الباب الأول

Publié le par Alain

قال الله تعالى : (وما خلقت والجن والإنس إلا ليعبدون) الآية.

وقوله تعالى : (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)

وقوله تعالى : (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا). الآية

وقوله تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) الآية.

وقوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلا تشركوا به شيئاً) الآيات.

قال ابن مسعود : من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً) إلى قوله تعالى : (وأن هذا صراطي مستقيماً) الآية.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمارٍ فقال لي : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً. قلت : يا رسول الله، أفلا أبشر الناس ؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا) أخرجاه في الصحيحين.

_______________

أول الكتاب يقول المؤلف كتاب التوحيد، والتوحيد مصدر أوحد يوحد توحيداً.

والتوحيد في اللغة : جعل المتعدد واحداً، أوجعل الشيء واحداً، وهذا لا يتم إلا بنفي وإثبات. تنفي الحكم عن ما سوى الموحَد وتثبته للموحَد، لأن الإثبات المحض ليس فيه توحيد، فلا ينفي الحكم عن ما سواه، فإذا قلت مثلا : زيد قائم، أثبت القيام لزيد، ولكن لا تنفي القيام عن ما سوى زيد، وإذا قلت : ما قام أحد، فأنت تنفي القيام عن الجميع، أما إذا قلت : ما قام إلا زيدُ. نفي وإثبات، فأنت تنفي القيام عن ما سوى زيد وتثبته لزيد. وهذا هو التوحيد، فلا بد في التوحيد من نفي وإثبات.

التوحيد في الاصطلاح : هو إفراد الله تعالى بما يختص به. وينقسم عند أهل العلم أقسام وهذا التقسيم تقسيم اصطلاحي فيمكن أن تقسم التوحيد إلى أقسام غير ما نذكره، لكن أكثر من كتب في التوحيد قسم التوحيد إمَّا إلى قسمين أوإلى ثلاثة أقسام، فابن تيميه وابن القيم وشارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي قسموا التوحيد إلى قسمين :

  1. توحيد المعرفة والإثبات ويقصدون به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

  2. توحيد القصد والطلب،ويقصدون به توحيد الألوهية،(الإلهية).

وأكثر المتأخرين يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام :

  1. توحيد الربوبية.

  2. توحيد الألوهية.

  3. توحيد الأسماء والصفات.

(1) فأما توحيد الربوبية : وهو القسم الأول فمعناه إفراد الله بالخلق والملك والتدبير.وبعضهم يعبر عنه فيقول : إفراد الله تعالى بأفعاله. ومعنى ذلك أن نفرد الله تعالى بأفعاله كالخلق والرزق والملك والتدبير. فنقول لا خالق إلا الله ولا رازق غيره سبحانه وتعالى وإذا قلنا لا خالق إلا الله، فإن هذا لا يعكر عليه ما جاء في النصوص من أن عيسى عليه السلام يخلق. كما قال تعالى : (وأني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وما جاء في النصوص النبوية أنه يقال للمصورين يوم القيامة : أحيوا ما خلقتم، فإن هذا الخلق الذي نسب إلى غير الله تعالى معناه الخلق الناقص، الذي هو تغيير الشيء من صورة إلى صورة، أما الخلق التام الكامل الذي هو إيجاد الشيء من العدم فهذا خاص بالله تعالى، لا يوصف غير الله تعالى به.وكذلك التدبير فإننا نقر بأن الله تعالى هو المدبر وحده لا شريك له. والتدبير ينقسم إلى قسمين:

  1. تدبير شرعي :

  2. تدبير كوني :

فالتدبير الكوني معناه أنه يدبر الأمر سبحانه وتعالى،فيحيي ويميت، ويغني ويفقر ويغني ويقني سبحانه وتعالى.

والتدبير الشرعي : معناه لا يحلل ولا يحرم ولا يوجب على العباد غيره سبحانه وتعالى، فمن خالف شيئاً من ذلك فقد نقض توحيد الربوبية.

(2) وأما توحيد الإلهية : وهو القسم الثاني، هذا القسم هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وبين أقوامهم. ومعناه إفراد الله تعالى بالعبادة، أوإفراد الله تعالى بأفعال المخلوقين، فلا نصرف العبادة إلا لله سبحانه وتعالى.

(3) وأما توحيد الأسماء والصفات: وهو القسم الثالث، ومعناه أن نفرد الله تعالى بما سمى ووصف به نفسه وبما سماه ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو القسم الأخير من أقسام التوحيد.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى : كتاب التوحيد وقول الله تعالى : (وما خلقت والجن والإنس إلا ليعبدون) يعني أن الله تعالى يبين الحكمة التي من أجلها خلق الجن والإنس وعبادة الله تعالى وحده. والعبادة فسرها ابن عباد بأنها التوحيد يعني وحلقت الجن والإنس إلا ليوحدون، وهذا تفسير من ابن عباس إلى فرد من أفراد المعنى وهذه هي طرقة السلف في التفسير فإنهم يفسرون اللفظ بأحد معانيه فيقولون يعبدون يعني يوحدون، وإلا فالعبادة أسم أعم من ذلك، ومعناه طاعة الله تعالى التي من ضمنها توحيد الله تعالى وصرف العبادة له وحدة.

والعبادة في اللغة : مأخوذة من عَبَدَ يعني تذلل، يقال طريق معبَّد، يعني مذلل وطئته الأقدام.

والعبادة في الاصطلاح :فسرت بعدة تفسيرات، فمن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله :أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. ويقول الفقهاء من الحنابلة : أن العبادة هي كل ما أُمر به شرعاً من غير اقتضاء عقلي ولا اضطرار عرفي. ومعنى كلامهم أن العبادة كل ما جاء في الشرع الأمر به من غير أن يكون له اقتضاء عقلي ولا اضطرار عرفي، يعني ليست العبادة ما جرى عليه عرف الناس أواقتضته عقولهم. إنما العبادة هي ما أُمر به في الشرع، فكل نص أوجب على العباد شيئاً أوأمرهم بشيء فإننا نستفيد منه أنه عبادة.. وعرفها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى بأنها التذلل لله محبةً وتعظيماً بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه، فمن تذلل لله، فعل الأوامر واجتنب النواهي فهذه هي العبادة وإنما ذكر التذلل والمحبة والتعظيم لأن هذه هي أركان العبادة. كما قال ابن القيم :

وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما ركنان

فركنا العبادة : التذلل والمحبة. هذا هو تفسير محمد بن غث يمين رحمه الله تعالى للعبادة.وعلى كل حال فإننا نعرف العبادة : بأنها كل ما جاء في الشرع الثناء على فاعله فهي عبادة من العبادات فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك مع الله تعالى غيره.

وقوله تعالى : (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، هذا هو النص الثاني فقد ذكر المؤلف في هذا الباب عدة نصوص تفيد الغرض الذي من أجله ساق الباب، (اعبدوا الله) على تفسير ابن عباس يعني وحدوا الله. (واجتنبوا الطاغوت) : الطاغوت اسم جامع لكل ما طغى وتجاوز. وفسره ابن القيم بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أومتبوع أومطاع.

وقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) يعني أمر تعالى ألا تعبدوا سواه.

وفي قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) أمر بعبادة الله وحده ونهى عن صرف العبادة لغيره.

وقوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً). بيان أن الله تعالى حرم على العباد أن يشركوا به سبحانه وتعالى.

وفي قول ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه). يعنى من أراد أن ينظر إلى وصية النبي عليه الصلاة والسلام والتي وقع عليها - يعني - التي مات وهو يأمر المسلمين بها، فليقرأ هذه الآيات، هذا الأثر أخرجه الترمذي وأخرجه أيضاً الطبراني عي معجمه، سكن في إسناده يزيد ين عبد الله الأوذي وهو ضعيف، وعلى كل فحتى لوكان الحديث ضعيفا فإن العبرة بالآيات التي وردت في آخر سورة الأنعام وهي دليل على أن الله تعالى حرم على عباده الشرك.

وفي حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، كان رديف النبي عليه الصلاة والسلام معناه أنه رديف للنبي عليه الصلاة والسلام : أي أنه راكب خلفه على هذا الحمار، وهذا يدل على تواضع المصطفى عليه الصلاة والسلام في ركوبه وإرداف شخص خلفه.وفي قوله:(أتدري ما حق الله على العباد؟) يبين أن الله تعالى أوجب على العباد أن يعبدوه سبحانه ولا يعبدوا سواه، وكافأهم على ذلك بأن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. وهذا كله يدل على ما أراد المؤلف الوصول إليه وهو أن : التوحيد فرض عين على كل مكلف - وهو أول واجب على العبد -.

وفي قوله : في آخر الحديث (لا تبشرهم فيتكلوا) قد يشكل على بعض الناس بأنه كتمان للعلم، ومعلوم أن كتمان العلم منهي عنه لآن الله تعالى أخذ العهد على الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه, والجواب على ذلك أن كتمان العلم على نوعين :

  1. كتمان تام : يعني كتمان مطلق بأن يكتم العلم ولا يبلغه لأحد، لغير مصلحة، وهذا هو المنهي عنه، وهو الذي يأثم فاعله.

  2. كتمان لمصلحة ومقصد : فهنا قال : (لا تبشرهم فيتكلوا)، فلا يبلغ الناس لئلا يُحدث هذا عندهم اتكالاً على هذا التوحيد وربما فهماً ناقصاً له فيتركوا من ذلك العبادة. نظير ذلك ما جاء عن أبن عباس رضي الله تعالى عنه : أن رجلاً أتاه فسأله : هل للقاتل توبة ؟ فقال : (لا). فلما انصرف تعجب أصحابه من ذلك، فقال رأيت في عينيه الشر فخشيت إن أخبرته أن للقاتل توبة : أن يقتل شخصاً.بزعم أنه سيتوب بعد ذلك. فهذا الكتمان لمصلحة ومقصد فلا ينهى عنه..

والغرض الذي ساق المؤلف من أجله هذا الباب هو بيان حكم التوحيد، وحكم التوحيد فرض عين على كل إنسان على الجن والإنس، فيجب على كل إنسان أن يوحد الله تعالى. وهو أول واجب على العبد أن يوحد الله تعالى، وأن يخصه بالعبادة ويفرده بها وهذا الواجب لا يسقط عن العبد إلا في حالتين ذكرهما أهل العلم:

الحالة الأولى حالة الإكراه : فإنه من أكره وقلبه مطمئن للإيمان فإنه يعذر في تركه للتوحيد، هكذا يذكر بعض أهل العلم، وفيما ذكروه نظر، لآن الإنسان المكره إنما يعذر في ترك التوحيد ظاهراً، ولا يعذر في تركه في الباطن، فلا بد أن يكون باطنه مصدقاً موقناً بحقيقة التوحيد والإيمان، لكن في الظاهر له أن يعامل الناس بما يظهر منه أنه غير مسلم ولا موحد، ويشترط في هذا الإكراه، , أن يكون إكراهاً مرجئاً يعني إكراه بقتل أوعقاب شديد يخشى منه على نفسه الضرر، فعند ذلك يجوز له أن يظهر الشرك ويكون مع ذلك معفياً عنه.

الحالة الثانية حالة الجهل : يعذر في حالة الجهل بترك التوحيد، وفي هذه المسألة خلاف ونزاع بين الناس ونبين ذلك بأن نقول إن من نشأ في بادية بعيدة أوكان حديث عهد بإسلام فإنه يعذر في ما ترك من واجبات الدين حتى ولو كانت من أمور التوحيد والعقيدة، لأنه معذور بذلك، ففي الحديث (كنا حدثاء عهد بكفر) أو(كنا حدثاء عهد بجاهلية) فحديث العهد بالإسلام، وكذلك الذي نشأ في بادية بعيدة، يعذر في ما فعل، أما من لم يكن كذلك فقد اختلف فيه الناس على قولين:

القول الأول : أنه إن كان جاهلاً فإنه يعذر ولا يحكم عليه بالكفر، ويعذر فيما ترك من توحيد وفيما فعل من شرك، وهذا القول، قول منتشر في هذا الزمن، ويستدلون بذلك بقوله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).

والقول الثاني : وهو الذي عليه أئمة الدعوة السلفية في نجد من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، وهو الذي يفتي به سماحته شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وعليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء : أن الإنسان لا يعذر بالجهل، ما دام قد بلغه القرآن، وهلا عن شيء يعذر به في الفهم، كأن يكون إنسانا غير عربي ولا يمكنه أن بفهم اللسان العربي، أما من كان يفهم القرآن فإن بلوغ القرآن له يكفي في إقامة الحجة عليه، ويقتضي أنه لا يعذر بعد ذلك فيما فعل من شركيات، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودياً ولا نصرانياً ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا دخل النار)، وكذلك بقوله تعالى : (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) فإن من بلغه القرآن فقد أنذر، ومن أنذر فقد وجب عليه أن يعمل وإلا عوقب على ترك العمل، وهذا هو القول الأقرب للصواب وإن كان القول الأول فيه تخفيف على الناس، ولكن الظاهر من حال السلف أن القول الثاني هو الأصح والأرجح، والنبي عليه الصلاة السلام لا شك أنه لما بعث إلى المشركين كان فيهم من لم يفهم التوحيد، فقد أخبر الله تعالى عن حالهم بأنهم كالأنعام بل هم أضل، ومع ذلك فقد كفرهم المصطفى عليه الصلاة والسلام، وعاملهم جميعاً بمقتضى أنهم قد فهموا كتاب الله لأنهم فهموا اللسان العربي وفهموا دعوته عليه الصلاة والسلام، هذا مجمل الكلام في هذا الباب ونكتفي بهذا القدر ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

Publié dans Aqida

Commenter cet article