باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

Publié le par Alain

و قوله تعالى : (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) الآية.

و عن ابن عباس رضي الله عنهما : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله - وفي رواية : إلى أن يوحدوا الله - فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أخرجاه.

و لهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النعم).

------------------

هذا ما ذكره المؤلف في هذا الباب، وفي هذا الباب ترتيبه مع الأبواب السابقة غاية في الإتقان فإنه ذكر في الأبواب الأولى حكم التوحيد وأنه واجب، وفضله، وفضل من حقق التوحيد ثم ذكر بعد ذلك خطر الشرك والخوف منه، ثم بعد ذلك بين وجوب الدعوة إليه، وهذا هو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى في سورة العصر : (و العصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.) فوصفهم الله تعالى، جعل الله تعالى كل إنسان في خسارة، كل إنسان خاسر، إلا من آمن وعمل صالحاً ودعا غيره إلى الحق.

يقول المؤلف باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، يبين في هذا الباب حكم الدعوة إلى التوحيد، وحكم الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحكم ذلك أنه واجب، فيجب على الإنسان أن يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك، وهذا هو أعظم مقصود في دعوة الأنبياء والرسل، فإنهم بعثوا لتحذير أممهم من الشرك ولأمرهم بتوحيد الله تعالى والإخلاص له، إلا في حالة واحدة تكون فيه الدعوة إلى التوحيد مندوبة غير واجبة يذكرها أهل العلم وهذه الحالة هي إذا ما غزا المسلمون الكفار وقد كان الكفار بَلَغَتْهم الدعوة، الآن لو حصل قتال بين المسلمين والكفار وكان الكفار قد بلغتهم الدعوة إلى الإسلام، وعرفوا أن المسلمين يريدون منهم الإسلام فهل يجب عليهم قبل القتال أن يدعوهم إلى التوحيد؟ لا يجب عليهم لكنه يستحب. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بين المصطلق وهم غارون (يعني وهم غافلون)، ما نبههم، ما قال بهم أنا سأغزوكم، أسلموا لماذا ؟ لأنه قد بلغتهم الدعوة إلى الإسلام، قلا يجب على الإمام أن يدعوهم إلى التوحيد قبل غزوهم، أما في غير هذه الحالة فيجب على المسلم أن يدعو إلى التوحيد.

يقول المؤلف رحمه الله : وقول الله تعالى : (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) في هذه الكلمة قولان للمفسرين :

  1. القول الأول : أنا أدعو إلى الله وأتباعي ومن تبعني يدعو إلى الله، وهذا يدل على أن الدعوة هي طريقة الأنبياء وطريقة من تبعهم.
  2. القول الآخر : أن المعنى أنا ومن اتبعني على بصيرة فيكون المراد فيها البصيرة المذكورة.

ثم ذكر المؤلف بعد هذه الآية حديث ابن عباس وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن. والنبي عليه الصلاة والسلام بعث معاذاً وأبا موسى الأشعري، فبعث معاذاً إلى صنعاء وما حولها، وبعث أبا موسى إلى حضرموت وما حولها، واختلف في صفة إرسال معاذ، قيل أرسله قاضياً وقيل والياً وقيل داعياً المهم من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسله قال له (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) يعني ستأتي إلى قوم ليسوا من المشركين إنما من أهل الكتاب، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، فإذا أتيتهم فاستعد للمناظرة والدعوة، فإن عندهم كتابا يرون أنهم على أثارة من علم، وليسوا مثل المشركين الذين لم يكن عندهم كتاب وحجة، وهذا يبين أهمية استعداد الداعية قبل الدعوة إلى الله.

قال : (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وهذا يدل على حكم مهم وهو مسألة من أعظم مسائل الخلاف في أمور الاعتقاد، ما هو أول واجب على المكلف ؟ أول واجب على الإنسان ما هو؟ شهادة أن لا إله إلا الله، أن يوحد الله هذا أول واجب على المكلف، وهذا واضح من هذا الحديث، هذا هو قول أهل السنة وهو قول المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو قول معاذ وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما غيرهم فيقولون أول واجب النظر، ما معنى النظر؟ يعني التفكير والتأمل في الأدلة، وبعضهم يقول أول واجب الشك، وبعضهم يقول أول واجب معرفة الإله، ومعرفة الإله إذا أريد بها التوحيد فلا شك أن هذا هو المقصود ولكنهم يقصدون شيئاً آخر.

في هذا الحديث يقول: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وفي رواية : أن يوحدوا الله) وهذا كاف في المقصود على أن أول واجب على العبد هو توحيد الله تعالى، ثم بعد ذلك أمره بأن يبلغهم الصلاة والزكاة، ولم يذكر في هذا الحديث صيام رمضان ولا الحج، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم متى أرسل معاذ ؟ أرسله في آخر حياته بعد أن فرض الصيام والحج، فلماذا لم تذكر في هذا الحديث؟ يقول بعض أهل العلم أنها لم تذكر في الحديث لأنها اختصرها الراوي، الراوي وهو يذكر الحديث اختصر وذكر الصلاة والزكاة وترك الباقي، وقال بعضهم : إنما ذكر هذه لأن هذه من التزمها فهو ملتزم لغيرها من باب أولى. والصيام أسهل من الصلاة التي تتكرر في اليوم خمس مرات، وأسهل من بذل المال والإنفاق فيه. على كل نعرف أن وجوب الصيام والحج ثابت بلا ريب بأدلة كثيرة وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، ولكنها لم تذكر هنا إما اختصاراً أو كما قيل إن من التزم بهذه فهو مستعد أن يلتزم بغيرها، أو لأنه لما أرسله قبل أن يحج النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن الوقت الذي جاء فيه وقت صيام ولا وقت حج، ولا يلزمهم أن يعرفوا حكم الصيام والحج حتى يأتي وقته.

قال: (وإياك وكرائم أموالهم) يعني : إذا أخذت الزكاة فلا تأخذها من أفضل المال إنما تأخذ من الأوسط.

ثم قال : (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) وهذا تحذير أن يتقي دعوة المظلوم فإن المظلوم يجيب الله تعالى دعاءه، هذا الحديث متفق عليه.

و في الحديث الآخر وهو متفق عليه أيضاً، من حديث سهل بن سعد وفيه وقفات جميلة.

يقول : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) هذه فضيلة عظيمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه تحقق فيه هذا الأمر محبة الله ورسوله له ومحبته هو لله ولرسوله، وفيه أيضاً دليل على أن الله تعالى من صفاته أنه يحب خلافاً لمن ينكر هذه الصفة من الجهمية ومن تابعهم، والجهمية اسم يطلق على كل من ينكر الصفات أو يؤولها، فيطلق الجهمية على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم.

قال : (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها) يعني : يخوضون ويفكرون أيهم يعطاها، وفي هذا دليل على أن الصحابة كانوا يتنافسون في أعمال الخير. قال : (فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها) كل واحد منهم يتمنى يكون هو الذي يأخذ الراية (فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين علي بن أبي طالب ؟) في هذا سر عظيم، وهو أن الذي لا يحرص على الأمر من الولايات ولو كان فيها أجر فهو مؤهل لها أكثر من غيره، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنا لا نولي أحداً سأل الولاية) فالذي يقول : أنا أستحق الولاية، وأنا أهل وقادر فإنه لا يولى، ومن ذلك مثلاً القضاء، فإن من ذهب وقال أنا مستحق أن أكون قاضياً فإنه لا يولى، كما ذكر ذلك الفقهاء، وفي هذا الحديث دليل على ذلك، فتأمل كلهم كانوا يتمنون أن يعطوها فوقع اختيار النبي صلى الله عليه وسلم على علي الذي لم يكن حاضراً بل كان مريضاً لا يأمل أن يعطى هذه الراية، وفي بصاق النبي عليه الصلاة والسلام وهو البصق وإخراج الريق من الفم بصاق النبي صلى الله عليه وسلم على عين على بن أبي طالب آية من آيات نبوته لبركة النبي عليه الصلاة والسلام،

قال : (أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم ) وهذا هو المراد أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بالدعوة وهو الشاهد في هذا الباب.

قال : (وأخبرهم بما يجب عليه من حق الله تعالى فيه، والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) حمر : يعني الإبل الحمر، حمر جمع أحمر، والنعم هي الإبل فحمر النعم هي الإبل الحمر وأنفس الإبل عند العرب، فيقول : هذه الإبل الحمر الغالية الثمينة أن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير منها. وقي قوله (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً) دليل على أن الهداية من الله وإنما العبد يدعو ويرشد ويبين، أما الهادي فهو الله سبحانه وتعالى إذا كتب للعبد الهداية هداه وإذا لم يقدر الله تعالى له الهداية بقي على ضلالة. هذا أبرز ما في هذا الباب من فوائد، نسأل الله أن ينفعنا بما نقول ونسمع وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

Publié dans Aqida

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article