سورة المسد 2/2

Publié le par connaitre islam

 

قوله تعالى : وامرأته حمالة الحطب.

وامرأته أم جميل. وقال ابن العربي : العوراء أم قبيح، وكانت عوراء.

حمالة الحطب

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : كانت تمشي بالنميمة بين الناس ؛ تقول العرب : فلان يحطب على فلان : إذا وشا عليه. قال الشاعر :

إن بني الأدرم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضا وفي الغضب عليهم اللعنة تترى والحرب

وقال آخر :

من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب

يعني : لم تمش بالنمائم، وجعل الحطب رطبا ليدل على التدخين، الذي هو زيادة في الشر. وقال أكثم بن صيفي لبنيه : إياكم والنميمة فإنها نار محرقة، وإن النمام ليعمل في ساعة ما لا يعمل الساحر في شهر. أخذه بعض الشعراء فقال :

إن النميمة نار ويك محرقة فقر عنها وجانب من تعاطاها

.ولذلك قيل : نار الحقد لا تخبو. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخل الجنة نمام. رواه مسلم وقال : لا ينبغي لذي الوجهَينِ أن يكون أمينًا. قال الألباني : إسناده صحيح رجاله ثقات. المصدر: السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم : 3197. وقال عليه الصلاة والسلام : إنَّ شرَّ الناسِ ذو الوجهَينِ الذي يأتي هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاءِ بوجهٍ. متفق عليه. وقال كعب الأحبار : أصاب بني إسرائيل قحط، فخرج بهم موسى عليه السلام ثلاث مرات فلم يسقوا. فقال موسى : "إلهي عبادك" فأوحى الله إليه : "إني لا أستجيب لك ولا لمن معك لأن فيهم رجلا نماما، قد أصر على النميمة". فقال موسى : "يا رب من هو حتى نخرجه من بيننا" ؟ فقال : "يا موسى أنهاك عن النميمة وأكون نماما" قال : فتابوا بأجمعهم، فسقوا.

والنميمة من الكبائر لا خلاف في ذلك ؛ حتى قال الفضيل بن عياض : ثلاث تهد العمل الصالح ويفطرن الصائم وينقضن الوضوء : الغيبة والنميمة والكذب.

 

وقال قتادة وغيره : كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر. ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها ؛ لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. وقال ابن زيد والضحاك : كانت تحمل العضاه والشوك فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ وقاله ابن عباس. قال الربيع : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير. وقال مرة الهمداني : كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة من الحسك، فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت، فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها.

 

وقال سعيد بن جبير : حمالة الخطايا والذنوب ؛ من قولهم : فلان يحتطب على ظهره. دليله قوله تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.

 

قوله تعالى : في جيدها حبل من مسد. في جيدها أي عنقها.

حبل من مسد أي من ليف ؛ وقد يكون من جلود الإبل، أو من أوبارها. قال الحسن : هي حبال من شجر تنبت باليمن تسمى المسد، وكانت تفتل. والمسد : الفتل. يقال : مسد حبله يمسده مسدا ؛ أي أجاد فتله.

وجمع الجيد أجياد ، والمسد أمساد.

قال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا ؛ فكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف، فخنقها الله جل وعز به فأهلكها ؛ وهو في الآخرة حبل من نار. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : في جيدها حبل من مسد قال : سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وقاله مجاهد وعروة بن الزبير : تدخل من فيها، وتخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها. وقال سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت : واللات والعزى لأنفقتها في عداوة محمد. ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة .

وقيل : إن ذلك إشارة إلى الخذلان ؛ يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء، كالمربوط في جيده بحبل من مسد. ودابة ممسودة الخلق : إذا كانت شديدة الأسر.

 

قال العلماء : وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى : سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرا ولا باطنا، لا مسرا ولا معلنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.

 

نهاية أبي لهب وامرأته :

امرأته خنقها الله بحبلها. وأبو لهب رماه الله بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال، بعد أن شجته أم الفضل. وذلك أنه لما قدم الحيسمان مكة يخبر خبر بدر ؛ قال له أبو لهب : أخبرني خبر الناس. قال : نعم، والله ما هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يضعون السلاح منا حيث شاءوا، ومع ذلك ما لمست الناس. لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، لا والله ما تبقي منا ؛ يقول : ما تبقي شيئا. قال أبو رافع : وكنت غلاما للعباس أنحت الأقداح في صفة زمزم، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سَرَّنَا ما جاءنا من الخبر، فرفعت طنب الحجرة، فقلت : تلك والله الملائكة. قال : فرفع أبو لهب يده، فضرب وجهي ضربة منكرة، وثاورته، وكنت رجلا ضعيفا، فاحتملني فضرب بي الأرض وبرك على صدري يضربني. وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فتأخذه وتقول : استضعفته أن غاب عنه سيده! وتضربه بالعمود على رأسه فتفلقه شجة منكرة. فقام يجر رجليه ذليلا، ورماه الله بالعدسة، فمات. وأقام ثلاثة أيام لا يدفن حتى أنتن ؛ ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفا من بعيد مخافة عدوى العدسة. وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون. ثم احتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه الحجارة.

Publié dans coran

Commenter cet article