان مسير أحمد إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم مكث إلى سنة وفاته، وكل يوم إلا ويسأل عنه المتوكل ويوفد إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره في أشياء تقع له‏.‏

ولما قدم المتوكل بغداد بعث إليه ابن خاقان ومعه ألف دينار ليفرقها على من يرى، فامتنع من قبولها وتفرقتها، وقال‏:‏ إن أمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، فردها‏.‏

وكتب رجل رقعة إلى المتوكل يقول‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن أحمد يشتم آباءك ويرميهم بالزندقة‏.‏

فكتب فيها المتوكل‏:‏ أما المأمون فإنه خلط فسلط الناس على نفسه، وأما أبي المعتصم فإنه كان رجل حرب ولم يكن له بصر بالكلام، وأما أخي الواثق فإنه استحق ما قيل فيه‏.‏

ثم أمر أن يضرب الرجل لذي رفع إليه الرقعة مائتي سوط، فأخذه عبد الله بن إسحق بن إبراهيم فضربه خمسمائة سوط‏.‏ فقال له الخليفة‏:‏ لم ضربته خمسمائة سوط ‏؟‏ فقال‏:‏ مائتين لطاعتك، ومائتين لطاعة الله، ومائة لكونه قذف هذا الشيخ الرجل الصالح أحمد بن حنبل‏.‏

وقد كتب الخليفة إلى أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤال استرشاد واستفادة لا سؤال تعنت ولا امتحان ولا عناد، فكتب إليه أحمد رحمه الله رسالة حسنة فيها آثار عن الصحابة وغيرهم، وأحاديث مرفوعة‏.‏

وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها، وهي مروية عنه وقد نقلها غير واحد من الحفاظ‏.‏

 

-----------------------

2 وفيه: أن وفد عبد القيس سألوه عن الإيمان فقال (صلى الله عليه وسلم): أتدرون ما الإيمان ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم. (ابن الجوزي: مناقب الإمام أحمد ص 321).

 

 

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article