الدين والكبت

Publié le par connaitre islam

ليس في أديان العالم ونظمه ما هو أصرح من الإسلام في الاعتراف بالدوافع الفطرية، وتنظيف مكانها في الفكر والشعور. يقول القرآن: " زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث "1. فيجمع في هذه الآية شهوات الأرض ويقرر أنها أمر واقع مزين للناس، لا اعتراض عليه في ذاته، ولا إنكار على من يحس بهذه الشهوات.

صحيح أنه لا يبيح للناس أن ينساقوا مع هذه الشهوات إلى المدى الذي يصبحون فيه مستعبدين لها، لا يملكون أمرهم منها. فالحياة لا تستقيم بهذا الوضع. والبشرية لا تستطيع أن تحقق طبيعتها التي تهدف إلى التطور الدائم نحو الارتفاع، إذا هي ظلت عاكفة على ملذاتها تستنفد فيها كل طاقتها، وتتعود فيها على الهبوط والانتكاس نحو الحيوانية.

نعم لا يبيح الإسلام للناس أن يهبطوا لعالم الحيوان. ولكن هناك فرقاً هائلاً بين هذا وبين الكبت اللاشعوري، بمعنى استقذار هذه الشهوات في ذاتها، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بها رغبة في التطهر والارتفاع.

وطريقة الإسلام في معاملة النفس الإنسانية هي الاعتراف بالدوافع الفطرية كلها من حيث المبدأ وعدم كبتها في اللاشعور، ثم إباحة التنفيذ العملي لها في الحدود التي تعطي قسطاً معقولاً من المتاع، وتمنع وقوع الضرر سواء على فرد بعينه أو على المجموع كله.

والضرر الذي يحدث للفرد من استغراقه في الشهوات، هو إفناء طاقته الحيوية قبل موعدها الطبيعي، واستعباد الشهوات له بحيث تصبح شغله الشاغل وهمه المقعد المقيم، فتصبح بعد فترة عذاباً دائماً لا يهدأ، وجوعة دائمة لا تشبع ولا تستقر.

أما الضرر الذي يحدث للمجتمع فهو استنفاد الطاقة الحيوية التي خلقها الله لأهداف شتى، في هدف واحد قريب، وإهمال الأهداف الأخرى الجديرة بالتحقيق. فضلاً عن تحطيم كيان الأسرة، وفك روابط المجتمع، وتحويله إلى جماعات متفرقة لا يجمعها رابط ولا هدف مشترك: " تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى " مما يسهل على غيرهم غزوهم وتحطيمهم كما حدث لفرنسا.

وفي هذه الحدود - التي تمنع الضرر - يبيح الإسلام الاستمتاع بطيبات الحياة، بل يدعو إليه دعوة صريحة فيقول مستنكراً: " قل: من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق 2 "؟ ويقول: " ولا تنس نصيبك من الدنيا 3 " ويقول: " كلوا من طيبات ما رزقناكم 4 " " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا 5 ".

بل يصل في صراحته في الاعتراف بالإحساس الجنسي خاصة - وهو مدار الحديث عن الكبت في الأديان - أن يقول الرسول الكريم: " حُبِّبَ إليَّ من دُنياكم : النِّساءُ و الطِّيبُ ، و جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيني في الصلاةِ " 6 فيرفع الإحساس الجنسي إلى درجة الطيب أزكى رائحة في الأرض، ويقرنها إلى الصلاة أزكى ما يتقرب به الإنسان لله. ويقول في صراحة كذلك: إن الرجل يثاب على العمل الجنسي يأتيه مع زوجته. فإذا قال المسلمون متعجبين: " يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ " قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " 7!

ومن هنا لا ينشأ الكبت إطلاقاً في ظل الإسلام. فإذا أحس الشباب بالرغبة الجنسية الدافقة فليس في ذلك منكر، ولا يوجد داع لاستقذار هذا الإحساس والنفور منه.

وإنما يطلب الإسلام من هذا الشباب أن " يضبط " هذه الشهوات فقط دون أن يكبتها. يضبطها في وعيه وبإرادته، وليس في لاشعوره، أي يعلق تنفيذها إلى الوقت المناسب. وليس تعليق التنفيذ كبتاً باعتراف فرويد، وليس فيه من إرهاق الأعصاب ما في الكبت، وليس يؤدي مثله إلى العقد والاضطرابات النفسية.

وليست هذه الدعوة إلى ضبط الشهوات تحكماً يقصد به الإسلام حرمان الناس من المتاع. فهذا هو التاريخ في الإسلام وفي غير الإسلام يقرر أنه ما من أُمة استطاعت أن تحافظ على كيانها وهي عاجزة عن ضبط شهواتها، والامتناع بإرادتها عن بعض المتاع المباح. كما يقرر من الجانب الآخر أنه ما من أُمة ثبتت في الصراع الدولي إلا كان أهلها مدربين على احتمال المشقات، قادرين على إرجاء ملذاتهم - أو تعليقها - حين تقتضي الضرورة ساعات أو أياماً أو سنوات.

ومن هنا كانت حكمة الصوم في الإسلام.

والمتحللون اليوم من التقدميين والتقدميات، يحسبون أنفسهم قد اكتشفوا حقيقة هائلة حين يقولون: ما هذا السخف الذي يدعو إلي تعذيب الأبدان بالجوع والعطش، وحرمان النفس مما تتوق إليه من طعام وشراب ومتاع.. في سبيل لا شيء، وإطاعة لأوامر تحكمية لا حكمة لها ولا غاية؟

ولكن.. ما الإنسان بلا ضوابط؟ وكيف يصبح إنساناً وهو لا يطيق الامتناع سويعات عما يريد؟ وكيف يصبر على جهاد الشر في الأرض، وهذا الجهاد يتطلب منه حرمان نفسه من كثير؟

وهل كان الشيوعيون - الذين يسخر دعاتهم في الشرق الإسلامي بالصيام وغيره من " الضوابط " التي تدرب النفوس - هل كانوا يستطيعون الصمود كما صمدوا في ستالنجراد، لو انهم لم يدربوا على احتمال المشقات العنيفة التي تعذب الأبدان والنفوس، أم إنهم " يحلّونه عاماً ويحرمونه عاماً "؟ يحلّونه حين يصدر الأمر به من " الدولة " لأنها سلطة مرئية تملك العقاب السريع، ويحرمونه – هو ذاته – حين يصدر الأمر به من الله خالق الدول والأحياء!

وماذا في الإسلام من العبادات غير الصيام؟ الصلاة؟ كم تستغرق من وقت المسلم التقي؟ هل تستغرق في الأسبوع كله أكثر مما تستغرق زيارة واحدة للسينما في كل أسبوع؟ وهل يضحي الإنسان بهذه الفرصة المتاحة للاتصال بالله، وتلقِّي المعونة منه، والاطمئنان إليه، واسترواح الراحة في رحابه، إلا وفي قلبه مرض وفي نفسه انحراف؟

أما ما يقال من تنكيد الدين على أتباعه، ومطاردتهم بشبح الخطيئة في يقظتهم ومنامهم فما أبعد الإسلام عنه، وهو الذي يمنح المغفرة قبل أن يذكر العذاب!

إن الخطيئة في الإسلام ليست غولاً يطارد الناس، ولا ظلاماً دائماً لا ينقشع. خطيئة آدم الكبرى ليست سيفاً مصلتاً على كل البشر، ولا تحتاج إلى فداء ولا تطهير: " فتلقَّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه 8 ". هكذا في بساطة ودون أيَّة إجراءات.

وأبناء آدم كأبيهم ليسوا خارجين من رحمة الله حين يخطئون. فالله يعلم طبيعتهم فلا يكلفهم إلا وسعهم، ولا يحاسبهم إلا في حدود طاقتهم: " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها 9 " " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون 10 ".

وآيات الرحمة والمغفرة والتوبة عن العباد كثيرة في القرآن. ولكنا نختار منها واحدة فقط لعمق دلالتها على رحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين " 11.

يا الله، ما أشد رحمتك بعبادك! إن الإنسان لا يملك نفسه من التأثر وهو يرى رحمة الله بالناس. ومتى؟ وهم يفعلون الفاحشة! إنه لا يقبل منهم التوبة فحسب. ولا يقيلهم من ذنبهم فحسب، بل يمنحهم رضاءه ورحمته، ويرفعهم إلى درجة المتقين!!

فهل بعد ذلك شك في عفو الله ومغفرته؟ وأين يطارد العذاب نفوس الناس والله يلقاهم بهذا العطف والترحيب، بكلمة واحدة صادقة يقولونها: التوبة؟!

لسنا نحتاج إلى نصوص أخرى تؤيد ما نقول. ولكنا مع ذلك نذكر هذا الحديث من أحاديث الرسول فهو شاهد عجيب: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم 12 ".

إنها إذن إرادة ذاتية لله أن يغفر للناس ويتجاوز عن سيئاتهم.

وهذه الآية العجيبة: " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكراً عليماً 13".

نعم؟ ما يفعل الله بتعذيب الناس؟ وهو الذي يحب أن يمنحهم الرحمة والغفران؟!


 

من كتاب شبهات حول الإسلام للأستاذ محمد قطب رحمه الله

1سورة آل عمران: 14.

2سورة الأعراف: 32.

3سورة القصص: 77.

4سورة الأعراف: 160.

5سورة الأعراف: 31.

6الراوي : أنس بن مالك. المحدث : الألباني. المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 3124

7رواه مسلم.

8سورة البقرة: 37.

9سورة البقرة: 286.

10الراوي : أنس بن مالك. المحدث : الألباني. المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 4515 خلاصة حكم المحدث : حسن

11سورة آل عمران: 133-136.

12رواه مسلم.

13سورة النساء: 147.

Commenter cet article