الصبر على جور الأئمة

Publié le par Alain

 

أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان، كما قال تعالى : (فاتقوا الله ما استطعتم) [ سورة التغابن : 16 ] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " رواه البخاري ومسلم

 

، ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بصلاح العباد في المعاش والمعاد، وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما، فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه.

 

فإن الله تعالى بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تولى خليفة من الخلفاء، كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم، فإما أن يقال : يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولى غيره كما يفعله من يرى السيف، فهذا رأي فاسد، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته. وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير. كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على أبيه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء.

 

وغاية هؤلاء إِمَّا أَنْ يَغْلِبُوا وَإِمَّا أَنْ يُغْلَبُوا، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة ؛ فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقا كثيرا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا. والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم. وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق. وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم.

 

وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث : أين كنت يا عامر ؟ قال : كنت حيث يقول الشاعر

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير.

أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.

 

وكان الحسن البصري يقول : إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن الله تعالى يقول : (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) [ سورة المؤمنون : 76 ] وكان طلق بن حبيب يقول : اتقوا الفتنة بالتقوى. فقيل له : أجمل لنا التقوى. فقال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا.

 

وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين.

 

وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة، وليس هذا موضع بسطه. ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب واعتبر أيضا اعتبار أولي الأبصار، علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور. ولهذا لما أراد الحسين - رضي الله عنه - أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين، كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج، وغلب على ظنهم أنه يقتل، حتى إن بعضهم قال : أستودعك الله من قتيل. وقال بعضهم : لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج. وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أخرى.

 

فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قتلوه مظلوما شهيدا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببا لشر عظيم. وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن.

 

وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد. ولهذا أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحسن بقوله : " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " رواه البخاري.

 

ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة ولا بخروج على الأئمة ولا نزع يد من طاعة ولا مفارقة للجماعة.

 

وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا. كما في صحيح البخاري من حديث الحسن البصري : سمعت أبا بكرة - رضي الله عنه - قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول : " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيد، وحقق ما أشار إليه من أن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

 

وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوبا ممدوحا يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد بترك واجب أو مستحب. ولهذا لم يثن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين فضلا عما جرى في المدينة يوم الحرة، وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير، وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب وغير ذلك من الفتن. ولكن تواتر عنه أنه أمر بقتال الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالنهروان بعد خروجهم عليه بحروراء ؛ فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بقتالهم، ولما قاتلهم علي - رضي الله عنه - فرح بقتالهم، وروى الحديث فيهم. واتفق الصحابة على قتال هؤلاء، وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم لم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما مما لم يأت فيه نص ولا إجماع، ولا حمده أفاضل الداخلين فيه، بل ندموا عليه ورجعوا عنه.

 

وهذا الحديث من أعلام نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث ذكر في الحسن ما ذكره، وحمد منه ما حمده، فكان ما ذكره وما حمده مطابقا للحق الواقع بعد أكثر من ثلاثين سنة ؛ فإن إصلاح الله بالحسن بين الفئتين كان سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وكان علي - رضي الله عنه - استشهد في رمضان سنة أربعين، والحسن حين مات النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عمره نحو سبع سنين، فإنه ولد عام ثلاث من الهجرة، وأبو بكرة أسلم عام الطائف، تدلى ببكرة فقيل له أبو بكرة. في الإصابة أن اسمه نفيع بن الحارث، ويقال ابن مسروح. قال ابن حجر : " وكان تدلى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من حصن الطائف ببكرة فاشتهر بأبي بكرة ".

 

والطائف كانت بعد فتح مكة. فهذا الحديث الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن كان بعد ما مضى ثمان من الهجرة، وكان بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاثين سنة التي هي خلافة النبوة، فلا بد أن يكون قد مضى له أكثر من ثلاثين سنة، فإنه قاله قبل موته - صلى الله عليه وسلم -. ومما يناسب هذا ما ثبت في الصحيح من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأخذه والحسن ويقول : " اللهم إني أحبهما فأحبهما " .

 

ففي هذا الحديث جمعه بين الحسن وأسامة - رضي الله عنهما - وإخباره بأنه يحبهما ودعاؤه الله أن يحبهما. وحبه - صلى الله عليه وسلم - لهذين مستفيض عنه في أحاديث صحيحة، كما في الصحيحين من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت قال : سمعت البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول : " اللهم إني أحبه فأحبه " رواه البخاري ومسلم.

 

وفي الصحيحين عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - : أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا : من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ رواه البخاري ومسلم.

 

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال : نظر ابن عمر يوما وهو في المسجد إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية من المسجد، فقال : انظر من هذا ؟ ليت هذا عندي ! قال له إنسان : أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن ؟ هذا محمد بن أسامة. قال : فطأطأ ابن عمر - رضي الله عنه - رأسه، ونقر بيديه على الأرض، وقال : لو رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لأحبه. هذا الأثر في البخاري.

 

وهذان اللذان جمع بينهما في محبته، ودعا الله لهما بالمحبة، وكان يعرف حبه لكل واحد منهما منفردا، لم يكن رأيهما القتال في تلك الحروب، بل أسامة قعد عن القتال يوم صفين : لم يقاتل مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكذلك الحسن كان دائما يشير على أبيه وأخيه بترك القتال، ولما صار الأمر إليه ترك القتال، وأصلح الله به بين الطائفتين المقتتلتين.

 

وعلي - رضي الله عنه - في آخر الأمر تبين له أن المصلحة في ترك القتال أعظم منها في فعله.

 

وكذلك الحسين - رضي الله عنه - لم يقتل إلا مظلوما شهيدا، تاركا لطلب الإمارة تاركا للقتال، طالبا للرجوع : إما إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى المتولي على الناس يزيد.

 

وإذا قال القائل : إن عليا والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز، لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة. قيل له : وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن الخروج على الأمراء، وندب إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما. لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صارت إزالته على هذا الوجه منكرا، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرا.

 

منهاج السنة النبوية لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

 

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article