دروس في الدعوة من السيرة

Publié le par connaitre islam

 

 

في مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم دروس للدعاة. فقد كانت حياته كلها دعوة إلى الله منذ جاءه الأمر : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ

أردت أن أقف هنا على ثلاثة أحداث من السيرة العطرة لعلنا نستفيد منها

 

ذكر الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة هذه القصة

قال عتبة بن ربيعة يوما وهو جالس في نادي قريش والنبي عليه الصلاة والسلام جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون . فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله فقال يا أبن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامه وعبت به آلهتم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع . قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا في أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه

حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه . قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال نعم . قال فاسمع مني . قال افعل . قال :

{ بسم الله الرحمن الرحيم . حم تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ثم مضى رسول الله فيها يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة منه انصت لها وألقى يديه خلف ظهره متعمدا عليهما يستمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد . ثم قال . قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك

قال الشيخ الألباني حديث حسن

 

لننظر إلى أخلاقه العالية صلى الله عليه وسلم. يترك المشرك يتحدث ولا يقاطعه رغم أنه لا يوافقه أبدا في الرأي. انظر إلى هذا الخطاب الراقي : " قل يا أبا الوليد أسمع"، "أقد فرغت يا أبا الوليد ؟". ثم لما يفرغ أبو الوليد من سرد اقتراحاته يجيبه النبي عليه الصلاة والسلام بالقرآن. إن أساس الدعوة في القرآن، والقوم كانوا يفهمون، فيخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم به. وانظر إلى الثبات على المبدإ : "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك". هذا الثبات نجده متجسدا في القصة الثانية

 

عن سنان بن أبي سنان الدؤلي ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخبره : أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه ، فأدركتهم القائلة في واد كثير العصاه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه . قال جابر : فنمنا نومة ، ثم إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه ، فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال لي : من يمنعك مني ؟ قلت : الله ، فها هو ذا جالس ) . ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم . صحيح البخاري

 

ثقة تامة بالله "فقال لي : من يمنعك مني ؟ قلت : الله". ثم عفوه صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه

 

عن ابن مسعود قال مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا أنحن نصير تبعا لهؤلاء اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه » « وكذلك فتنا بعضهم ببعض » إلى آخر الآية المصدر : عمدة التفسير المحدث: أحمد شاكر خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح

 

إن مصدر هذا الدين رباني، وطريقة الدعوة إليه ينبغي أن تكون ربانية كذلك. فلا يجوز للدعاة من منطق مصلحة الدعوة أن يحيدوا في منهجهم عن منهج الله ولو كلفهم ذلك العقبات الجسام. لا ينبغي للرسول صلى الله عليه وسلم ولا للدعاة من بعده أن يطردوا المؤمنين من أجل دعوة المتكبرين. يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54)" من سورة الحج

'ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات بعد الرسل والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها . . تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلا فيها ، ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصمونها !

 

ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ، ولا مع منهج الدعوة المستقيم . وذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها . واجتهادا في تحقيق "مصلحة الدعوة " ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير . أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله . فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج ؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق ، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله . ولن تكون إلا خيرا في نهاية المطاف .

 

وها هو ذا القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك لينفذ منها إلى صميم الدعوة . وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم . فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية ، والتحرج البالغ ، خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه "مصلحة الدعوة " . . إن كلمة "مصلحة الدعوة " يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات ، لأنها مزلة ، ومدخل للشيطان يأتيهم منه ، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص ! ولقد تتحول "مصلحة الدعوة " إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل ! . . إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرا على الدعوة وأصحابها ! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب ، سواء كان هذا الانحراف كثيرا.' انتهى

 

وما أحوج الدعاة في هذه المرحلة الدقيقة من حياة الأمة، حيث بدأت الشعوب تطالب بحريتها، ما أحوجهم إلى عدم التعجل لكي لا يقعوا في نفس الأخطاء التي وقعوا فيها في الماضي : إذ اجتهدوا ثم قدموا ثمرة جهدهم لعدوهم الذي نكل بهم. وما مثال مصر وتونس عنا ببعيد

Publié dans prophete

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article