تفسير وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين

Publié le par Alain

 

قال تعالى : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين

قوله : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض. إشارة إلى حجة مستنبطة من دلالة أحوال الموجودات على وجود صانعها.

 

والرؤية هنا مستعملة للانكشاف والمعرفة، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدل بجميعها على الحق وهي إراءة إلهام وتوفيق، كما في قوله تعالى : أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، فإبراهيم عليه السلام ابتدئ في أول أمره بالإلهام إلى الحق كما ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة. ويجوز أن يكون المراد بالإراءة العلم بطريق الوحي. وقد حصلت هذه الإراءة في الماضي فحكاها القرآن بصيغة المضارع لاستحضار تلك الإراءة العجيبة كما في قوله تعالى الله : الذي أرسل الرياح فتثير سحابا.

 

والملكوت اتفق أئمة اللغة على أنه مصدر كالرغبوت والرحموت والرهبوت والجبروت. وقالوا : إن الواو والتاء فيه للمبالغة. وظاهره أن معناه الملك بكسر الميم لأن مصدر ملك الملك بكسر الميم ولما كان فيه زيادة تفيد المبالغة كان معناه الملك القوي الشديد. ولذلك فسره الزمخشري بالربوبية والإلهية.

وفي اللسان : ملك الله وملكوته سلطانه ولفلان ملكوت العراق، أي سلطانه وملكه. وهذا يقتضي أنه مرادف للملك بضم الميم وفي طبعة اللسان في بولاق رقمت على ميم ملكه ضمة.

 

وفي الإتقان عن عكرمة وابن عباس : أن الملكوت كلمة نبطية. فيظهر أن صيغة فعلوت في جميع الموارد التي وردت فيها أنها من الصيغ الدخيلة في اللغة العربية، وأنها في النبطية دالة على المبالغة، فنقلها العرب إلى لغتهم لما فيها من خصوصية القوة. ويستخلص من هذا أن الملكوت يطلق مصدرا للمبالغة في الملك، وأن الملك (بالضم) لما كان ملكا (بالكسر) عظيما يطلق عليه أيضا الملكوت.

 

والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو عظمة سلطاننا كشفا يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرف فيما كشفنا له سوانا.

 

وعطف قوله وليكون من الموقنين على قوله وكذلك تقديره : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراء تبصير وفهم ليعلم علما على وفق لذلك التفهيم، وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين.

 

والموقن هو العالم علما لا يقبل الشك، وهو الإيقان. والمراد الإيقان في معرفة الله تعالى وصفاته. وقوله وليكون من الموقنين أبلغ من أن يقال : وليكون موقنا كما تقدم عند قوله تعالى : قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في هذه السورة1.

 

قوله تعالى : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.

قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. تأكيد الشيء بنفي ضده طريقة عربية قد اهتديت إليها ونبهت عليها عند قوله تعالى : قد ضلوا وما كانوا مهتدين في هذه السورة. ونظيره قوله تعالى : وأضل فرعون قومه وما هدى.

وقد أتي بالخبر بالجار والمجرور فقيل من المهتدين ولم يقل : وما أنا مهتد، لأن المقصود نفي الجملة التي خبرها من المهتدين، فإن التعريف في المهتدين تعريف الجنس، فإخبار المتكلم عن نفسه بأنه من المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التي تعرف عند الناس بفئة المهتدين، فيفيد أنه مهتد إفادة بطريقة تشبه طريقة الاستدلال. فهو من قبيل الكناية التي هي إثبات الشيء بإثبات ملزومه. وهي أبلغ من التصريح. قال في الكشاف في قوله تعالى : قال إني لعملكم من القالين : قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك : فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم. وقال عند قوله تعالى : قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين في سورة الشعراء : فإن قلت لو قيل : أوعظت أو لم تعظ، كان أخصر، والمعنى واحد. قلت : ليس المعنى بواحد وبينهما فرق لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشرته، فهو أبلغ في قلة الاعتداد بوعظه من قوله : أم لم تعظ.

ولذا قال التفتزاني هو من قبيل تأكيد النفي لا نفي التأكيد فهو يفيد أنه قد انسلخ عن هذه الزمرة التي كان معدودا منها وهو أشد من مطلق الاتصاف بعدم الهدى لأن مفارقة المرء فئته بعد أن كان منها أشد عليه من اتصافه بما يخالف صفاتهم قبل الاتصال بهم2.

 

مقتبس من كتاب التحرير والتنوير

1التحرير والتنوير سورة الأنعام » قوله تعالى وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين

2التحرير والتنوير سورة الأنعام » قوله تعالى قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله

Publié dans coran

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article