زين للناس حب الشهوات

Publié le par Alain

قَوْلُهُ تَعَالَى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ

قَوْلُهُ تَعَالَى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ زُيِّنَ مِنَ التَّزْيِينِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ مَنِ الْمُزَيِّنُ ؛ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : اللَّهُ زَيَّنَ ذَلِكَ ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي التَّنْزِيلِ : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ؛ وَلَمَّا قَالَ عُمَرُ : الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَهَا لَنَا نَزَلَتْ : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : الْمُزَيِّنُ هُوَ الشَّيْطَانُ ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ زَيَّنَهَا ؟ مَا أَحَدٌ أَشَدَّ لَهَا ذَمًّا مِنْ خَالِقِهَا. فَتَزْيِينُ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالْإِيجَادِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفَاعِ وَإِنْشَاءِ الْجِبِلَّةِ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هُوَ بِالْوَسْوَسَةِ وَالْخَدِيعَةِ وَتَحْسِينِ أَخْذِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُوهِهَا. وَالْآيَةُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ابْتِدَاءُ وَعْظٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ.

 

العبرة بالمقاصد

يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"1. فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه. روى البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ لَا قَالَ فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. وقوله صلى الله عليه وسلم : "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" رواه مسلم. وقوله في الحديث 2الآخر : "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم : النساءُ، والطيبُ، وجعلتْ قرةُ عيني في الصلاةِ"

 

وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث : "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"3

 

وحب المال - كذلك - تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود عليه شرعا.

 

وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها : أنه المال الجزيل، كما قاله الضحاك وغيره

 

وحب الخيل على ثلاثة أقسام : تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا وَنِوَاءً لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها. ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ وَلَوْ أَنَّهَا قُطِعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا فِي ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ." رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ.

وَأَمَّا (الْمُسَوَّمَةِ) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْمُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَةُ، وَالْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ مَكْحُولٌ : الْمُسَوَّمَةُ : الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

 

وقوله : (والأنعام) يعني الإبل والبقر والغنم (والحرث) يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة.

 

ثم قال تعالى : (ذلك متاع الحياة الدنيا) أي : إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة (والله عنده حسن المآب) أي : حسن المرجع والثواب.

 

وقد قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال : قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه : لما أنزلت : (زين للناس حب الشهوات) قلت : الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت : (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار).

 

ولهذا قال تعالى : (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم) أي : قل يا محمد للناس : أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم أخبر عن ذلك، فقال : (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي : تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة، من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. (خالدين فيها) أي : ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا. (وأزواج مطهرة) أي : من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا. (ورضوان من الله) أي : يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في (براءة) : (ورضوان من الله أكبر) [ التوبة : 72 ] أي : أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى (والله بصير بالعباد) أي : يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.

 

تفسير القرطبي

تفسير ابن كثير

1أخرجه البخاري في كتاب النكاح ومسلم في كتاب الرقاق

2رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني

3رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني

 

Commenter cet article