الإعجاز في القرآن : الإعجاز اللغوي والبلاغي

Publié le par connaitre islam

 



المُعجِزة هي أمر خارِق للعادَة، مَقرُون بالتحدِّي، سالم من المعارضة.

والإعجاز اللغوي هو أحد وجوه الإعجاز الذي هو إعجاز شامل لكلِّ ما في كلمة "إعجاز" من معنى؛ فهو مُعجِز في ألفاظه وأسلوبه، وهو مُعجِز في بيانه ونظمه، يجد القارئ فيه صورةً حَيَّةً للكون والحياة والإنسان، وحيثما قَلَّب الإنسان نظَرَه في القرآن وجد أسرارًا من الإعجاز اللغوي:

أولاً: في نظامه الصوتي البَدِيع بجرْس حروفه حين يسمع حركاتها وسكناتها، ومدها وغننها، وفواصلها ومقاطعها.

ثانيًا: في ألفاظه التي تَفِي بحقِّ كلِّ معنًى في موضعه، لا ينبو فيه لفظ فيُقال: إنه زائد، ولا موضع يُقال: إنه يحتاج إلى لفظ ناقص.

ثالثًا: في ضروب الخِطاب التي يَتقارَب فيها أصناف الناس في الفهْم بما تُطِيقه عقولهم، فيراها كلُّ واحدٍ مقدرة على قدر عقله ووفق حاجته.

رابعًا: في إقناع العقل وإقناع العاطفة بما يَفِي بحاجات النفس البشرية؛ تفكيرًا ووُجدانًا، في تكافُؤٍ واتِّزان، فلا تطغى قوَّة التفكير على قوَّة الوجدان، ولا قوَّة الوجدان على قوَّة التفكير.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: "والذي يشتَمِل عليه بديعُ نظمِه المتضمن للإعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة؛ وذلك أن نظم القرآن على تصرُّف وجوهه واختلاف مَذاهِبِه خارِجٌ عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومُبايِن للمألوف من ترتيب خِطابِهم، وله أسلوب يختصُّ به ويتميَّز في تصرُّفه عن أساليب الكلام المُعتَاد؛ وذلك أن الطرق التي يتميَّز بها الكلام البديع المنظوم تنقَسِم إلى أَعارِيض الشِّعر على اختِلاف أنواعِه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المُقَفَّى، ثم إلى أصناف الكلام المُعدَّل المُسَجَّع، ثم إلى مُعدَّل موزون غير مُسَجَّع، ثم إلى ما يُرسَل إرسالاً فتُطلَب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، ترتيب لطيف وإن لم يكن معتدلاً في وزنه، وذلك شَبِيهٌ بجملة الكلام الذي لا يتعمَّل فيه ولا يتصنَّع له، وقد عَلِمنا أن القرآن خارِجٌ عن هذه الوجوه، ومُبايِن لهذه الطرق، ويَبقَى علينا أن نُبَيِّن أنه ليس من باب السجع ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قَبِيل الشِّعر؛ لأن من الناس مَن زَعَمَ أنَّه كلام السجع، ومنهم مَن يدَّعِي فيه شِعرًا كثيرًا، فهذا إذا تأمَّله المتأمِّل تَبَيَّن - بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم - أنه خارِجٌ عن العادَة وأنه مُعجِز، وهذه خصوصِيَّة ترجع إلى جملة القرآن، وتَمَيُّز حاصِل في جميعه.

ومنها أنه ليس للعرب كلامٌ مُشتَمِل على هذه الفَصاحة والغَرابة، والتصرُّف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطُّولِ وعلى هذا القَدْرِ، وإنما تُنسَب إلى حَكِيمِهم كلماتٌ معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعِرِهم قصائد مَحصُورة يقع فيها من الاختِلال ويَعتَرِضها من الاختلاف، ويَشمَلُها من التَّعَمُّل والتكلُّف والتجوُّز والتعسُّف ما يُمكِن بيانه، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله مُتناسِبًا في الفصَاحَة على ما وصَفه الله تعالى به فقال عز مِن قائل : ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ﴾ الزمر: 23

وعدد آيات القرآن نحو ستة آلاف ومائتي آية (6200) تناولت موضوعات شَتَّى؛ في الاعتِقاد، والتشريع، والأخلاق، والقصص، وغيرها، وكلُّها جاءَتْ في غاية الدقَّة والإحكام، مع روعة البلاغة والبيان.

وليس في القرآن معنًى يُعارِض معنًى، أو حكم يُناقِض حكمًا، أو مبدأ يَهدِم مبدأ، أو غرض لا يتَّفق مع آخر، وصدق الحق جلَّ وعلا إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾ النساء: 82

Publié dans coran

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article