مواقف الفريقين من المتشابه

Publié le par connaitre islam

 

مواقف الفريقين من المتشابه

قال تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، وينزلوه عليها ، لاحتمال لفظه لما يصرفونه ، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم ، ولهذا قال: ( ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ) أي: الإضلال لأتباعهم ، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن ، وهذا حجة عليهم لا لهم ، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى : ( إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) [الزخرف : 59] وبقوله: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ آل عمران : 59 ] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله ، وعبد ، ورسول من رسل الله . وقوله: ( وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) أي: تحريفه على ما يريدون


وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " قسم الله تبارك وتعالى القرآن الكريم إلى قسمين : محكم ومتشابه ، والمراد بالمحكم هنا الواضح البين الذي لا يخفى على أحدٍ معناه مثل السماء والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وما أشبهها ، هذا محكم ؛ لأنه لا اشتباه في معناه، وأما المتشابهات فهي الآيات التي يشتبه معناها ويخفى على أكثر الناس ولا يعرفها إلا الراسخون في العلم ، مثل بعض الآيات المجملة التي ليس فيها تفصيل ، فتفصلها السنة مثل قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فإن إقامة الصلاة غير معلومة ، والمعلوم من هذه الآية وجوب إقامة الصلاة فقط ، لكن كيف الإقامة ، هذا يعرف من دليل آخر ، والحكمة من أن القرآن نزل على هذين الوجهين الابتلاء والامتحان ؛ لأن من في قلبه زيغ يتبع المتشابه ، فيبقى في حيرةٍ من أمره ، وأما الراسخون في العلم فإنهم يؤمنون به كله ، متشابهه ومحكمه ، ويعلمون أنه من عند الله وأنه لا تناقض فيه . ومن أمثلة المتشابه : قول الله تبارك وتعالى (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) مع قوله ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) فيأتي الإنسان ويقول : هذا متناقض كيف يقولون (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ثم يقال عنهم إنهم (لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) فيضرب الآيات بعضها ببعض ؛ ليوقع الناس في حيرة ، لكنّ الراسخين في العلم يقولون : كله من عند الله ولا تناقض في كلام الله ، ويقولون : إن يوم القيامة يومٌ مقداره خمسون ألف سنة ، فتتغير الأحوال وتتبدل ، فتُنزّل هذه على حال وهذه على حال انتهى من : فتاوى نور على الدرب
وقال أيضا : " وأما أهل الضلال والزيغ فاتبعوا المتشابه وجعلوه مثاراً للشك والتشكيك فضلوا، وأضلوا وتوهموا بهذا المتشابه ما لا يليق بالله عز وجل ولا بكتابه ولا برسوله

مثال أول : قوله تعالى: ( إنا نحن نحيي الموتى ). وقوله: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصفة الجمع ، فاتبع النصراني هذا المتشابه وادعى تعدد الآلهة وقال : إن الله ثالث ثلاثة ، وترك المحكم الدال على أن الله واحد.
وأما الراسخون في العلم: فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، ويردون هذا المتشابه إلى المحكم في قوله تعالى: ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ). ويقولون للنصراني: إن الدعوى التي ادعيت بما وقع لك من الاشتباه قد كفّرك الله بها وكذبك فيها فاستمع إلى قوله تعالى:(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ) أي كفروا بقولهم : إن الله ثالث ثلاثة.

ومثال ثان : قوله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( إنك لا تهدي من أحببت ) وقوله: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) ففي الآيتين موهم تعارض ، فيتبعه من في قلبه زيغ ويظن بينهما تناقضاً وهو النفي في الأولى ، والإثبات في الثانية. فيقول: في القرآن تناقض.
وأما الراسخون في العلم فيقولون: لا تناقض في الآيتين فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق ، وهذه لا يملكها إلا الله وحده فلا يملكها الرسول ولا غيره . والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة وهذه تكون من الله تعالى ، ومن غيره فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين ... " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" 4/186.

وهذه كلها أمثلة للمتشابه النسبي الذي يخفى على بعض الناس ، ويعلمه الراسخون في العلم ، وأما المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله فمثل حقيقة وكيفية صفات الله تعالى ، وحقيقة ما يكون عند الله تعالى من نعيم لأهل الجنة ، وعذاب لمن عصاه ؛ فهذا كله لا يعلمه إلا الله .

من التبس عليه أمر شيء من المتشابه ، فليرده إلى المحكم ، إن كان من أهل العلم القادرين على الاستدلال والاستنباط ، وإلا فليسأل أهل العلم ، كما قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل/43. وليقل في كل حال : ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ). وقد عمد قوم من أهل الزيغ والزندقة قديما وحديثا إلى تتبع المتشابه من القرآن والسنة ، ابتغاء الفتنة والتشكيك ، وتصدى أهل العلم لذلك ، وألفوا مؤلفات نافعة في رد هذا التشكيك ، ومن ذلك ما ألفه الإمام ابن قتيبة رحمه الله بعنوان : تأويل مختلف الحديث . وما ألفه الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله بعنوان :دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب

Publié dans science du coran

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article