باب الخوف من الشرك

Publié le par Alain

و قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).

و قال الخليل عليه السلام : ( واجنبني و بنيَّ أن تعبد الأصنام).

و في الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه ؟ قال: الرياء) .

و عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) رواه البخاري.

و لمسلم عن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( من لقي الله لا يشرك به شيئاُ دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)

-----------------------------------

هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله لبيان خطر الشرك، وذكر فيه أموراً توضح هذا، قال باب الخوف من الشرك، الشرك عند أهل العلم : هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. وبعضهم يقول : الشرك أن تجعل لله نداً في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته. والمعنى قريب لكن المعنى الأول أوضح، مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. والشرك يكون في الربوبية ويكون في الألوهية ويكون في الأسماء والصفات. وقد سبق أن التوحيد ثلاثة أقسام : توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات. والشرك كذلك يقع في هذه الثلاثة.

فأما الربوبية : فيكون الشرك فيها بأن يعتقد العبد أن غير الله يخلق أو يرزق، أو يشفي المرضى، أو يدبر الأمور فإذا اعتقد أن غير الله تعالى يفعل شيئاً من الأشياء المختصة بالله تعالى في ربوبيته، فهو مشرك في الربوبية، وهذا الشرك في الربوبية لم يقع من المشركين في الزمن الأول، وإنما اختص به المشركون في الزمن الأخير، فيوجد في العصور المتأخرة من يعتقد أن بعض الأولياء والموتى وأصحاب القبور يستطيعون أن يغيثوا الملهوف وينجدوا المستنجد، ويشفوا المرضى، ويرزقوا من لا يلد الولد، ويرزقوا الفقير فيغنوه إلى غير ذلك من الاعتقادات،و هذه كلها من خصائص الله، والمشركون لم يكونوا يعتقدون هذا في أصنامهم، ما كانوا يعتقدون أنها ترزق وتخلق وتنجد. و لذا قال الله تعالى وصفاً لحالهم : (فإذا ركبوا في الفلك) يعني في السفن في البحر (دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) أي لما وصلوا إلى البر واطمأنوا أشركوا مع الله غيره، و لما كانوا في الفلك علموا أن لا ينجيهم إلا الله، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لحصين : يا حصين كم تعبد؟ قال : سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال : فمن تجعل لرغبك ورهبك ؟ إذا أردت شيئا أو خفت من شيء من تدعو؟ قال : الذي في السماء. قال : يا حصين أسلم، فأسلم رضي الله تعالى عنه. فحتى المشركون كانوا يعلمون أنه لا ينجي ولا ينفع ولا يضر إلا الله، لكنهم كانوا يصرفون شيئا من العبادة لغير الله، يطوفون أو ينذرون أو يذبحون لغير الله فقط. أما في هذا الزمن فإذا قرأت تراجم الصوفية تجد أنهم يقولون : كان يحيي الموتى، وكان يرزق المرأة التي لا تلد بالولد، وإلى آخر هذه الخزعبلات التي لا يصدقها عقل، وهي أقبح من شرك المشركين الأولين.

و قد يكون الشرك في الألوهية بأن يصرف العبد شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، كما قد يكون الشرك في الأسماء والصفات، وذلك بأن يسمي غير الله باسم هو من خصائص الله أو يصف غير الله بصفة من الصفات الخاصة بالله عز وجل.

والشرك ينقسم إلى أقسام :

  1. القسم الأول هو الشرك الأكبر : والشرك الأكبر يسميه بعض العلماء الشرك الظاهر، بعضهم يسميه الشرك الجلي، والمعنى واحد لكن المهم للطالب أن يعرف تنوع الأسماء للمسمى الواحد، فإذا قرأ في كتب أهل العلم لا يستغرب. وتعريف هذا القسم وهو الشرك الأكبر : أنه ما جاء في النصوص تسميته شركاً وكان متضمناً لخروج الإنسان عن دينه. ومثال ذلك صرف العبادات لغير الله فمن نذر لغير الله أو سجد لغير الله أو طاف على شيء بقصد العبادة فهو واقع في الشرك الأكبر.
  2. القسم الثاني هو الشرك الأصغر : قال بعض أهل العلم في تفسيره وشرحه وتعريفه : هو ما جاء في النصوص تسميته شركاً ولم يبلغ حد العبادة، لم يبلغ أن يصل إلى حد العبادة. مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فإن في هذا الحديث تسمية من حلف بغير الله بأنه مشرك، والحلف بغير الله مجرد الحلف ليس عبادة، فهذا يكون من باب الشرك الأصغر. و قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في تفسيره للشرك الأصغر : هو كل عمل قولي أو فعلي وسيلة إلى الشرك الأكبر. فكل عمل وسيلة إلى الشرك الأكبر فهو شرك أصغر، فمن وسائل الشرك الأكبر ماذا؟ الرياء من وسائل الشرك الأكبر، تعظيم المقبورين والغلو في الصالحين، فإن الغلو فيهم وتعظيمهم وسيلة إلى الشرك الأكبر. اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عرفت الشرك الأصغر بتعريف يجمع التعريفين السابقين فقالت في تعريفه : هو كل فعل نهى الله تعالى عنه وكان وسيلة إلى الشرك الأكبر وجاء في النصوص تسميته شركاً. فجمعوا بين أنه سمي في النصوص بالشرك وبين أنه وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر.
  3. القسم الثالث وهو الشرك الخفي : يذكره بعض أهل العلم فيجعلونه قسماً ثالثاً ويجعلون الشرك ثلاثة أقسام (1) شرك أكبر (2) شرك أصغر (3) شرك خفي. مع أن ابن القيم رحمه الله تعالى جعل الشرك الأصغر يسمى بالشرك الخفي، فجعل الشرك الأصغر هو الخفي. والحقيقة أن هذا القول تؤيده الأدلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي بين أيدينا قال : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، فسئل عنه ؟ قال : الرياء)، فالرياء سماه ماذا ؟ شركا أصغر مع أنه ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه) وهذا ما هو ؟ هذا الرياء. فيدل على أن الرياء شرك أصغر وشرك خفي وأن المعنى واحد، لكن الشرك سمي خفياً باعتبار أن الشرك الأكبر أظهر منه، وسمي أصغراً باعتبار أن الشرك الذي هو صرف العبادة لغير الله أكبر منه. أما الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فيرى أن الشرك الخفي يحصل في الشرك الأكبر والأصغر، وكلامه رائع جميل : فإن الشرك الأكبر منه ما هو خفي ومنه ما هو ظاهر، الشرك الأكبر قد يكون ظاهراً مثل صرف العبادة لغير الله مثل صرف الطواف والسجود لغير الله، هذا ظاهر، وقد يكون الشرك الأكبر خفيا مثل شرك المنافقين، فالمنافقون مشركون، لكن شركهم خفي. و قد يكون الشرك الأصغر ظاهراً مثل الحلف بغير الله فالحلف بغير الله شرك أصغر ظاهر، وقد يكون الشرك الأصغر خفيا مثل ماذا ؟ مثل الرياء. هذا الكلام مجمل وإلا إن تفصيله يحتاج إلى تدقيق ووقفات، فالرياء قد يكون شركا أكبر والحلف بغير الله قد يكون شركا أكبر وكان هذا من حيث الجملة.

الشرك الأكبر له أنواع :

  1. النوع الأول شرك الدعاء : ما معنى شرك الدعاء ؟ يعني صرف الدعاء لغير الله مثل من يدعو غير الله.
  2. النوع الثاني شرك القصد والإرادة والنية : وذلك بأن يقصد غير الله تعالى. قلنا الشرك الأكبر له أنواع وذكرنا منها شرك النية، مع أنا قلنا أن الرياء يكون شركا أصغر وقد يكون شركا أكبر، كيف ؟ يكون شركا أكبر إذا كان الرياء في أصل الإيمان، إنسان ما أسلم وما دخل في الإسلام إلا رياءً، وقد يكون أيضاً شركاً أكبر إذا كان في جميع الأعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان يفعلها وهو مراء. هذا شرك أكبر، وقد يكون أصغر إذا وقع في العمل المعين أو في بعض الأعمال فإذا وقع فيها الرياء كان هذا الرياء شركا أصغر
  3. النوع الثالث شرك الطاعة : وقد عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب باباً في هذا الكتاب، فقال : باب من أطاع الأمراء والعلماء في معصية الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله وله تفصيل سيأتي.
  4. النوع الرابع شرك المحبة : كما قال تعالى : (و من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله.. الآية). فهذا يصرف المحبة لغير الله وكل هذا سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى. هذه الأنواع جمعها الناظم في بيتين من الشعر، وقلنا أن الشعر يسهل الحفظ، يقول الناظم : ومنه - يعني الشرك الأكبر -

ومنه شرك دعوةٍ وقصدِ كذاك طاعةٌ لظلمِ الْعبد و مثله الإفراط في المحبة فأربعٌ ترديك للمذمة

يعني أن هذه الأربعة هي أنواع الشرك الأكبر.

و ابن القيم سمى الشرك الأكبر بالشرك الظاهر ولذلك قال في نونيته :

فالشٍّرك فاحْذره فشركٌ ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران

وهو اتخاذ الند للرحمن أيا كان من حجــر من إنسـان

يدعوه أو يرجوه ثم يخافــه و يحبه كمحبـة الديــان

 

يقول المؤلف رحمه الله : باب الخوف من الشرك : وقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). هذه الآية تدل على أن المشرك لا يغفر الله تعالى له، وشيخ الإسلام ابن تيمية اختار أن هذا الشرك يدخل فيه الشرك الأكبر والأصغر - فصاحب الشرك الأكبر والشرك الأصغر لا يغفر الله تعالى له شركه ويغفر ما دون الشرك.

أما ابن القيم فكما قدمنا في النونية يقول هذه الآية خاصة بالشرك الأكبر، الذي هو صرف العبادة - كما أسلفنا - لغير الله، أما الشرك الأصغر فعنده أنه من جملة الذنوب التي يغفرها الله تعالى إن شاء لعبده. وعلى كل حال فهذا يدلنا على خطر الشرك ويوجب الخوف منه وهو مراد المؤلف.

قال المؤلف : وقال الخليل من هو الخليل ؟ الخليل إبراهيم عليه السلام قال : (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). اجنبني : يعني أبعدني وجنبني وبنيَّ : يعني وذريتي، أن نعبد الأصنام. فإذا كان إبراهيم عليه السلام الذي كسر الأصنام وحطمها خاف على نفسه وذريته من الأصنام ودعا الله تعالى أن يجنبه الأصنام فنحن مع ضعف إيماننا أحق بأن نخاف ليس من الشرك الأصغر بل حتى من الشرك الأكبر. وقوله تعالى: (واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام) الأصنام : كل ما عبد من دون الله مما كان له صورة، فإذا صور شخص إنساناً أو طيراً - جعله على صورة - وعبده من دون الله فهذا صنم. أما الوثن: فهذا ما عبد من دون الله وليس على صور. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم الطائي لما رآه معلقاً صليباً - كان يعلق صليباً لأنه كان نصرانيا - قال : (ألق عنك هذا الوثن) فسمى الصليب وثناً لأنه يعظم ويعبد من دون الله وليس على صورة.

قال : وفي الحديث : هذا الحديث لم يخرجه المؤلف وهو حديث حسن أخرجه الإمام أحمد والطبراني وغيرهما من حديث محمود بن لبيد وهو صحابي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، هذا الحديث حديث حسن، حسنه الحافظ بن حجر وقال الهيثمي عنه رجاله رجال الصحيح وصححه الألباني رحمه الله.

يقول : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) وفي هذا الحديث شاهد للباب، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف على أمته من الشرك الأصغر ولما سئل عن الشرك الأصغر ؟ قال: الرياء،

والرياء هو : أن يفعل العبد عملاً يقصد منه أن يراه الناس. أما التسميع : فهو أن يعمل عملاً يقصد أن يسمع به الناس، فيسمى الأول رياءً ويسمى الثاني سمعة. نسأل الله تعالى أن يلطف بنا ويجنبنا الرياء والسمعة وأن يخلص أعمالنا لله. والرياء خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته لأنه يفسد الأعمال ويحبطها. فقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي : (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، والرياء سيأتي له باب مستقل في هذا الكتاب.

يقول : وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من مات وهو يدعو من دون لله نداً دخل النار) هذا الحديث أخرجه البخاري وهو يدل على خطر الشرك، فإن صاحبه متوعد بالنار.

يقول : ولمسلم عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة من لقيه يشرك به شيئاً دخل النار). طبعاً دخول النار في الحديثين إن كان دعاؤه الند وإشراكه بالله شرك أكبر فهذا دخول خلود، وإن كان شركه شراً أصغر ودعاؤه الند من قبيل الشرك الأصغر فدخوله ليس دخول خلود إنما دخول تعذيب.

بقي علينا أن نعرف الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:

  1. الشرك الأكبر يوجب الخلود في النار، بخلاف الأصغر.
  2. الشرك الأكبر يخرج الإنسان من الإسلام. فإذا رأيت هذا الرجل الذي يدعو غير الله فاعلم أنه قد خرج من الإسلام. وسبق معنا في الدرس الأول الحالات التي يعذر فيها الإنسان بترك التوحيد، وهي الجهل وذكرنا شروطه، ومتى ينتفي، تقوم عليه الحجة، وذكرنا أيضاً الإكراه، فإن المكره معفي عنه لآية سورة النحل وقد سبق هذا.
  3. أن الشرك الأكبر فيه صرف عبادة لغير الله أما الشرك الأصغر فليس فيه صرف عبادة لغير الله
  4. أن الشرك الأصغر أقل من الشرك الأكبر.

هذا مجمل ما في الباب، قد مر في الباب أربعة أمور تحذر وتخيف من الشرك، وهو مراد المؤلف.

 

Publié dans Aqida

Commenter cet article