دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام

Publié le par Alain

 

قال الله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) سورة البقرة

إبراهيم : اسم علم أعجمي. قيل : ومعناه بِالسُّرْيَانِيَّةِ قبل النقل إلى الْعَلَمِيَّةِ : أب رحيم، وفيه لُغًى ست : إبراهيم بألف وياء وهي الشهيرة المتداولة، وبألف مكان الياء، وبإسقاط الياء مع كسر الهاء، أو فتحها، أو ضمها، وبحذف الألف والياء وفتح الهاء، قال عبد المطلب :

نحن آل الله في كعبته لم نزل ذاك على عهد إِبْرَهِمْ

وقال زيد بن عمرو بن نفيل :

عذت بما عاذ به إِبْرَهِمْ إذ قال وجهي لك عَانٍ راغم

الكعبة هي أول بيت وضع للناس، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده. كما قال تعالى : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)) سورة آل عمران

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال قلت : يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال : " المسجد الحرام ". قلت : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى ". قلت : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة ". قلت : ثم أي ؟ قال : ثم حيث أدركت الصلاة فصل، فكلها مسجد ". وأخرجه البخاري، ومسلم، من حديث الأعمش، به.

وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام : (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)

قال ابن جرير : يعنيان بذلك، واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم : (واجعلنا مسلمين لك) قال : مخلصين لك، (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) قال : مخلصة.

وقال عكرمة : (ربنا واجعلنا مسلمين لك) قال الله : قد فعلت. (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) قال الله : قد فعلت.

" وأرنا مناسكنا " قال ابن جريج، عن عطاء (وأرنا مناسكنا) أخرجها لنا، علمناها.

وقال مجاهد (وأرنا مناسكنا) مذابحنا. وروي عن عطاء أيضا، وقتادة نحو ذلك.

(ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) الآية، والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث فيهم كما قال تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) [الجمعة : 2]. حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية يعني ابن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الله بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لَمُنْجَدِلٌ في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين ترين. حدثنا أبو العلاء وهو الحسن بن سوار قال حدثنا ليث عن معاوية عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني عبد الله وخاتم النبيين. فذكر مثله وزاد فيه إن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام. رواه أحمد1

ومعنى " يتلو عليهم آياتك " يقرؤها عليهم قراءة تذكير، وفي هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا قال وسماني قال نعم فبكى. رواه البخاري ومسلم2. فالآيات جمع آية وهي الجملة من جمل القرآن، سميت آية لدلالتها على صدق الرسول بمجموع ما فيها من دلالة صدور مثلها من أمي لا يقرأ ولا يكتب، وما نسجت عليه من نظم أعجز الناس عن الإتيان بمثله، ولما اشتملت عليه من الدلالة القاطعة على توحيد الله وكمال صفاته دلالة لم تترك مسلكا للضلال في عقائد الأمة بحيث أمنت هذه الأمة من الإشراك. قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع : إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب. رواه مسلم3. وجيء بالمضارع في قوله " يتلو " للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته. " والحكمة " العلم بالله ودقائق شرائعه وهي معاني الكتاب وتفصيل مقاصده، وعن مالك : الحكمة معرفة الفقه والدين والاتباع لذلك، وعن الشافعي الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما ناظر إلى أن عطف الحكمة على الكتاب يقتضي شيئا من المغايرة بزيادة معنى. (ويزكيهم) باطنا من أرجاس الشرك وأنجاس الشك، وظاهرا بالتكاليف التي تمحص الآثام وتوصل الإنعام. قال ابن عباس : التزكية : الطاعة والإخلاص. وقال ابن جريج : يطهرهم من الشرك. وقيل : يأخذ منهم الزكاة التي تكون سببا لطهارتهم. وقيل : يدعو إلى ما يصيرون به أزكياء. وقيل : يشهد لهم بالتزكية من تزكية العدول، ومعنى الزكاة لا تخرج عن التطهير أو التنمية.

وقد جاء ترتيب هذه الجمل في الذكر على حسب ترتيب وجودها لأن أول تبليغ الرسالة تلاوة القرآن ثم يكون تعليم معانيه. قال تعالى : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه. ثم العلم تحصل به التزكية وهي في العمل بإرشاد القرآن.

وقوله : إنك أنت العزيز الحكيم. تذييل لتقريب الإجابة أي لأنك لا يغلبك أمر عظيم ولا يعزب عن علمك وحكمتك شيء والحكيم بمعنى الْمُحْكِمِ هو فعيل بمعنى مُفْعِلٍ.

وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله : (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان : 74]. وهذا القدر مرغوب فيه شرعا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له ؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام : (إني جاعلك للناس إماما) قال : (ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) وهو قوله : (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [ إبراهيم : 35 ]. وقد ثبت في صحيح مسلم4، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "

 

مصادر

تفسير ابن كثير سورة آل عمران قوله تعالى " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا "

التفسير الكبير المسمى البحر المحيط لأثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي

تفسير ابن كثير ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل

التحرير والتنوير محمد الطاهر ابن عاشور

 

1 مسند أحمد مسند الشاميين حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم

2واللفظ للبخاري : كتاب مناقب الأنصار » باب مناقب أبي بن كعب رضي الله عنه

3كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا

Publié dans coran

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article