وبشر الصابرين

Publié le par connaitre islam

 

 

أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي

تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا وللمقادير أسباب وأبواب

ما اشتد عسر ولا انسدت مذاهبه إلا تفتح من ميسوره باب

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي

ألا رب عسر قد أتى اليسر بعده وغمرة كرب فرجت لكظيم

هو الدهر يومان يوم بؤس وشدة ويوم سرور للفتى ونعيم

أنبأنا أَبُو عوانة يعقوب بْن إِبْرَاهِيم ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الوهاب النيسابوري ، حَدَّثَنَا بشر بْن عَبْد الحكم ، عَن علي بْن عثام ، قَالَ : رئي إِبْرَاهِيم بْن أدهم متنفط الرجلين ، رافعهما على ميل ، وهو يقول : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم

وأنشدنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري ، قَالَ : أنشدنا الغلابي

إني رأيت الخير في الصبر مسرعا وحسبك من صبر تحوز به أجرا

عليك بتقوى اللَّه في كل حالة فإنك إن تفعل تصيب به ذخرا


أنبأنا القطان بالرقة ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الحواري ، حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عمير ، عَن عطاء الأزرق ، عَن عَبْد الواحد بْن زيد ، قَالَ : قلت للحسن : يا أبا سَعِيد ، من أين أتي هذا الخلق ؟ قَالَ : من قلة الرضا عَن اللَّه. قلت : ومن أين أتوا من قلة الرضا عَن اللَّه ؟ قَالَ : من قلة المعرفة بالله

فعلى ضوء هذه الحكمة، ينبغي أن ندرك أن كثيرا مما يصيبنا راجع لقلة معرفتنا بالله

ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز ، حَدَّثَنَا طاهر بْن الفضل بْن سَعِيد ، حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عيينة ، قَالَ : سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم ، قَالَ : أوحى اللَّه إلى داود : يا داود اصبر على المؤونة ، تأتك مني المعونة

وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري

فما شدة يوما وإن جل خطبها بنازلة إلا سيتبعها يسر

وإن عسرت يوما على المرء حاجة وضاقت عَلَيْهِ كان مفتاحها الصبر

وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول

فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمى وبؤسي والحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للذي ليس يجمل

ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل مَا لا تستطيع فتحمل


وأنشدني عَبْد اللَّه بْن الأحوص بْن عمار القاضي

صبرا جميلا على مَا ناب من حدث والصبر ينفع أقواما إذا صبروا

الصبر أفضل شيء تستعين به على الزمان إذا مَا مسك الضرر

وأنشدني إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن سهل قَالَ أنشدني : أَبُو يعلى الموصلي

إني رأيت وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقل من جد في شيء يحاوله فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري ، حَدَّثَنَا الغلابي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي ، قَالَ : سمعت مضر أبا سَعِيد ، يقول : قَالَ عَبْد الواحد بْن زيد : مَا أحببت أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا ، ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا ، وهو رأس المحبة

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه : يجب على العاقل إذا كان مبتدئا ، أن يلزم عند ورود الشدة عَلَيْهِ سلوك الصبر ، فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا ، فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر ، لأنه أول مراتب الرضا ، ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريما ، إذ هو بذر الخير ، وأساس الطاعات

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه : الصبر جماع الأمر ، ونظام الحزم ، ودعامة العقل ، وبذر الخير ، وحيلة من لا حيلة له. وأول درجته الاهتمام ، ثم التيقظ ، ثم التثبت ، ثم التصبر ، ثم الصبر ، ثم الرضا ، وهو النهاية في الحالات.

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه : الصبر على ضروب ثلاثة : فالصبر عَن المعاصي ، والصبر على الطاعات ، والصبر عند الشدائد والمصيبات. فأفضلها الصبر عَن المعاصي. فالعاقل يدبر أحواله بالتثبت عند الأحوال الثلاثة التي ذكرناها ، بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل ، حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عَن اللَّه جل وعلا في حال العسر واليسر معا ، نسأل اللَّه الوصول إلى تلك الدرجة بمنه

ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي ، حَدَّثَنَا شعيب بْن عَبْد اللَّه البزار ، حَدَّثَنَا غيلان ، عَن معبد ، عَن أَبِي المليح ، عَن ميمون بْن مهران ، قَالَ : مَا نال عَبْد شيئا من جسيم الخير ، من نبي أو غيره ، إلا بالصبر

ولقد أنشدني عَبْد اللَّه بْن الأحوص

تعز بحسن الصبر عَن كل هالك ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم

إذا أنت لم تسل اصطبارا وحسبة سلوت على الأيام مثل البهائم

وليس يذود النفس عَن شهواتها من الناس إلا كل ماضي العزائم


حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري ، حَدَّثَنَا ابن عائشة ، قَالَ : " كتب بعض الحكماء إلى أخ له يعزيه عَن ابن له يقال له مُحَمَّد الكامل : اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد وإذا ذكرت محمدا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي مُحَمَّد

وأنشدني المنتصر بْن بلال

من سبق السلوة بالصبر فاز بفضل الحمد والأجر

يا عجبي من هلع جازع يصبح بين الذم والوزر

مصيبة الإنسان في دينه أعظم من جائحة الدهر

 

وانظر معي إلى هذا الموقف الشامخ للإمام أحمد من جلاديه

سمعت إِسْحَاق بْن أَحْمَد القطان البغدادي بتستر ، يقول : كان لنا جار ببغداد ، كنا نسميه طبيب القراء ، كان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم ، فقال لي : دخلت يوما على أَحْمَد بْن حنبل ، فإذا هو مغموم مكروب ، فقلت : مَا لك يا أبا عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : خير.
قلت : وما الخير ؟ قَالَ : امتحنت بتلك المحنة ، حتى ضربت ، ثم عالجوني وبرأت ، إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني ، هو أشد علي من ذلك الضرب.
قَالَ : قلت : اكشف لي عَن صلبك.
قَالَ : فكشف لي ، فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقط ، فقلت : ليس لي بذي معرفة ، ولكن سأستخبر عَن هذا.
قَالَ : فخرجت من عنده ، حتى أتيت صاحب الحبس ، وكان بيني وبينه فضل معرفة ، فقلت له : أدخل الحبس في حاجة ؟ قَالَ : ادخل ، فدخلت وجمعت فتيانهم ، وكان معي دريهمات فرقتها عليهم ، وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي ، ثم قلت : من منكم ضرب أكثر.
قَالَ : فأخذوا يتفاخرون ، حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضربا ، وأشدهم صبرا ، قَالَ : فقلت له : أسألك عَن شيء ؟ فقال : هات.
فقلت : شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم ، ضرب على الجوع للقتل سياطا يسيرة ، إلا أنه لم يمت ، وعالجوه وبرأ ، إلا أن موضعا في صلبه يوجعه وجعا ليس له عَلَيْهِ صبر.
قَالَ : فضحك ، فقلت : مَا لك ؟ قَالَ : الذي عالجه كان حائكا.
قلت : أيش الخبر ؟ قَالَ : ترك في صلبه قطعة لحم ميتة لم يقلعها.
قلت : فما الحيلة ؟ قَالَ : يبط صلبه ، وتؤخذ تلك القطعة ، ويرمى بها ، وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته.
قَالَ : فخرجت من الحبس ، فدخلت على أَحْمَد بْن حنبل ، فوجدته على حالته ، فقصصت عَلَيْهِ القصة ، قَالَ : ومن يبطه لي ؟ قلت : أنا.
قَالَ : أو تفعل ؟ قلت : نعم.
قَالَ : فقام ، فدخل البيت ، ثم خرج وبيده مخدتان ، وعلى كتفه فوطة ، فدفع إحداهما إلي ، والأخرى لنفسه ، ثم قعد عليها ، وقال : استخر اللَّه ، فكشفت الفوطة عَن صلبه ، وقلت : أين موضع الوجع ؟ فقال : ضع إصبعك عَلَيْهِ ، فإني أخبرك به ، فوضعت إصبعي ، وقلت : هاهنا موضع الوجع ؟ قَالَ : ههنا أَحْمَد اللَّه على العافية ، فقلت : ههنا ؟ قَالَ : هاهنا أَحْمَد اللَّه على العافية.
فقلت : هاهنا ؟ قَالَ : هاهنا أسأل اللَّه العافية.
قَالَ : فعلمت أنه موضع الوجع ، قَالَ : فوضعت المبضع عَلَيْهِ ، فلما أحس بحرارة المبضع ، وضع يده على رأسه ، وجعل يقول : اللهم اغفر للمعتصم ، حتى بططته ، فأخذت القطعة الميتة ، ورميت بها ، وشددت العصابة عَلَيْهِ ، وهو لا يزيد على قوله : اللهم اغفر للمعتصم.
قَالَ : ثم هدأ وسكن ، ثم قَالَ : كأني كنت معلقا فأصدرت.
قلت : يا أبا عَبْد اللَّه ، إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم ، ورأيتك تدعو للمعتصم ؟ قَالَ : إني أفكرت فيما تقول ، وهو ابن عم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم ، فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة ، هو مني في حل.

المصدر : كتاب روضة العقلاء ونزهة الفضلاء للإمام الحافظ أَبِي حاتم مُحَمَّد بْن حبان

 

 

Publié dans éducation

Commenter cet article