الإمام أحمد بن حنبل 3

Publié le par connaitre islam

وفاة الإمام أحمد بن حنبل

قال ابنه صالح‏:‏ كان مرضه في أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودخلت عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف، فقلت‏:‏ يا أبت ‏!‏ ما كان غداؤك ‏؟‏ فقال‏:‏ ماء الباقلا‏.‏

ثم إن صالحاً ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته، وكثرة حرج الناس عليه، وكان معه خريقة فيها قطيعات ينفق على نفسه منها، وقد أمر ولده عبد الله أن يطالب سكان ملكه وأن يكفر عنه كفارة يمين، فأخذ شيئاً من الأجرة فاشترى تمراً وكفَّر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثة دراهم‏.‏

وكتب الإمام أحمد وصيته‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون‏.‏ وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين‏.‏ وأوصي أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً‏.‏ وأوصي لعبد الله بن محمد المعروف ببوران عليَّ نحواً من خمسين ديناراً وهو مصدق فيها، فيقضي ماله عليَّ من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى أعطى ولد صالح كل ذكر وأنثى عشرة دراهم‏.‏

ثم استدعى بالصبيان من ورثته فجعل يدعو لهم، وكان قد ولد له صبي قبل موته بخمسين يوماً فسماه‏:‏ سعيداً، وكان له ولد آخر اسمه‏:‏ محمد قد مشى حين مرض فدعاه فالتزمه وقبله ثم قال‏:‏ ما كنت أصنع بالولد على كبر السن ‏؟‏ فقيل له‏:‏ ذرية تكون بعدك يدعون لك‏.‏ قال‏:‏ وذاك إن حصل‏.‏

وجعل يحمد الله تعالى، وقد بلغه في مرضه عن طاوس أنه كان يكره أنين المريض فترك الأنين فلم يئن حتى كانت الليلة التي توفي في صبيحتها أنَّ، وكانت ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، فأنَّ حين اشتد به الوجع‏.‏

وقد روي عن ابنه عبد الله، ويروي عن صالح أيضاً أنه قال‏:‏ حين احتضر أبي جعل يكثر أن يقول‏:‏ لا بعد لا بعد‏.‏ فقلت‏:‏ يا أبت ‏!‏ ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة ‏؟‏ فقال‏:‏ يا بني ‏!‏ إن إبليس واقف في زواية البيت وهو عاض على إصبعه وهو يقول‏:‏ فتَّني يا أحمد ‏؟‏ فأقول‏:‏ لا بعد، لا بعد - يعني‏:‏ لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد - كما جاء في بعض الأحاديث قال إبليس‏:‏ يا رب وعزتك وجلالك ما أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم‏.‏ فقال الله‏:‏ وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني‏.‏

وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضؤوه فجعلوا يوضؤونه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي وهو يذكر الله عز وجل في جميع ذلك، فلما أكملوا وضوءه توفي رحمه الله ورضي عنه‏.‏

وقد كانت وفاته يوم الجمعة حين مضى منه نحو من ساعتين، فاجتمع الناس في الشوارع، وبعث محمد بن طاهر حاجبه ومعه غلمان ومعهم مناديل فيها أكفان، وأرسل يقول‏:‏ هذا نيابة عن الخليفة، فإنه لو كان حاضراً لبعث بهذا‏.‏

فأرسل أولاده يقولون‏:‏ إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره، وأبوا أن يكفنوه بتلك الأكفان‏.‏

وأتي بثوب كان قد غزلته جاريته فكفنوه، واشتروا معه عوز لفافة وحنوطاً واشتروا له راوية ماء، وامتنعوا أن يغسلوه بماء بيوتهم لأنه كان قد هجر بيوتهم فلا يأكل منها ولا يستعير من أمتعتهم شيئاً، وكان لا يزال متغضباً عليهم لأنهم كانوا يتناولون ما رتب لهم على بيت المال، وهو في كل شهر أربعة آلاف درهم، وكان لهم عيال كثيرة وهم فقراء‏.‏

وحضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بني هاشم فجعلوا يقبلون بين عينيه ويدعون له ويترحمون عليه رحمه الله‏.‏

وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لم يعلم عددهم إلا الله، ونائب البلد محمد بن عبد الله بن طاهر واقف في جملة الناس، ثم تقدم فعزَّى أولاد الإمام أحمد فيه، وكان هو الذي أمَّ الناس في الصلاة عليه، وقد أعاد جماعة الصلاة عليه عند القبر، وعلى القبر بعد أن دفن من أجل ذلك، ولم يستقر في قبره رحمه الله إلا بعد صلاة العصر وذلك لكثرة الخلق‏.‏

وقد روى البيهقي وغير واحد‏:‏ أن الأمير محمد بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألف ألف وثلثمائة ألف‏.‏ وفي رواية‏:‏ وسبعمائة ألف سوى من كان في السفن‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ سمعت أبا زرعة يقول‏:‏ بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه حيث صلوا على الإمام أحمد بن حنبل فبلغ مقاسه ألفي ألف وخمسمائة ألف‏.‏

قال البيهقي، عن الحاكم، سمعت أبا بكر أحمد بن كامل القاضي، يقول‏:‏ سمعت محمد بن يحيى الزنجاني، سمعت عبد الوهاب الوراق، يقول‏:‏ ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية ولا في الإسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع على جنازة أحمد بن حنبل‏.‏

فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم‏:‏ سمعت أبي، يقول‏:‏ حدثني محمد بن العباس المكي، سمعت الوركاني - جار أحمد بن حنبل - قال‏:‏ أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفاً، فالله أعلم‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ سمعت أبا سهل بن زياد، سمعت عبد الله بن أحمد، يقول‏:‏ سمعت أبي، يقول‏:‏ قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز حين تمر‏.‏

وقد صدق الله قول أحمد في هذا فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي داؤد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يلتفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان‏.‏

وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته، لم يصل عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس‏.‏

وكذلك بشر بن غياث المريسي لم يصل عليه إلا طائفة يسيرة جداً فلله الأمر من قبل ومن بعد‏.‏

وقد روى البيهقي، عن حجاج بن محمد الشاعر، أنه قال‏:‏ ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصل على الإمام أحمد‏.‏

وروي عن رجل من أهل العلم أنه قال يوم دفن أحمد‏:‏ دفن اليوم سادس خمسة وهم‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد‏.‏

وكان عمره يوم مات سبعاً وسبعين سنة وأياماً أقل من شهر، رحمه الله تعالى‏.‏

ذكر ما رئي له من المنامات

وقد صح في الحديث لم يبق من النبوة إلا المبشرات‏.‏ وفي رواية‏:‏ إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم، سمعت علي بن حمشاد، سمعت جعفر بن محمد بن الحسين، سمعت سلمة بن شبيب، يقول‏:‏ كنا عند أحمد بن حنبل وجاءه شيخ ومعه عكازة فسلم وجلس فقال‏:‏ من منكم أحمد بن حنبل ‏؟‏ فقال أحمد‏:‏ أنا ما حاجتك ‏؟‏ فقال‏:‏ ضربت إليك من أربعمائة فرسخ أريت الخضر في المنام فقال لي‏:‏ سر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له‏:‏ إنَّ ساكن العرش والملائكة راضون بما صبرت نفسك لله عز وجل‏.‏

وعن أبي عبد الله محمد بن خزيمة الإسكندراني، قال‏:‏ لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداً فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ أي مشية هذه ‏؟‏ فقال‏:‏ مشية الخدام في دار السلام‏.‏ فقلت‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ أغفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري، وكنت تدعو بهن في دار الدنيا، فقلت‏:‏ يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء اغفر لي كل شيء، حتى لا تسألني عن شيء‏.‏ فقال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ هذه الجنة قم فادخلها‏.‏ فدخلت فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة وهو يقول‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏‏.‏ قال فقلت له‏:‏ ما فعل بشر الحافي ‏؟‏ فقال‏:‏ بخ بخ، ومن مثل بشر‏؟‏ تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول‏:‏ كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم‏.‏ أو كما قال‏.‏

وقال أبو محمد بن أبي حاتم‏:‏ عن محمد بن مسلم بن وارة، قال‏:‏ لما مات أبو زرعة رأيته في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ قال الجبار‏:‏ ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله، مالك والشافعي وأحمد بن حنبل‏.‏

وقال أحمد بن خرّزاد الأنطاكي‏:‏ رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد برز الرب جل جلاله، لفصل القضاء، وكأن منادياً ينادي من تحت العرش‏:‏ أدخلوا أبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله الجنة‏.‏ قال‏:‏ فقلت لملك إلى جنبي‏:‏ من هؤلاء ‏؟‏ فقال‏:‏ مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل‏.‏

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب المقدسي قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وهو نائم وعليه ثوب مغطى به وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين يذبان عنه‏.‏

وقد تقدم في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد، عن يحيى الجلاء أنه رأى كأن أحمد بن حنبل في حلقة بالمسجد الجامع، وأحمد بن أبي داؤد في حلقة أخرى، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 89‏]‏ ويشير إلى حلقة ابن أبي داؤد ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 89‏]‏ ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه‏.‏

 

البداية والنهاية

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article