الإعجاز في القرآن : الإعجاز في الإخبار بالْمُغيَّبات

Publié le par connaitre islam

 



من وجوه إعجاز القرآن إعجازُه في الإخبار بالْمُغَيَّبات، هذه الْمُغَيَّبات قد تَتَعلَّق بالماضي السَّحِيق الْمُوغِل في القِدَم ممَّا لم يشهَدْه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي خاطَبَه ربُّه سبحانه فقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ آل عمران: 44؛ وذلك تعقيبًا على قصة امرأة عمران، وتمهيدًا للحديث عن مريم عليها السلام.

ومنها ما يتعلَّق بالحاضر الواقع في زمن نزول القرآن عن أمور مُتَعَلِّقة بغُيُوبٍ لِمَن هم في عصْر الرسالة.

ومنها ما يَتَعلَّق بغُيُوبٍ مستقبلِيَّة لم تكن وقعت في عهده صلَّى الله عليه وسلَّم وممَّا يكون في يوم القيامة.

أ‌- من الغيوب التي وقعت في الماضي:

في سورة البقرة أخبر الحق جلَّ وعلا عن مُغَيَّبات وقعَتْ لبني إسرائيل، وما حدث لموسى عليه السلام معهم؛ مثل قصَّة البقرة وقصة اتِّخاذهم العجل، وكذلك قصَّة بناء الكعبة على يد إبراهيم وإسماعيل.

وفي سورة البقرة كذلك قصَّة طالوت وجالوت، وانتِصار بني إسرائيل على أعدائهم وقيام مملكة داود عليه السلام.

وفي سورة آل عمران قصَّة امرأة عمران، وقصَّة مريم وولدها عيسى ابن مريم عليهما السلام ونبوَّته ورسالته.

وفي سورة الأعراف: قصَّة عاد وثمود وقصة خلق آدم عليه السلام وقصَّة ما وقع لآدم من إبليس لعَنَه الله وإخراج آدم من الجنَّة بوسوسته، وقصَّة تمكين الله تعالى لموسى عليه السلام وبني إسرائيل.

وفي سورة يوسف قصة يوسف عليه السلام كاملة في موطن واحد.

وفي سورة القصص قصَّة موسى من لحظة ميلاده حتى خروجه من مصر وعودته إليها، والصراع الذي دارَ بين موسى ودعوته وفرعون الذي رفَضَ دعوة الإسلام التي جاء بها موسى عليه السلام. وكذلك قصَّة قارون وكيف أهلَكَه الله تعالى بطغيانه وجبروته.

وفي سُوَرٍ كثيرة من القرآن ألوانٌ مُتَنوِّعة من القصص الذي يُخبِر عن غيبيَّات من الماضي ما كان لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يعلَمَها إلا من خلال الوحي، وفي التعقيب على قصة موسى في سورة القصص يقول الحق جلَّ وعلا : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ القصص: 44- 46. وفي سورة هود، يعقب الله تعالى على قصة نوح عليه السلام بقوله : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) 49

من كلِّ هذا يتَّضح أن أكبر دليلٍ على أنَّ القرآن من عند الله تعالى هذا القصص الذي يَعرِض لوقائع تفصيلِيَّة في تاريخ غابِر ما شهده رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولكنه عِلْمُ الذي لا تَخْفَى عليه خافِيَةٌ في الأرض ولا في السماء


ب- من الغُيُوب التي وقعت في الحاضر الْمُعاصِر لنزول القرآن:

ومن إعجاز القرآن الإخبار بالمُغَيَّبات التي كانت مُعاصِرة لزمن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فضح مَكايد المُنافِقين ومُؤامراتهم كما حدث في مسجد الضرار؛ قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ التوبة: 107- 110

وكان نفر من المنافقين بنوا هذا المسجد للكيد للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، وجاؤوا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليصلي فيه فيتَّخِذونه مسجدًا وقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدًا لذي العلَّة والحاجة والليلة المَطِيرة، ونحن نحبُّ أن تأتينا وتصلى فيه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :إني على جناح سفر وشغل، ولو قدمنا - إن شاء الله - أتيناكم فصلينا لكم فيه. ثم نزل القرآن فأرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في قفوله من تبوك مَن يهدمه، فهُدِّم وأُحرِق.

وكذلك في سورة التوبة بيانٌ لكثيرٍ من المُغَيَّبات التي كانت حاضرة وقت نزول القرآن، أخبر بها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يكن يعلم بها حتى نزل القرآن يُبَيِّنها؛ ومن ذلك مواقف المنافقين التي حكى عنها القرآن؛ يقول تعالى : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ﴾ التوبة: 75- 78

وممَّا أخبر به القرآن من شأن المنافقين: موقف عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول الذي قال عنه القرآن: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ المنافقون: 7- 8. وكان عبد الله بن أُبَيٍّ قال تلك الكلمة في حقِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبر زيد بن أرقم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلمَّا سُئِل عبد الله بن أُبَيٍّ عن قول تلك الكلمة أنكر أنه قالَهَا، فأنزل الله تعالى في القرآن تصديق زيد بن أرقم، وغير ذلك في القرآن كثير.

ج- من الغيوب المستقبلية التي أخبر بها القرآن:

وأمَّا عن الغيوب المستقبلِيَّة التي أخبر بها فهي كثيرة؛ فمن ذلك إخبار القرآن عن الرُّوم أنهم سينتَصِرون على الفرس في بضع سنين حيث نزل قول الله تعالى : ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم: 2- 6، وتَحقَّق وعْد الله تعالى بالفعل وانقَضَّ هرقل عظيم الرُّوم بعد هزيمة الرُّوم ببضع سنين على مَعاقِل الفرس، فلاذَ الفرس بالفرار، وهُزِموا هزيمة فادحة، ثم عاد هرقل إلى القسطنطينية عاصمة الرُّوم، وتَمَّ له ذلك في بضع السنوات التي أخبر القرآن بها.

ومن ذلك ما أخبر به القرآن من انتِصار الدعوة الإسلامية وانتِشار دين الإسلام، والآيات في ذلك مُتكاثِرة، وقد حدث ما أخبر به القرآن؛ كما في قوله تعالى : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ التوبة: 32- 33

Publié dans coran

Commenter cet article