من فوائد وجود المتشابه في القرآن

Publié le par connaitre islam

 

من فوائد وجود المتشابه في القرآن

إذا تبين ما تقدم، نضيف إليه أمرًا آخر، وهو أن وجود المتشابه في القرآن له فوائد عدة، ذكرها العلماء، من تلك الفوائد: الحث على النظر والبحث والتأمل في آيات الله سبحانه.

ومنها: إثبات التفاضل والتفاوت في العلم بين العباد؛ إذ لو كان القرآن الكريم كله محكمًا لاستوت منازل الخلق في فهمه، ولم يظهر فضل العالم على الجاهل، ولم يتبين فضل الذي يعلم حقيقة القول على الذي يعلم ظاهره، وقد جعل الله بعض القرآن محكمًا؛ ليكون أصلاً للرجوع إليه، وجعل بعضه متشابهًا يحتاج إلى الاستنباط وإعمال العقل، ورده إلى المحكم .

ومنها أيضًا: ابتلاء العباد بالوقوف عند المتشابه من الآيات دون الخوض في تأويلها، بما لا تحتمله من وجوه التأويل، وتسليم الأمر فيها إلى الله تعالى

ثم إن الثمرة العلمية والعملية لهذا البحث، تتجلى في بيان موقف المسلم من موضوع ( المتشابه ) الذي كان - ولا يزال - مزلة أقدام كثيرة، وموضع أخذ ورد. وكان من أهم المسائل التي دار الخلاف حولها مسألة صفات الخالق سبحانه، الواردة في العديد من الآيات والأحاديث؛ كقوله تعالى: { وتوكل على الحي الذي لا يموت } (الفرقان:58) وقوله سبحانه: { وهو بكل شيء عليم } (البقرة:29) وقوله سبحانه: { وهو على كل شيء قدير } (المائدة:120) وقوله تعالى: { وهو السميع البصير } (الشورى:11) وقوله سبحانه: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } (المائدة:54) وقوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنهم } (المائدة:119) وقوله سبحانه: { ولكن كره الله انبعاثهم } (التوبة:46) وقوله تعالى: { وغضب الله عليه ولعنه } (النساء:93) وقوله سبحانه: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } (الرحمن:27) وقوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } (المائدة:64) ونحو ذلك من الآيات؛ ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ) متفق عليه، وقوله: ( إذا تقرب العبد إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة ) متفق عليه، وقوله: ( لله أشد فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها ) رواه مسلم ونحو ذلك من الأحاديث

فالواجب في مثل هذه الآيات والأحاديث الداخلة في باب ( الصفات ) إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في إثبات الصفات ونفيها؛ فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما منهما. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى يُنظر في مقصود قائلها؛ فإن كان معنى صحيحًا قُبِلَ، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة .

وقد أطبقت كلمة الأئمة المتقدمين على أن ما ورد في ( باب الصفات ) من الآيات والأحاديث، ينبغي حمله على ظاهره، من غير تأويل أو تحريف أو تعطيل أو تمثيل؛ وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق. فقد ثبت عن الإمام مالك أنه سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

وسئل سفيان الثوري عن ذلك أيضًا، فقال: أفهم من قوله: { الرحمن على العرش استوى } ما أفهم من قوله: { ثم استوى إلى السماء } (فصلت:11) .

ففي كل هذه الأقوال ما يفيد أن ( الاستواء ) معلوم من حيث اللغة؛ والكيف مجهول، أي: حقيقة تلك الصفة مجهولة لنا، لا دليل عندنا عليه، ولا سلطان لنا به؛ والسؤال عنه بدعة، أي: الاستفسار عن الكيفية بدعة؛ لأنه ليس من هدي السلف، ولأنه أمر لا يمكن إدراكه أو الوصول إليه، وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم؛ لأنه رجل سوء، وداعية فتنة .  

وقد رُوي عن بعض أهل العلم، أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى، فقال: نمرها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف .

قال ابن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها .  

وقد أفصح الإمام الغزالي عن موقف السلف من هذه المسألة في كتابه ( إلجام العوام عن علم الكلام ) وهو آخر تصانيفه - رحمه الله - في أصول الدين، وحث فيه على التزام مذهب السلف، ومن تبعهم في هذه المسألة .

فالعمدة فيما جاء في ( باب الصفات ) الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى: { ليس كمثله شيء } وقد أُكدت هذه الحقيقة في كثير من الآيات القرآنية، كقوله سبحانه: { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد * ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } وقوله تعالى: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } (فاطر:15) والنصوص في الكتاب والسنة كثيرة ومستفيضة، تؤيد هذه الحقيقة وتؤكدها .

 

Publié dans science du coran

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article