مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوة للشيخ راتب النابلسي

Publié le par connaitre islam

مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوة للشيخ راتب النابلسي

أصلُ الدين معرفةُ الله

النقطة الدقيقة أن أصل الدين معرفة الله ، وفضلً معرفة الله على معرفة خَلقه كفضل الله على خلقه ، وكم هي المسافة كبيرة جداً بين أن تعرف شيئاً من مخلوقات الله وأن تعرف خالق السماوات والأرض ، المسافة كبيرة جداً ، فعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ )) . رواه الدارمي في سننه

والآن فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه ، فلذلك ما من معرفة تعلو على أن نعرف الله عز وجل : (( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء)) . ورد في الأثر

أيها الإخوة الكرام ، لو أن طفلاً صغيراً قال : معي مبلغ عظيم ، كم نقدر هذا المبلغ ؟ نقدره مئتي ليرة مثلاً ، أما إذا قال مسؤول كبير في دولة عظمى : أعددنا مبلغاً عظيماً للحرب ، فإنك تقدره مئتي مليار ، الكلمة نفسها قالها طفل فقدرناها برقم ، وقالها إنسان آخر فقدرناها برقم ، فإذا قال خالق السماوات والأرض : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا . سورة النساء

 

لا شيء يعلو على مرتبة العلم

لذلك لا شيء يعلو على مرتبة العلم ، وإذا أدرت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .

بالمناسبة ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاًَ

 

معرفةُ الآمرِ قبل معرفة الأمر

أيها الإخوة الكرام ، هناك نقطة دقيقة جداً ؛ يمكن أن تتعرف إلى الله ، ويمكن أن تضعف معرفتك بالله ، وتتعرف إلى أمره ونهيه ، لكن الحقيقة الصارخة أنك إذا عرفت الآمر ، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، بينما إذا عرفت الأمر ، ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر .

كأنني وضعت يدي على مشكلة العالم الإسلامي الأولى ، الصحابة الكرام قلة ، وقد وصلت راياتهم إلى أطراف الدنيا ، لأنهم عرفوا الله ، وحينما اكتفينا بمعرفة أمره ، ولم نصل إلى معرفته المعرفة التي تحملنا على طاعته كما ترون حال العالم الإسلامي فإنانا لسنا ممكَّنين ، والله عز وجل يقول : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي(55) سورة النور

نحن كما في الآية الكريمة ، وهذا هو الواقع المرّ ، نحن لسنا مستخلَفين ، ولسنا ممكَّنين ، ولسنا آمنين ، والكرة في ملعبنا ، لأنه :فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) سورة مريم

إذاً : الفرق واضح بين الرعيل الأول من الصحابة الكرام الذين عرفوا الله ، وطبقوا منهجه ، فاستحقوا وعود الله عز وجل ، وكما تعلمون جميعاً زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين . على كلٍّ ؛ قضية العلم واسعة جداً ، قال بعض العلماء : هناك علم بخلقه ، يعني عندنا واقع ، والعلم وصف ما هو كائن ، هناك ظواهر فلكية ، علم الفلك ، ظواهر فيزيائية ، علم الفيزياء ... فالعلم مختص بما هو كائن ، وهو علاقة مقطوع بها بين متغيرين ، تطابق الواقع ، عليها دليل

 

العلم بخَلقه أصلُ صلاح الدنيا ، والعلمُ بأمْره أصل صلاح الآخرة

لكن هناك شيء آخر ، هناك علم بأمره ، العلم بخَلقه من اختصاص الجامعات في العالم ، أية جامعة تذهب إليها فيها كليات العلوم ، والطب ، والهندسة ، والصيدلة ، وما إلى ذلك ، هذا علم بخلقه ، والعلم بخلقه أصل صلاح الدنيا ، والمسلمون مفروض عليهم فرضاً كفائياً أن يتعلموا هذه العلوم كي يكونوا أقوياء ، لذلك العلم بخلق الله أصل في صلاح الدنيا ، أما العلم بأمره فأصل في العبادة ، قال تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . سورة الذاريات

 

تعريف العبادة

والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية

 

الكليات الثلاث في العبادة

هذا التعريف فيه كليات ثلاث ، فيه كلية معرفية ، وكلية سلوكية ، وكلية جمالية : الكلية السلوكية هي الأصل ، وما لم يستقم المسلم على أمر الله فلن يستطيع أن يقطف من الدين شيئاً ، هذه الكلية السلوكية

 

العبادات شعائرية وتعاملية

بالمناسبة العبادة واسعة جداً ، هناك عبادة شعائرية ، وهناك عبادة تعاملية ، العبادات الشعائرية منها الصلاة والصوم لا تصح ، ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، لذلك قال بعض العلماء : " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة : (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا )) . الترغيب والترهيب عن ابن عباس بسند ضعيف

 

 

هناك علم بخلق الله ، والمسلمون مدعوون إلى طلب هذا العلم ، بل هو عليهم فرض كفائي ، إذا قام به البعض سقط عن الكل ، وهو أصل في صلاح الدنيا ، بينما العلم بأمره أن تعرف الحلال والحرام ، أن تعرف أحكام التعامل التجاري ، أحكام التعامل اليومي ، هذه كلها من أحكام الفقه ، ولا بد من أن يتعرف الإنسان إليها ، لتأتي حركته في الحياة مطابقة لمنهج الله عز وجل . إنك بالاستقامة تسلم ، لأنك تطبق تعليمات الصانع ، وما من جهة في الأرض أجدر من أن تتبع تعليماتها إلا الجهة الصانعة ، لأنها الجهة الخبيرة وحدها : ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ سورة فاطر الآية : 19

العلم بأمره فرض عين على كل مسلم ، العلم بخَلقه فرض كفائي ، إذا قام به البعض سقط عن الكل ، بينما العلم بأمره فرض عيني على كل مسلم ، كيف تعبد الله ؟ من أجل أن تعبده لا بد من أن تعرف أمره ونهيه ، فالعلم بخلقه من أجل صلاح الدنيا ، ومن أجل قوة المسلمين ، وعلم بأمره من أجل قبول العبادة .

 

 

لكن بقي العلم به ، العلم بأمره وبخلقه يحتاج إلى مدارسة ، إلى مدرس ، إلى كتاب ، إلى وقت ، إلى مطالعة ، إلى مذاكرة ، إلى مراجعة ، إلى أداء امتحان ، إلى نيل شهادة ، ولكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة .

أنت حينما تلتزم ، وحينما تأتي حركتك في الحياة مطابقة لمنهج الله عز وجل عندئذ يتفضل الله علينا جميعاً فيمنحنا وميضاً من معرفته جل جلاله ، فلذلك العلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة ، وعلم بأمره يحتاج إلى مدارسة أيضاً والعلم بخلقه وبأمره أصل في صلاح الدنيا ، ومن أجل قوة المسلمين ، والثاني أصل في قبول العبادة ، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة ، فبقدر ما تضبط جوارحك ، بقدر ما تضبط حركاتك وسكناتك ، بقدر ما تضبط تطلعاتك وبيتك وعملك ، بقدر ما يتفضل الله عليك بأن يمنحك شيئاً من معرفته

 

طرق معرفة الله تعالى

الطريق الأولى : النظرُ في الآيات الكونية

أول بند آياته الكونية ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . سورة آل عمران

لذلك من أجل أن نعرف الله عز وجل لا بد من أن نتفكر في مخلوقاته ، والآية واضحة جداً ، وفيها إشارة دقيقة إلى أن المؤمن يتفكر في خلق السماوات والأرض تفكراً مستمراً ، والفعل المضارع ( يتفكرون ) يدل على الاستمرار ، فمن أجل أن أعرف الله ينبغي أن أتفكر في مخلوقاته .

هذا الكون أيها الإخوة الكرام ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله ، وقد قيل : الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي

أول شيء ، هناك آيات كونية تحتاج إلى تفكر ، الآيات الكونية نتفكر بها ، وهذا طريق آمن ، لأن كل ما في الكون يعد مظهراً لأسماء الله الحسنى ، وهذا موضوع الدرس الأول . ترى في الكون رحمة ، إذاً : الله رحيم ، ترى في الكون حكمة ، إذاً : الله حكيم ، ترى في الكون قوة ، الله قوي ، ترى في الكون غنى الله غني ، فكأن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، هذا طريق إلى معرفة الله

بالمناسبة في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون

 

الطريق الثانية : النظرُ في أفعالِ الله تعالى

هناك طريق آخر ، قال تعالى :(فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) سورة النحل

الآن الطريق الثاني في معرفة الله : أن تنظر في أفعاله ، الله عز وجل فعّال لما يريد ، وأفعاله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وقد قال بعض العلماء : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وأراده الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق

بالمناسبة ، هناك آيات كونية هي خَلقه ، وهناك آيات تكوينية هي أفعالُه ، وهناك آيات قرآنية كلامُه ، إذاً : طريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية خلقه ، والنظر في آياته التكوينية أفعاله ، ثم تدبر آياته القرآنية

ابن آدم اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي         رأوه لـــما وليت عنا لغيرنا

و لــو سمعت أذناك حسن خطابنا        خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا

ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة       عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا

ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً و اشتياقاً لقربنـــا

***

 

في القلب فراغ لا يملأه المال ، ولا تملأه المتع ، ولا تملأه القوة ، نحن بحاجة إلى الإيمان ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ . سورة طه

الإنسان مجبول على حب وجوده ، وعلى جب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، سلامة وجوده أساسها تطبيق منهج الله ، وكمال وجوده أسها القرب من الله عز وجل ، واستمرار وجوده أساها تربية الأولاد كي يكون هذا الابن استمراراً لأبيه

 

هذه مقتطفات ومن أراد مشاهدة المحاضرة القيمة للشيخ النابلسي

 

 

 


 

Publié dans connaitre Dieu

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article