ذكر اللّه

Publié le par connaitre islam

 

فصل: الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضلُ منه ما كانَ بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصرَ على أحدهما فالقلبُ أفضل، ثم لا ينبغي أن يُتركَ الذكرُ باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظنَّ به الرياء، بل يذكرُ بهما جميعاً ويُقصدُ به وجهُ اللّه تعالى، وقد قدّمنا عن الفُضَيل رحمه اللّه: أن ترك العمل لأجل الناس رياء. ولو فتح الإنسانُ عليه بابَ ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرّق ظنونهم الباطلة لا نسدَّ عليه أكثرُ أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمَّات الدين، وليس هذا طريق العارفين

وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: نزلت هذه الآية {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها} الإسراء:110 في الدعاء

 

فصل : اعلم أن فضيلة الذكر غيرُ منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُّ عاملٍ للّه تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ للّه تعالى، كذا قاله سعيدُ بن جُبير رضي اللّه عنه وغيره من العلماء. وقال عطاء رحمه اللّه: مجالسُ الذِّكر هي مجالسُ الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ وتصلّي وتصومُ وتنكحُ وتطلّق وتحجّ، وأشباه هذا

 

فصل : قال اللّه تعالى: {إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ} إلى قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللّه كَثيراً وَالذَّاكِرَاتِ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مغْفِرَةً وأجْراً عَظِيماً} الأحزاب:35

 

وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : سَبَقَ المُفرِّدونَ، قالُوا: ومَا المُفَرِّدونَ يا رَسُولَ اللّه؟! قالَ: الذَّاكِرُونَ اللّه كَثِيراً وَالذَّاكرَاتُ

قلت: روي المفرِّدون بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد

 

واعلم أن هذه الآية الكريمة : {والذاكرين اللّه كثيراً والذاكرات، أعدّ اللّه لهم مغفرة وأجراً عظيماً} الأحزاب:35  مما ينبغي أن يهتمَّ بمعرفتها صاحبُ هذا الكتاب

 

وقد اختُلِفَ في ذلك، فقال الإِمامُ أبو الحسن الواحديّ: قال ابن عباس: المراد يذكرون اللّه في أدبار الصلوات، وغدوّاً وعشيّاً، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكرَ اللّه تعالى. وقال مجاهد: لا يكونُ من الذاكرين اللّه كثيراً والذاكرات حتى يذكر اللّه قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وقال عطاء: من صلَّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخلٌ في قول اللّه تعالى: {والذَّاكِرِينَ اللّه كَثيراً وَالذَّاكِرَاتِ} هذا نقل الواحدي

 

وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا ـ أَوْ صَلَّى ـ رَكعَتينِ جَمِيعاً كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ اللّه كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ" هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم

 

وسئل الشيخ الإمام أبو عمر بن الصَّلاح رحمه اللّه عن القدر الذي يصيرُ به من الذاكرينَ اللّه كثيراً والذاكرات، فقال: إذا واظبَ على الأذكار المأثورة كان من الذاكرين اللّه كثيراً والذاكرات واللّه أعلم

المأثورة : ما أُثِرَ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، ويقدّم عند التعارض الأصحّ إسناداً

 

الأذكار للإمام العلامة محيي الدين بن شرف النووي الدمشقي

Publié dans invocations

Commenter cet article