الإعجاز في القرآن : الإعجاز التشريعي

Publié le par connaitre islam

 



عرفت البشرية في عصور التاريخ المختلفة ألوانًا مختلفة من المذاهب والنظريات، والنُّظُم والتشريعات التي تستَهدِف سعادة الفرد والجماعة، ولكن واحدة منها لم يبلغ من الروعة والإتقان والإجلال مَبْلَغ القرآن في تشرِيعاته ونظمه، بل ولا داناه ولا قارَبَه.

لقد جاء القرآن ليَبنِي عقيدةً في القلوب تُؤَثِّر على سلوك الإنسان ووجدانه ومشاعره، وترسم في حَنايَا نفسه مَسارِب للتربية الإيمانية العَمِيقة التي تقوم على عقيدة التوحيد.

فأساس التشريع الإسلامي هو في تلك العقيدة التي يُرَبِّي عليها القرآن أبناء الإسلام فتُتَرجَم إلى سلوك عملي، عقيدة تقوم على أن الله تعالى خالِق الكون ومُنشِئه والمُهَيْمِن على كلِّ كبير وصغير فيه.

والعالم الذي يَحْيَا فيه الفرد المسلم هو جزءٌ من هذا الكون الكبير يجب أن يَسِير على وَفْقِ المنهج الذي ارتَضَاه له خالقه، ومن أسس عقيدة التوحيد ما جاء في القرآن مثل:

قوله تعالى : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ الإخلاص: 1- 4. وقوله تعالى : ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ الحديد: 3. وقوله تعالى : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾ يونس: 3. وقوله تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ الشورى: 11. وقوله تعالى : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ الأنعام: 103. وقوله تعالى : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ القصص: 88

هذه الحقائق عندما تَعِيش في وجدان المسلم ويَتربَّى عليها، يكون انقِيادُه لشريعة الله المنزلة في كتاب الله انقِيادًا تامًّا مُستَولِيًا على كلِّ شخصيَّته، ويعدُّ نفسه متعبدًا إلى الله تعالى خالقه بكلِّ تكليف وكلِّ أمر وكلِّ نهي يَرِدُ في القرآن أو في سنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقف منه الموقف المذعن للأمر بالائتِمار وللنهي بالانتهاء.

وهكذا إذا صحَّت العقيدة كان الأخْذ بالتشريع القرآني على مستوى صحَّة العقيدة، فتصبح كلُّ عبادة مفروضة من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها من ضروب العبادة مظهرًا من مظاهر الصلاح الذي يَنعَكِس أثره على المجتمع في مجموعِه والدولة في نظامها.

فالصلاة تربية روحية يتعلَّم الفرد من خلالها نظام الجماعة؛ فهو يُؤَدِّيها في جماعة خمس مرَّات في اليوم والليلة فيتعلَّم النظام ويتعلَّم الإيجابية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهو في اتِّجاهه إلى قبلة واحدة يتفكَّر في تلك القبلة التي يُصَلِّي إليها المسلمون جميعًا في مَشارِق الأرض ومَغارِبها؛ فيشعر بالوحدة الإسلامية والآصِرَة الإيمانية تملأُ أرجاء نفسه وتُسَيطر على كيانه ومشاعره.

والزكاة تَقتَلِع من النفس جذور الشرِّ وعبادة المال والحرص على الدنيا، وهي في صالح الجماعة؛ فهي تُقِيم دعائم التعاون بين أفراد المجتمع وتشعر النفس بتكامُلها مع الآخَرين.

والصوم ضبْط للنفس وشحْذ لعزائمها، وحبْس للشهوة وتقوِيَة للإرادة، وهو مَظْهَرٌ اجتماعي يجمع المسلمين شهرًا كاملاً على نظام واحد في الطعام والشراب فتَقْوَى الأواصِر وتتوحَّد الهِمَم والمشاعر.

والحجُّ سياحة روحية، وتجوال في أماكن مهبط الوحي الأولى، وبها ينخلع المسلم من أهله ووطنه وجَواذِب الأرض والطين لينضمَّ إلى قافلة المُقبِلين على الله.

ومن تربية القرآن للفرد ينتقل إلى بناء الأسرة على دعائم صالحة من الودِّ والرحمة كما قال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الروم: 21

وتقوم المعاشرة داخل الأسرة المسلمة على المعروف وللرجل القوامة التي تعني: القيام بالرعاية واستشعار المسؤولية.

ثم يأتي نظام الحكم الذي يقوم في المجتمع المسلم، فهو كما أرادَه الله - تعالى - وبيَّنَه في القرآن نظام يقوم على الشورى المُلزِمة، فلا استبداد برأيٍ ولا تعطيل لقُوَى المجتمع الحيَّة في تنمية المجتمع وترقِيَته؛ قال تعالى : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ الشورى: 38

هي إذًا حكومة الشورى والمساواة، والعدل والحرية، وتحكيم الشريعة في الصغير والكبير من أمور الدولة؛ كما قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ النساء: 135

وكما قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ النساء: 58

والتشريع الإسلامي جاء تشريعًا قائمًا على أصول صالحة عامَّة؛ فهو تشريع مَرِن يصلح لحاجَة الجماعة البشرية في كلِّ عصر، وهو تشريع مُتوازِن مُتكامِل يجمع بين حاجات الرُّوح ومَطالِب البدن.

ولقد جاء القرآن بأصول التشريعات المختلفة؛ من تشريعات اجتماعية واقتصادية، وسياسية ودستورية، ودولية وجنائية، في أسلوب سهل بديع يُهَيِّئ الملكة العلمية للاجتهاد والتطوير المُنضَبِط بالثوابت والقطعِيَّات، وبما يَتلاءَم مع ظروف العصر وحاجات كلِّ جماعة من الجماعات البشرية.

ومن سِمَات التشريع القرآني المعجز:

أولاً: الربانيَّة:

أوَّل ما تمتاز به شريعة القرآن عن قوانين البشر جميعًا أنها شريعة ربَّانيَّة المصدر ربانِيَّة الوجهة.

فربَّانِيَّة المصدر تَتمثَّل في أنها ليست من وضْع البشر الذين يستولي على عملهم دائمًا النقْص والقصور والعجْز عن بلوغ الكمال، فضلاً عن مُؤَثِّرات الزمان والمكان والحال والهوى والعاطفة.

وربَّانيَّة الوجهة تَتَمثَّل في أن هدف الشريعة القرآنية الأوَّل هو ربط الناس بربهم حتى يعرفوه ويُوَحِّدوه ويتَّقوه حقَّ تقواه ويعبُدوه حقَّ عبادته.

وليس هذا خاصًّا بالعبادات الفردية فقط، وإنما يشمل سائر أحكام الشريعة في مجالاتها المختلفة: الاجتماعية، والمدنية، والدستورية، والدولية، والجنائية، وغيرها.

ثانيًا: العالمية أو الإنسانية:

حيث إنَّ شريعة الإسلام ليست شريعة قوْم مخصوصين، فهي ليست شريعةً للعرب دون غيرهم، وليست لشعب من الشعوب دون باقي الشعوب الأخرى، بل هي شريعة عالمية إنسانية نزلت لتُطَبَّق في كلِّ زمان ومكان، فليست للبِيض دون السُّود، ولا للسود دون البيض، وإنما هي للإنسان من حيث هو إنسان يعيش في أيِّ مجتمع إنساني أيًّا كان هذا المجتمع.

ثالثًا: العدل المطلق:

فهدف الشريعة القرآنية إقامة العدل المطلق، وهو قاعدة أصيلة من قواعد الشريعة في مجالها السياسي والاقتصادي، والاجتماعي والجنائي والدولي.

رابعًا: الموازنة بين حاجات الفرد وحاجات المجتمع:

فالفرد في شريعة القرآن له حقوق وعليه واجبات تُكافِئ هذه الحقوق، والمجتمع كذلك له حقوقه وعليه واجباته تجاه الفرد، والاثنان معا - الفرد والمجتمع - يحملان معًا عبْء القيام بالواجبات التي يفرِضها القرآن.

خامسًا: الشُّمول:

فالتشريع القرآني ليس تشريعًا قانونيًّا فقط يُنَظِّم سلوك الأفراد وعلاقاتهم في المجتمع مع بعضهم البعض، ولكنَّه قبل ذلك يُنَظِّم حياة الفرد الخاصَّة، وهو حين يَتناوَل التشريع لحياة الفرد يَتناوَل جوانب هذه الحياة جميعًا في تَناسُب واتِّساق ووحدة، لا يلغي النَّوازِع الفردِيَّة؛ بل يَنظمها ويُوَجِّهها لتَعُود بالنفع على الفرد والمجتمع.

كما أنه ليس تشريعًا لجانب واحد من الحياة القانونية، بل هو تشريع لهذه الجوانب جميعها تتعمَّق فيه الروابط وتتوحَّد، وتتكامَل الاتِّجاهات والروافد.

سادسًا: الجمع بين الثَّبَات والمرُونة:

فالثَّبَات في الأصول والأهداف، والمرونة في الفروع والوسائل والتفاصيل، ومن هنا فإن للاجتهاد البشري في التشريع الإسلامي مجالاً كبيرًا للعمل.

فمجال الاجتِهاد هو منطقة الظنيَّات، أمَّا منطقة القطعيَّات فهي منطقة الأصول والأهداف، وهذه لا مجال للاجتِهاد فيها، وبهذا يجمع التشريع القرآني بين الثَّبَات والمرُونة في آنٍ واحد.

وهكذا، فإن هذه الخصائص التي تَتَميَّز بها شريعة الإسلام تُؤَكِّد الإعجازَ التشريعيَّ للقرآن الكريم الذي ستَظَلُّ شريعته شريعة الخلود والبقاء دليلاً على أن هذا القرآن من عند خالق الأرض والسماء.

 

Publié dans coran

Commenter cet article