الحكم التّكليفي للتّعويذ

Publié le par connaitre islam

يختلف حكم التّعاويذ باختلاف ما تتّخذ منه التّعاويذ‏.‏ وتنقسم إلى ثلاثة أقسام‏:‏

القسم الأوّل‏:‏

ما لا يعقل معناه‏:‏

ومنه ما كان يرقى به في الجاهليّة‏.‏ فذهب جمهور الفقهاء إلى‏:‏ أنّه يجب اجتنابه بلا خلاف‏.‏ لما صحّ «عن ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ أنّه دخل على امرأته، وفي عنقها شيء تتعوّذ به، فجبذه، فقطعه، ثمّ قال‏:‏ لقد أصبح آل عبد اللّه أغنياء عن أن يشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطاناً‏.‏ ثمّ قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك، قالوا‏:‏ يا أبا عبد الرّحمن هذه الرّقى والتّمائم قد عرفناها، فما التّولة، قال‏:‏ شيء يصنعه النّساء يتحبّبن إلى أزواجهنّ»‏.‏ فيتعيّن حمل الوعيد على ما كانوا يفعلونه من تعليق خرزة يسمّونها تميمة أو نحوها، يرون أنّها تدفع عنهم الآفات‏.‏ ولا شكّ أنّ اعتماد هذا جهل وضلال، وأنّه من أكبر الكبائر، لأنّه إن لم يكن شركا فهو يؤدّي إليه، إذ لا ينفع ولا يضرّ ولا يمنع ولا يدفع إلا اللّه تعالى وكذلك الرّقى والتّعاويذ محمولة أيضا على ذلك، أو على ما إذا كانت بغير لسان العرب ولا يدرى ما هي، ولعلّه يدخلها سحر أو كفر أو غير ذلك ممّا لا يعرف معناه، فإنّها حينئذ حرام، صرّح به الخطّابيّ والبيهقيّ وابن رشد والعزّ بن عبد السّلام وجماعة من أئمّة الشّافعيّة وغيرهم، وقال في الشّرح الصّغير‏:‏ لا يرقى بالأسماء الّتي لم يعرف معناها، قال مالك‏:‏ ما يدريك لعلّها كفر‏؟‏‏.‏ واختلف العلماء في حكم النّفث وغيره عند الرّقى والتّعاويذ، فمنعه قوم، وأجازه آخرون‏.‏ قال النّوويّ‏:‏ وقد أجمعوا على جوازه، واستحبّه الجمهور من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم، واستدلّوا بما روته عائشة رضي الله عنها‏:‏ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينفث في الرّقية» ولفظه‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات، فلمّا مرض مرضه الّذي مات فيه، جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنّها أعظم بركة من يدي»

وأيضاً بما روي «عن محمّد بن حاطب رضي الله عنه أنّ يده احترقت، فأتت به أمّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فجعل ينفث عليها، ويتكلّم بكلام زعم أنّه لم يحفظه»‏.‏ وقال محمّد بن الأشعث‏:‏ ذهب بي إلى عائشة رضي الله عنها وفي عينيّ سوء فَرَقَتْني ونفثت‏.‏

واستدلّ الآخرون‏:‏ وهم إبراهيم وعكرمة، والحكم بما قال بعضهم‏:‏ دخلت على الضّحّاك وهو وجع، فقلت‏:‏ ألا أعوذك يا أبا محمّد‏؟‏ قال‏:‏ بلى، ولكن لا تنفث،فعوّذته بالمعوّذتين‏.‏ وبما قال ابن جريج لعطاء‏:‏ القرآن ينفخ أو ينفث‏.‏ قال‏:‏ لا شيء من ذلك‏.‏

وأمّا حكم النّشرة، فقد ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والمالكيّة عدا ابن عبد السّلام والشّافعيّة والحنابلة، إلى أنّه جائز وهو قول سعيد بن المسيّب، وعائشة رضي الله عنها، وأبي عبد اللّه والطّبريّ وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ بالمعوّذتين في إناء، ثمّ تأمر أن يصبّ على المريض‏.‏

وذهب ابن عبد السّلام من المالكيّة إلى أنّه حرام، ومنعها أيضاً الحسن، وإبراهيم النّخعيّ، وابن الجوزيّ‏.‏ وكذلك مجاهد لم ير أن تكتب آيات القرآن، ثمّ تغسل، ثمّ يسقاه صاحب الفزع‏.‏ وقال النّخعيّ‏:‏ أخاف أن يصيبه بلاء‏.‏ لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ النّشرة من عمل الشّيطان»‏.‏ وقيل‏:‏ المنع محمول على ما إذا كانت خارجة عمّا في كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعن المداواة المعروفة‏.‏ والنّشرة من جنس الطّبّ، فهي غسالة شيء له فضل كوضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأمّا الرّتيمة فيختلف حكمها باختلاف معانيها‏:‏

فحكم الرّتيمة - بمعنى‏:‏ أنّها خيط يربط بأصبع أو خاتم لتستذكر به الحاجة - فقد ذكر ابن عابدين أنّها لا تكره، لأنّها تفعل لحاجة فليس بعبث، لما فيه من الغرض الصّحيح، وهو التّذكّر عند النّسيان‏.‏ «وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بعض أصحابه بذلك»، وفي المنح‏:‏ أنّه مكروه، لأنّه محض عبث‏.‏

وعلى هذا الخلاف‏:‏ الدّملج، وهو ما يصنعه بعض الرّجال في العضد وأمّا حكم الرّتيمة - بمعنى أنّها خيط كان يربط في العنق أو في اليد في الجاهليّة لدفع الضّرر بزعمهم - فهو منهيّ عنه، لأنّه من جنس التّمائم المحرّمة، وذكر في حدود الإيمان أنّه كفر

القسم الثّاني‏:‏

ما كان تعويذاً بكلام اللّه تعالى أو بأسمائه فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الاسترقاء بذلك جائز،وقال السّيوطيّ‏:‏ إنّ الجواز مقيّد باجتماع ثلاثة شروط عند جميع العلماء وهي‏:‏

أ - أن يكون بكلام اللّه أو بأسمائه وصفاته‏.‏

ب - أن يكون باللّسان العربيّ وبما يعرف معناه‏.‏

ج - يعتقد أنّ التّعويذ والرّقية لا تؤثّر بذاتها، بل بتقدير اللّه تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ إن كان مأثوراً فيستحبّ‏.‏ وذكر الخطّابيّ‏:‏ أنّه إذا كان مفهوم المعنى، وكان فيه ذكر اللّه، فإنّه يستحبّ‏.‏ وأنّ الرّقية الّتي أمر بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هو ما يكون بقوارع القرآن وبما فيه ذكر اللّه تعالى‏.‏ وما نهي عنه هو رقية العزّامين، ومن يدّعي تسخير الجنّ‏.‏

وبالجواز قال أيضاً الحسن البصريّ، وإبراهيم النّخعيّ، والزّهريّ والثّوريّ وآخرون‏.‏

واحتجّ المجوّزون بأحاديث كثيرة منها‏:‏

- ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أنّه كان يعوّذ نفسه»‏.‏

- وروت عائشة رضي الله عنها‏:‏ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول‏:‏ اللّهمّ ربّ النّاس أذهب البأس، واشف وأنت الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً»‏.‏

- وروى جابر رضي الله عنه قال‏:‏ «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرّقى، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه إنّها كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنّك نهيت عن الرّقى، قال‏:‏ فعرضوها عليه، فقال‏:‏ ما أرى بها بأساً، فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»‏.‏

وقال الشّعبيّ وسعيد بن جبير وقتادة وجماعة آخرون‏:‏ تكره الرّقى، والواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما باللّه تعالى، وتوكّلا عليه، وثقة به وانقطاعا إليه‏.‏ واحتجّوا بحديث «رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأنّه ذكر أهل الجنّة الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب، ولمّا سئل ما صفتهم قال‏:‏ هم الّذين لا يتطيّرون ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربّهم يتوكّلون»‏.‏

القسم الثّالث‏:‏

ما كان بأسماء غير اللّه من ملك مقرّب أو من معظّم من المخلوقات كالعرش‏.‏ فصرّح الشّوكانيّ‏:‏ بأنّه يكره من الرّقى ما لم يكن بذكر اللّه وأسمائه خاصّة، ليكون بريئاً من شوب الشّرك قال‏:‏ وعلى كراهة الرّقى بغير القرآن علماء الأمّة‏.‏ وقال القرطبيّ‏:‏ هذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الّذي يتضمّن الالتجاء إلى اللّه والتّبرّك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمّن تعظيم المرقيّ به، فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير اللّه‏.‏

Publié dans jurisprudence

Commenter cet article