هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها 6

Publié le par connaitre islam

 

هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها 6

الثانية والثلاثون:‏ أنه يكره إفرادُ يوم الجمعة بالصوم، هذا منصوصُ أحمد، قال الأثرم‏:‏ قيل لأبي عبد اللّه‏:‏ صيام يوم الجمعة‏؟‏ فذكر حديثَ النهي عن أن يُفرد، ثم قال‏:‏ إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأما أن يفردَ، فلا‏.‏ قلت‏:‏ رجل كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، فوقع فطره يومَ الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفِطره يومَ السبت، فصار الجمعة مفرداً‏؟‏ قال‏:‏ هذا إلا أن يتعمَّد صومَه خاصة، إنما كُرِه أن يتعمد الجمعة‏.‏

والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لايمنع منه إلا بدليل لا معارِض له‏.‏ قُلتُ‏:‏ قد صح المعارِض صحةً لامطعن فيها البتة، ففي ‏(‏الصحيحين‏)‏، عن محمد بن عباد، قال‏:‏ سألت جابراً‏:‏ أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وفي ‏(‏صحيح مسلم‏)‏، عن محمد بن عباد، قال‏:‏ سألتُ جابر بن عبد الله، وهو يطوفُ بالبيت‏:‏ أنهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ نعم وربِّ هذه البَنِيَّةِ‏.‏ وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث أبي هريرة، قال‏:‏ سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لا يَصُومَنَّ أحدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ إلا أنْ يَصُومَ يَوْمَاً قبلَهُ، أَو يَوَمَاًَ بَعْدَه‏)‏‏.‏ واللفظ للبخاري‏.‏ وفي ‏(‏صحيح مسلم‏)‏، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏(‏لا تَخصوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيامِ من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا يَومَ الجُمُعَةِ بصِيَام منْ بَيْن سَائِرِ الأَيَّامِ، إلا أَنْ يَكُونَ في صَوْمِ يَصُومُهُ أَحَدُكُم‏)‏‏.‏ وفي ‏(‏صحيح البخاري‏)‏، عن جُويرية بنت الحارث، ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يومَ الجمعة وهي صائمة، فقال‏:‏ أصُمت أَمْسِ‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ لا‏.‏ قَالَ‏:‏ فَتُرِيدِينَ أن تَصُومي غداً‏؟‏ قالت‏:‏ لا‏.‏ قَالَ‏:‏ فأَفطِري‏)‏‏.‏ وفي ‏(‏مسند أحمد‏)‏ عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تَصُومُوا يَومَ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ‏)‏‏.‏ وفي ‏(‏مسنده‏)‏ أيضاً عن جنادة الأزدي قال‏:‏ دخلتُ على رسول صلى الله عليه وسلم، يومَ جمعة في سبعة من الأزد، أنا ثامنهم وهو يتغدَّى، فقال‏:‏ ‏(‏هلموا إلى الغداء‏)‏ فقلنا‏:‏ يا رسولَ اللّه ‏!‏ إنا صيام‏.‏ فقال‏:‏ أصُمتم أمسِ‏؟‏ قلنا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فتصومُون غداً‏؟‏ قلنا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأَفْطِروا‏.‏ قال‏:‏ فأكلنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏.‏‏:‏ فلما خرج وجَلَس على المنبر، دعا بإناء ماء، فشرب وهو على المنبر، والناسُ ينظرون إليه، يُريهم أنه لا يَصومُ يَومَ الجمعة‏)‏‏.‏ وفي ‏(‏مسنده‏)‏ أيضاً، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏(‏يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلاَ تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكم يَوْمَ صِيَامِكُم إلاَّ أَنْ تَصُومُوا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَه‏)‏‏.‏

وذكر ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عُيينة، عن عمران بن ظبيان، عن حُكيم بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، قال‏:‏ من كان منكم متطوعاً مِن الشهر أياماً، فليكن في صومه يوم الخميس، ولا يصمْ يومَ الجمعة، فإنه يومُ طعام وشراب، وذكر، فيجمع الله له يومين صالحين‏:‏ يوم صيامه، ويوم نسكه مع المسلمين‏.‏

وذكر ابن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم‏:‏ إنهم كرهوا صوم الجمعة لِيقْوَوْا على الصلاة‏.‏

قلتُ‏:‏ المأخذ في كراهته‏:‏ ثلاثة أمور، هذا أحدها، ولكن يُشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم قبله، أو بعده إليه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم وقد أُورِدَ على هذا التعليل إشكالان‏.‏ أحدهما‏:‏ أن صومه ليسر بحرام، وصوم يوم العيد حرام‏.‏ والثاني‏:‏ إن الكراهة تزول بعدم إفراده، وأجيب عن الإِشكالين، بأنه ليس عيد العامٍ، بل عيد الأسبوع، والتحريمُ إنما هو لصوم عيد العام‏.‏ وأما إذا صام يوماً قبله، أو يوماً بعده، فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيداً، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلاً في صيامه تبعاً، وعلى هذا يحمل ما رواه الإِمام أحمد رحمه اللّه في ‏(‏مسنده‏)‏ والنسائي، والترمذي من حديث عبد اللّه بن مسعود إن صح قال‏:‏ قَلَّمَا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يَوْمَ جمُعَةٍ‏.‏ فإن صحّ هذا، تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعاً، لا أنه كان يُفرده لصحة النهي عنه‏‏

والمأخذ الثالث‏:‏ سد الذريعة من أن يُلحق بالدِّين ما ليس فيه، ويُوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، وينضم إلى هذا المعنى‏:‏ أن هذا اليوم لما كان ظاهرَ الفضل على الأيام، كان الداعي إلى صومه قوياَ، فهو في مَظِنّةِ تتابع الناس في صومه، واحتفالِهم به ما لا يحتفلون بصوم يومٍ غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه‏.‏ ولهذا المعنى - واللّه أعلم - نهي عن تخصيص ليلةِ الجمعة بالقيام من بين الليالي، لأنها من أفضل الليالي، حتى فضَّلها بعضهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن أحمد، فهى في مَظِنَّةِ تخصيصها بالعبادة، فحسم الشارعُ الذريعة، وسدَّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام‏.‏ واللّه أعلم‏.‏

فإن قيل‏:‏ ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام‏؟‏ قيل‏:‏ أما تخصيص ما خصصه الشارع، كيوم الاثنين، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، فسُنَّةٌ، وأما تخصيصُ غيره، كيوم السبت، والثلاثاء، والأحد، والأربعاء، فمكروه‏.‏ وما كان منها أقربَ إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام، فأشد كراهةً، وأقربُ إلى التحريم‏.‏



الثالثة الثلاثون:‏ إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد شرع اللّه سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوماً يتفرَّغون فيه للعبادة، ويجتمعون فيه لتذكُّر المبدإ والمعاد، والثواب والعقاب، ويتذَّكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياماً بينهن يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام بهذا العرض المطلوب اليوم الذي يجمع اللّه فيه الخلائق، وذلك يوم الجمعة، فادَّخره اللّه لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعهم في هذا اليومٍ لطاعته، وقدَّر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته، فهو يوم الاجتماع شرعا في الدنيا، وقدراً في الآخرة، وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم، كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال‏:‏ لا ينتصف النهارُ يوم القيامة حتى يَقِيلَ أهلُ الجنة في منازلهم، وأهل النارِ في منازلهم، وقرأ‏:‏ ‏{أصحابُ الجَنَّةِ يومئذٍ خير مستقراً وأحسنُ مَقيلاً}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏24‏]‏ وقرأ‏:‏ ‏{ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهْم لإِلى الجَحِيم‏}‏، وكذلك هي في قراءته‏.‏ ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرِفُه الأمم التي لها كتاب، فأما أمة لا كتاب لها، فلا تعرف ذلك إلا من تلقَّاه منهم عن أمم الأنبياء، فإنه ليس هنا علامة حِسِّية يُعرف بها كونُ الأيام سبعة، بخلاف الشهر والسنة، وفصولها، ولما خلق اللّه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏.‏

وتعرَّف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه، شرع لهم في الأسبوع يوماً يُذكِّرهم فيه بذلك، وحكمةِ الخلق وما خلقوا له، وبأجَل العالمِ، وطيِّ السماوات والأرض، وعَودِ الأمر كما بدأه سبحانه وعداً عليه حقاً، وقولاً صدقاً، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي ‏{الم تنزيل}‏‏‏ ‏{‏هل أتى على الإِنسان‏}‏ لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثِهم من القبور إلى الجنة والنار‏.‏ وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم في المجامع الكبار، كالأعياد ونحوها، بالسورة المشتملة على التوحيد، والمبدإ والمعاد، وقصصِ الأنبياء مع أممهم، وما عامل اللّه به من كذَّبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن منهم وصدَّقهم من النجاة والعافية‏.‏ كما كان يقرأ في العيدين بسورتي ‏{ق والقرآن المجيد}‏، و ‏{اقتربت الساعةُ وانشقَّ القمرُ‏}‏‏؟‏ تارة‏:‏ بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى}‏، و‏{هل أتاك حديث الغاشية}‏، وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمَّنت من الأمر بهذه الصلاة، وإيجابِ السَّعي إليها، وتركِ العلم العائق عنها، والأمر بإكثار ذكر الله ليحصُل لهم الفلاحُ في الدارين، فإن في نسيان ذكره تعالى العطبَ والهلاكَ في الدارين، ويقرأ في الثانية بسورة ‏{إذا جاءك المنافقون}‏ تحذيراً للأمة من النفاق المردي، وتحذيراً لهم أن تشغلَهَم أموالهُم وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذِكر اللّه، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد، وحضاً لهم على الإِنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم، وتحذيراً لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإِقالة، ويتمنَون الرجعة، ولا يُجابون إليها، وكذلك كان‏:‏ صلى الله عليه وسلم يفعل عند قدوم وفد يريد أن يُسمعهم القرآن، وكان يُطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك، كما صلَّى المغرب بـ ‏(‏الأعراف‏)‏ و بـ ‏(‏الطور‏)‏، و ‏(‏ق‏)‏‏.‏ وكان يُصلي الفجر بنحو مائة آية‏.‏

وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيماناًَ وتوحيداً، ومعرفة باللّه وأيامه

ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذِكر صفات الربِّ جل جلاله، وأصولِ الإيمان الكلية، والدعوة إلى اللّه، وذِكر آلائه تعالى التي تُحبِّبه إلى خلقه وأيامِه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يُحبِّبهم إليه، فيذكرون مِن عظمة اللّه وصفاته وأسمائه، ما يُحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذِكره ما يُحبِّبهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائعُ والأوامرُ رسوماً تُقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطَوْها صورها، وزيّنوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سنناً لا ينبغي الإخلالُ بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإِخلال بها، فرصعوا الخُطب بالتسَجيع والفِقر، وعلم البديع، فَنقَص بل عَدمَ حظُ القلوب منها، وفات المقصود بها‏.‏

فمما حفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطُب بالقرآن وسورة ‏(‏ق‏)‏‏.‏ قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان‏:‏ ما حفظت ‏(‏ق‏)‏ إلا منْ في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها أعى المنبر‏.‏



المصادر

زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية

الدرر السنية

Publié dans piliers de l'islam

Commenter cet article