استعمال المساومة للصد عن سبيل الله

Publié le par connaitre islam

 

نأخذ أمثلة عن ذلك من قريش التي حاولت إيقاف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى : فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9). سورة القلم

قال ابن عباس : لو ترخص لهم فيرخصون. وقال مجاهد : ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق. 1

نذكر بعض أساليب المساومة

المشاركة في العبادة

قال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6)

ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس : أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه ؛ فأنزل الله عز وجل : قل يا أيها الكافرون.

وقال أبو صالح عن ابن عباس : أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك ؛ فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة فيئسوا منه، وآذوه، وآذوا أصحابه. 2

وهذه السورة براءة من الشرك. قال فروة بن نوفل الأشجعي : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال : "اقرأ عند منامك قل يأيها الكافرون، فإنها براءة من الشرك". خرجه أبو بكر الأنباري وغيره. وقال ابن عباس : ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها ؛ لأنها توحيد وبراءة من الشرك. وقال الأصمعي : كان يقال لقل يأيها الكافرون، وقل هو الله أحد المقشقشتان ؛ أي أنهما تبرئان من النفاق. 3

فالمشركون حاولوا أن يجرّوا المؤمنين إلى شركهم بطريقة نسمّيها اليوم ديبلوماسية ولكن الله أبطل مكرهم.

 

الله يميز بين الحق والباطل

فالله يُحكم آياته وينسخ ما يلقي الشيطان كما يُظهر سبحانه الحق جليا كي يتميز عن الباطل. وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) سورة الحج

يقول محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله : ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنى هدي قومه أو حرص على ذلك فلقي العناد، وتمنى حصول هداهم بكل وسيلة ألقى الشيطان في نفس النبي خاطر اليأس من هداهم عسى أن يقصر النبي من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول ما كلف به من الدأب على الدعوة والحرص على الرشد. فيكون معنى الآية على هذا الوجه ملوحا إلى قوله تعالى : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين. و (ثم) في قوله ثم يحكم الله آياته للترتيب الرُّتْبِيِّ، لأن إحكام الآيات وتقريرها أهم من نسخ ما يلقي الشيطان. بالإحكام يتضح الهدى ويزداد ما يلقيه الشيطان نسخا. وجملة والله عليم حكيم معترضة. ومعنى هذه الآية : أن الأنبياء والرسل يرجون اهتداء قومهم ما استطاعوا فيبلغونهم ما ينزل إليهم من الله ويعظونهم ويدعونهم بالحجة والمجادلة الحسنة حتى يظنوا أن أمنيتهم قد نجحت ويقترب القوم من الإيمان، كما حكى الله عن المشركين قولهم : أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها. فيأتي الشيطان فلا يزال يوسوس في نفوس الكفار فينكصون على أعقابهم، وتلك الوساوس ضروب شتى من تذكيرهم بحب آلهتهم، ومن تخويفهم بسوء عاقبة نبذ دينهم، ونحو ذلك من ضروب الضلالات التي حكيت عنهم في تفاصيل القرآن، فيتمسك أهل الضلالة بدينهم ويصدون عن دعوة رسلهم، وذلك هو الصبر الذي في قوله : لولا أن صبرنا عليها. وقوله : وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم. وكلما أفسد الشيطان دعوة الرسل أمر الله رسله فعاودوا الإرشاد وكرروه وهو سبب تكرر مواعظ متماثلة في القرآن. فبتلك المعاودة ينسخ ما ألقاه الشيطان وتثبت الآيات السالفة. فالنسخ : الإزالة، والإحكام : التثبيت. وفي كلتا الجملتين حذف مضاف، أي ينسخ آثار ما يلقي الشيطان، ويحكم آثار آياته. 4

 

وفي المعنى نفسه يقول سبحانه : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) سورة الأنعام.

نسرد هنا بعض أقوال المفسرين

  • (وكذلك نفصل الآيات) أي : التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها (ولتستبين سبيل المجرمين) أي : ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ : "وليستبين سبيل المجرمين" أي : وليستبين يا محمد - أو يا مخاطب - سبيل المجرمين. 5

  • التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني. والمعنى : وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل. 6

  • والتفصيل : التبيين والتوضيح، مشتق من الفصل، وهو تفرق الشيء عن الشيء. ولما كانت الأشياء المختلطة إذا فصلت يتبين بعضها من بعض أطلق التفصيل على التبيين بعلاقة اللزوم، وشاع ذلك حتى صار حقيقة، ومن هذا القبيل أيضا تسمية الإيضاح تبيينا وإبانة، فإن أصل الإبانة القطع. والمراد بالتفصيل الإيضاح، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدالة على المقصود منها. والآيات : آيات القرآن. والمعنى نفصل الآيات ونبينها تفصيلا مثل هذا التفصيل الذي لا فوقه تفصيل، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بَيِّنًا. وقوله "ولتستبين" عطف على علة مقدرة دل عليها قوله : وكذلك نفصل الآيات. لأن المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان، فيعلم من الإشارة إليه أن الغرض منه اتضاح العلم للرسول. فلما كان ذلك التفصيل بهذه المثابة علم منه أنه علة لشيء يناسبه وهو تبين الرسول ذلك التفصيل، فصح أن تعطف عليه علة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي استبانته سبيل المجرمين. 7

 

فالغرض إذن هو تفصيل للإيضاح ولتمييز الحق من الباطل.

 

حب التميز عن الضعفاء

الآية الآنفة الذكر جاء قبلها قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء ا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54)

وسبب نزولها ما رواه ابن جرير، من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده : صهيب وبلال وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا : يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ ونحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية : (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) إلى آخر الآية.

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم : حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله : (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) الآية، قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له. قال : فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو فعلت ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم؟ فأنزل الله عز وجل، هذه الآية : (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) إلى قوله : (أليس الله بأعلم بالشاكرين) قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء : ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القاري وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأبو مرثد من غني حليف حمزة بن عبد المطلب وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) الآية. فلما نزلت، أقبل عمر، رضي الله عنه، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله، عز وجل : (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام) الآية 8

 

فمرة أخرى الطغاة ينتفشون كما قال قوم نوح من قبل : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟ ومرة أخرى يرد الله عليهم ويُبرز الحق الذي ينبغي أن يُتّبع.

 

الإغراء

قال الإمام العلم عبد بن حميد في مسنده : حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : اجتمعت قريش يوما فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا : أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال : يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك ؛ فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا. والله ما ننظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى ء أيها الرجل ء إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش [ شئت ] فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فرغت؟" قال : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بسم الله الرحمن الرحيم. حم تنزيل من الرحمن الرحيم) حتى بلغ : (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فقال عتبة : حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال : "لا" فرجع إلى قريش فقالوا : ما وراءك؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته. قالوا : فهل أجابك؟ [ قال : نعم، قالوا : فما قال؟ ] قال : لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا : ويلك! يكلمك الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟! قال : لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. 9

 

وفي الختام

هذه بعض طرق المساومة التي منّ الله عليّ بفهمها من كتابه وسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم. المقصود أن الكفر لا يقبل أن ينتشر الحق ويكون واضحا في أذهان الناس بل يستعمل وسائل التلبيس والإغراء حتى يبقى الناس في جهلهم وذهولهم. فعلى الدعاة أن لا يجاروا المضلين بحجة المصلحة أو غيرها.

والله أعلم

____________________________________

Commenter cet article