من هو آريوس

Publié le par Alain

« فإن توليت فعليك إثم الآريسيّين »

« العالم كله صرخ وتعجب ليجد نفسه آريوسياً! »

(القديس جيروم : أول مترجم للكتاب المقدس)

« وبقي قسيسٌ واحدٌ على الحق! »

(عروة بن الزبير)

 

 

 

كنت قد وعدت القارئ الكريم سابقا أنني سوف آتي لاحقاً على ذكر أعظم شخصية أمازيغية على الإطلاق، وها قد جاء وقت الوفاء بهذا الوعد، وجاء معه أيضاً وقت الإجابة على تساؤلات محيرة تركتها معلقة إلى هذه الساعة، فما هو سر إسلام أقباط مصر بسرعة غريبة بعد أن طرد عمرو بن العاص الرومان منها؟ ولماذا لم يستغرق (عقبة بن نافع) وقتا يذكر في فتح جل الشمال الأفريقي؟ وما السبب الأساسي لفتح المسلمين للأندلس؟ ومن قصة أولئك "الأريسيّين" الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالته الشهيرة لهرقل؟ هل هم فعلاً فلاّحو الروم كما ورد في بعض كتب التاريخ؟ الحقيقة أن هذا ليس صحيحا على الإطلاق، فالآرسيون طائفة مجهولة تعمدت كتب التاريخ إغفالها لسبب سوف يتضح لاحقاً، ففهم تاريخ الآريسيّين يفسر لنا حديثا جميلاً رواه الإمام مسلم في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يصف حال الأرض قبل بعثته : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"!! وليتسنى لنا معرفة هوية هؤلاء "البقايا" يجب علينا أولا أن نلقي نظرة سريعة على حال الكرة الأرضية في نهاية القرن السادس الميلادي وبداية القرن السابع الميلادي، لنرى كيف كان وضع شعوب الأرض مباشرة قبل بزوغ شمس الدعوة المحمدية:

 

الرومان : كان الرومان يحكمون بلدانا شاسعة في أوروبا وآسيا وأفريقيا، يحكمونها بالنار والحديد، ويفرضون عليها الضرائب الباهظة، ولعل كثيراً من الذين يفتخرون بالمدرجات الرومانية (الحضارية إ) في بلدانهم لا يعلمون أن هذه المدرجات والمسارح قد بنيت من قبل الرومان لكي تكون مكاناً يتسلى به الرومان الهمجيون وهم يرون الأسود وهي تنهش لحوم العبيد الذين يأتون بهم من مستعمراتهم.

الفرس : أما الفرس فحدث عنهم ولا حرج! فقد كان جل الفرس من عبّاد النار الذين انتشر فيهم الانحلال الأخلاقي بشكل ما عرفته شعوب الأرض قبلهم أو بعدهم، فقد كانت (المتعة) بالجنس شكلاً يميز الفرس عن باقي شعوب الأرض، فسقط الفرس في أقذر أنواع الرذيلة الحيوانية، وساع فيهم زنى المحارم، فكان كسرى (يزدجرد الثاني) يزني بابنته، وكان كسرى (بهرام جوبين) يزني بأمه وأخته!!! ولم تستحل أمة من الأمم القديمة هذه الرذيلة إلا أمة فارس، بل كان الإغريق والرومان يعايرونهم بذلك، وقد قسم الفرس البشر إلى سبع طبقات، فعامة الشعب في المرتبة الدنيا حيث كانوا يربطونهم كالكلاب بالسلاسل في المعارك، بينما كان كسرى في قمة الهرم الاجتماعي حيث كان يعتبر نفسه (سيداً) صاحبَ دِماءٍ مقدسة!

الهنود: عبد الهنود كل ما خطر وما لم يخطر على بال البشر! فقد عبدوا كل سيئ من الكواكب إلى الأنهار مروراً بالحيوانات والأشجار، بل إن بعضهم عبد أعضاء التناسل!! وسوف نتطرق لتاريخ الهند الديني والاجتماعي بالتفصيل في نهاية هذا الكتاب في معرض حديثنا عن عظيم إسلامي من أمة الهنود.

الصين : برزت في الصين ثلاث ديانات رئيسية هي:

1 - ديانة لاتسو: وتدعو إلى البعد الكامل عن النساء.

2 - ديانة كونفوشيوس : وهي مادية بحتة.

3 - ديانة بوذا : وتدعو إلى الانعزال والزهد في الحياة.

العرب : كان جل العرب يعبد الأصنام التي أشركوها في عبادتهم لله، فكان لكل قبيلة صنم أو أكثر.

ومن بين كل هذه النماذج القاتمة التي غرق فيها بنو البشر، كانت هناك بقايا من الإنسانية مزروعة في وجدان طائفة من بقايا أهل الكتاب يقال لهم "الآريسيين"، أفراد هذه المجموعة كانوا يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن عيسى نبي الله، أي أنهم كانوا على دين الإسلام، أما عن سبب تسميتهم بالآريسيين فيرجع إلى القرن الرابع الميلادي،

وبالتحديد إلى عام 325 م، فقد كان المسيحيون منذ بعثة عيسى وحتى ذلك العام يؤمنون بوحدانية الله عز وجل، وبنبوة عيسى عليه السلام!، إلى أن ظهر رجل مٌصري يدعى (أثناسيوس)، هذا الرجل قام بتغيير الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام!، فأدخل فيه كثيرا من العقائد الوثنية، وسبب ذلك أن أثناسيوس لم يكن مسيحيا في بادئ الأمر، بل كان وثنيا على دين الفراعنة القدماء، فقام بمزج المسيحية بالديانات الوثنية التي كان يعتقد بها قبل تنصره، فأدخل لأول مرة مبدأ (الثالوث المقدس) "The Trinity" على الدين المسيحي التوحيدي.

وينص هذه المبدأ على أن الله ذو طبيعة ثلاثية الأبعاد، كل بعد فيه يساويه، وكل بعد فيه لا يساوي الآخر! وإن كنت لم تفهم شيئا من هذه الأحجية، فلا تقلق كثيراً، لأن زملائي الأوروبيين "المسيحيين" أخبروني أنهم أيضاً لا يفهمونها!! وربما كان هذا هو السبب الذي دفع الكنائس مؤخراً لمحاولة شرح هذا المبدأ الصعب وذلك بتوزيع رسومات هندسية (مثل هذا الشكل) لتحاول عبثاً شرح فكرة الثالوث المقدس.

 

https://sites.google.com/site/islamfacilepourtous/hommes/mayte-mn-zma-amte-alaslam-ghyrwa-mjry-altarykh/027-aryws/trinit%C3%A9%20impossible.jpg

ومع أن مادة الرياضيات كانت مادةً مفضلة لدي عندما كنت طالباً في المدرسة، إلا أنني أعترف أن ما قرأته عن "نظرية فيثاغورس" و"مسلمة إقليدس" و"مسألة أبولونيوس" و"منحنى ديوكلوس" لا يمكنه تفسير ذلك المبدأ! فالموضوع معقد بعض الشيء! فلو كان لك ولدٌ لم يبلع مْن العمر إلّا سنيات معدودة، فجلبت له ثلاث تفاحات وقلت له أن أكل تفاحة من التفاحات الثلاث تساوي نفس الشيء، ولكن نفس هذه التفاحات الثلاث لا تساوي الشيء نفسه! فلا أشك حينها بأن ذلك الطفل سيأخذ إحدى تلك التفاحات الثلاث من يدك، ليقضم منها قضمة صغيرة، ليقذف رأسك بعدها بنفس تلك التفاحة

المقضومة، قبل أن يذهب إلى أمه ليخبرها بأن أباه قد فقد عقله!

والحقيقة أن أثناسيوس لم يأت بِهذا المبدأ من فراغ، فلقد كانت فكرة الثالوث المقدس مغروسة في كيانه قبل أن يعتنق النصرانية، فلقد كان أثناسيوس يؤمن بالثالوث المقدس للفراعنة قبل أن يعتنق المسيحية (أوزرس الأب، حورس الابن، إزيس الأم)، بل إن فكرة الثالوث تلك كانت سائدة في أغلب الديانات الوثنية، فقد كان للهنود ثالوثهم البرهمي المقدس (برهما: الإله، فشنو:المخلّص، سيفا: الروح العظيم)، وعند الفرس الثالوث الزردشتي المقدس : (الروح الصالحة، الكلمة الصالحة، العمل الصالح)، لذلك أراد أثناسيوس نشر ذلك المبدأ الجديد في المسيحية.

عند تلك اللحظة ظهر العملاق العظيم (آريوس) الذي كان قسًا أمازيغيًا يعيش في الإسكندرية بعد أن قدم إليها من مسقط رأسه ليبيا، فوقف آريوس بالمرصاد في وجه أثناسيوس، وأدحض افتراأت المثلثين بعلمه وفصاحته، فأنكر ما جاء به أثناسيوس بحجة في غاية البساطة، ملخصها أنه لم يرد في الإنجيل كلمة واحدة تنص بأن المسيح إله، ولم يرد في الإنجيل أبدًا أنه قال للناس اعبدوني، فنشب خلاف كبير بين (أثناسيوس) وسيده بابا الإسكندرية آنذاك (ألكساندريوس الأول) من جهة، وبين (آريوس) ومن معه من المسلمين الموحدين من جهة أخرى، فأمر الإمبراطور الروماني الذي كان يحكم مصر (قسطنطين الأول) بعقد مؤتمر يجتمع فيه كل علماء النصارى لبحث أمر هذه البدعة التي

جاء جها أثناسيوس، فاجتمع العلماء في "مجمع نيقية المسكوني" في مايو 325 م، وقامت المناظرات بين آريوس وأثناسيوس، فانتصر آريوس بالضربة القاضية بعقيدة التوحيد، إلا أن الإمبراطور قسطنطين الذي كان وقتها وثنياً رفض رأي آريوس، فقد كان قسطنطين نفسه يؤمن بالثالوث الروماني المقدس (الله، الكلمة، الروح)، فأمر الإمبراطور قسطنطين القساوسة الموحدين وعلى رأسهم آريوس بالتوقيع على عريضة تنص على ألوهية المسيح، فرفض بطلنا الإسلامي العظيم آريوس التوقيع على وثيقة تنص على الشرك بالله. المضحك بالأمر أن الإمبراطور قسطنطين والذي كان وثنياً في وقتها اعتمد "وثيقة الإيمان المسيحي" التي يؤمن بها النصارى إلى يومنا هذا! أما آريوس ومن معه من المسلمين الموحدين فقد تم نفيهم إلى "البلقان"، قبل أن يأمر الإمبراطور بحرق جميع كتب آريوس وإعدام من يحتفظ بأي نسخة منها، عندها قامت الثورات الشعبية في أنحاء الإمبراطورية تطالب بإطلاق سراح القس البطل آريوس، ليستجيب الإمبراطور لهذه الضغوطات، ليعود آريوس من منفاه إلى العاصمة القسطنطينية (إسطانبول) منتصرًا، قبل أن يقوم المثلثون

بتسميمه، ليستشهد بطلنا في القسطنطينية بعد حياة طويلة قضاها في الجهاد في سبيل الله، دافعاً حياته ثمناً لرفعه لراية التوحيد.

وبعد موت آريوس قام الموحدون بنشر الإسلام في أنحاء أوروبا، فدخلت القبائل الجرمانية في الإسلام بتعاليم آريوس، وأصبحت كل شعوب أوروبا الغربية تقريباً آريسية مسلمة تؤمن برسالة التوحيد، وساد الإسلام أغلب دول العالم، بل إن بعض العرب كان من النصارى الآريسيين! لعل (ورقة بن نوفل) كان أشهرهم، وهذا يظهر جليا من سرعة اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقرأ عنه في الإنجيل، ويظهر أيضاً من شعر ورقة الذي يقول فيه:

لا تَعْبُدُنّ إلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ       فَإِنْ دَعَوْكُمْ فَقُولُوا بَيْنَنَا جَدَدُ

أما القارة الأوروبية فقد كانت قارة مسلمة على مذهب البطل الإسلامي آريوس، بل إن الإسلام الآريوسي أو الآريسي كان دين القارة الأوروبية والشام والشمال الأفريقي لسنين عديدة، إلا أن المضحك المبكي في هذه القصة حدث عندما جاء إمبراطور وثني اسمه (يوليانوس)، هذا الإمبراطور الروماني لم يكن مسيحيا أصلًا حتى موته، فقام بدعم المثلثين من الأرثذوكس وغيرهم على حساب المسيحيين الموحدين، فانتشرت المسيحية المحرفة بحد السيف وآلات التعذيب، بعد أن قام المثلثون بقتل ما يزيد عن 12 مليون من الآريسيين الموحدين، فأخفى من بقي من الآريسيين إسلامهم (سر تخفي قس يّسي عمورية والموصل وحر اّلق في قصة سلمان!)، وكان معظم أقباط مصر مسلمين آريسيين، ما يفسر اعتناق الأقباط السريع للإسلام بعد أن جاءهم الصحابي الجليل عمرو بن العاص ليحررهم من اضطهاد المثلثين لهم، فكان عمرو بن العاص رضي الله عنه بمثابة المحرر للمسيحيين من التعذيب والقتل و الإرهاب.

أما البربر فقد كانوا موحدين مسلمين من أتباع آريوس البربري، فلما جاءت دعوة محمد الخاتمة أعلنوا اتباعهم لها بسرعة البرق لتوافقها مع عقيدة التوحيد التي يؤمنون بها أصلًا، وهذا ما يفسر السرعة الخرافية التي فتح فيها عقبة بن نافع الشمال الأفريقي، ورغم أن حاجز اللغة كان عائقًا أمام معرفتهم بقواعد الشريعة المحمدية لبعض الوقت، إلّا أنهم ما أن تعلموا العربية لغة القرآن حتى أصبحوا قادة للإسلام! فإذا كنت أمازيغيًا وجاءك أحد المنصرين الأوروبيين يُذكرك بأصولك الأوروبية المسيحية فلا تكذبه، ولكن قل له أن أجدادك من البربر كانوا مسيحيين آريسيين يؤمنون بوحدانية الله، وقم بعد ذلك بتذكير ذلك المنصر بأصوله المسيحية الأريسية التي دافع عنها بطل البربر آريوس، ثم ادعه أنت بدورك للإسلام!

أما الأندلس، فقد كانت آخر معقل مٍن معاقل الآريسية في أوروبا، وكان أهل الأندلس مسلمين آريسيين حتى قبل أن يُولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه في عام 586م قام الملك الإسباني (ريكاردو) باعتناق المذهب الكاثوليكي، ليأمر بعدها بفرضه على الشعب المسلم بحد السيف، بعد أن قتل أغلب المسلمين الآريسيين من الإسبان والبرتغاليين، ليضطر من بقي منهم لإخفاء إسلامه في انتظار فرج الله، وفعلًا جاء فرج الله بعدها بسنوات قليلة، والعجيب في الأمر أن المدقق لهذا التاريخ 586 م - وهو تاريخ سقوط آخر معقل من معاقل الإسلام على الكرة الأرضية - يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبلغ من العمر حينها 20 عامًا تقريبا! فما هي إلّا سنيات قليلة حتى يشرق نور التوحيد من جديد على يديه، فيضيء به دياجين ظلمات الشرك الحالكة، ليحمل طارق بن زياد البربري تلك الشعلة التي دافع عنها جده آريوس ليضيء بها ديار الأندلس من جديد، فيحرر إخوانه المسلمين الأوروبيين الآريسيين من براثن الظلم والاضطهاد التثليلثي.

ليبيا. . . . تلك الأرض التي أخرجت آريوس من قبل، أبت إلّا أن تُخرج من صحرائها القاحلة عملاقا آخَر من عمالقة الإسلام، ولكنه هذه المرة ليس من العنصر الأمازيغي البطل، بل من العنصر العربي القرشي، فمن تراه يكون ذلك الشيخ الليبي البطل الذي حمل السلاح وهو في السبعين من عمره، ليدوّخ به جيوش إيطاليا الفاشية في صحاري ليبيا، بعد أن دوّخ من قبل جيوش فرنسا العنصرية في أدغال أفريقيا السمراء؟ من هو ذلك الأسد الليبي الكبير الذي جعل من إيطاليا أضحوكة في أفواه الأوروبيين بعد أن عجزت جيوشها البرية والبحرية والجوية من إيجاد حل للغز هذا الشيخ العظيم؟!

يتبع . . . . . . . .

 

من كتاب مائة من عظماء أمة الإسلام غيّروا مجرى التاريخ

Commenter cet article