إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش

Publié le par connaitre islam

 

( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ( 54 ) ).

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن سيدكم ومصلح أموركم، أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء " الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام"، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، كما : حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد قال : بدء الخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وجمع الخلق في يوم الجمعة، وتهودت اليهود يوم السبت. ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون.

 

واختلفوا في هذه الأيام : هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان ؟ أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد، والإمام أحمد بن حنبل،ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس ؟

وقال الدكتور زغلول النجار : هي ست مراحل‏، أو وقائع‏، أو أطوار‏، أو أحداث كونية متتابعة‏، لا يعرف مداها إلا الله تعالى، وأنها لا يمكن أن تكون من أيام الأرض‏، لأن الأرض لم تكن قد خلقت بعد‏، ولذلك لم توصف أيام خلق السماوات والأرض بالوصف القرآني مما تعدون الذي جاء في آيات أخرى عديدة بمعنى اليوم الأرضي‏.‏

وقال محمد الطاهر ابن عاشور : وقيل المراد : في ستة أوقات، فإن اليوم يطلق على الوقت كما في قوله تعالى : ومن يولهم يومئذ دبره. أي حين إذ يلقاهم زحفا، ومقصود هذا القائل أن السماوات والأرض خلقت عالما بعد عالم ولم يشترك جميعها في أوقات تكوينها، وأيا ما كان فالأيام مراد بها مقادير لا الأيام التي واحدها يوم الذي هو من طلوع الشمس إلى غروبها إذ لم تكن شمس في بعض تلك المدة، والتعمق في البحث في هذا خروج عن غرض القرآن.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال : حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج،أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ". فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه، عن حجاج - وهو ابن محمد الأعور - عن ابن جريج به.

تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة،عن كعب الأحبار، ليس مرفوعا، والله أعلم. وذهبت طائفة إلى صحة هذا الحديث، وأنه لا تعارض بينه وبين القرآن، فالقرآن أخبر أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهذا الحديث تعرض لذكر خلق ما على الأرض من تراب وجبال وغير ذلك، فهذه الأيام السبعة ليست هي الأيام الستة المذكورة في القرآن.

الدرر السنية : انظر بعض أقوال أهل العلم في هذا الحديث

راجع موضوع : لا تعارض بين خلق السموات والأرض في ستة أيام وحديث التربة

وأما قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح : مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد،والشافعي، وأحمد بن حنبل،وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. حكى عياض في المدارك عن سفيان بن عيينة أنه قال : سأل رجل مالكا فقال : الرحمان على العرش استوى. كيف استوى يا أبا عبد الله؛ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء ثم سري عنه، فقال : الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالا واشتهر هذا عن مالك في روايات كثيرة، وفي بعضها أنه قال لمن سأله : وأظنك رجل سوء أخرجوه عني وأنه قال : والسؤال عنه بدعة.

والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11 ] بل الأمر كما قال الأئمة - منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري - : " من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر " وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى.

وقوله تعالى : ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) أي : يذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، أي : سريعا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا، كما قال تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 37 - 40 ] فقوله : ( ولا الليل سابق النهار ) أي : لا يفوته بوقت يتأخر عنه، بل هو في أثره لا واسطة بينهما ؛ولهذا قال : ( يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) - منهم من نصب، ومنهم من رفع، وكلاهما قريب المعنى، أي : الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته.

والتسخير حقيقته تذليل ذي عمل شاق أو شاغل بقهر وتخويف أو بتعليم وسياسة بدون عوض، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرواحل، ومنه تسخير البقر للحلب، والغنم للجز. ويستعمل مجازا في تصريف الشيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلة أو إلهام تصريفا يصيره من خصائصه وشؤونه، كتسخير الفلك للمخر في البحر بالريح أو بالجذف، وتسخير السحاب للأمطار، وتسخير النهار للعمل، والليل للسكون...

ولهذا قال منبها : ( ألا له الخلق والأمر ) الخلق : إيجاد الموجودات، والأمر تسخيرها للعمل الذي خلقت لأجله.

( تبارك الله رب العالمين ) كما قال تعالى ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) [ الفرقان : 61 ]. تبارك أي ظهرت بركته. والبركة : شدة الخير. فبركة الله الموصوف بها هي مجده ونزاهته وقدسه، وذلك جامع صفات الكمال، ومن ذلك أن له الخلق والأمر. 

 

تفسير الطبري

تفسير ابن كثير

التحرير والتنوير

من أسرار القرآن : زغلول النجار


Publié dans coran

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article