ملامح من شخصية معاذ بن جبل رضي الله عنه

Publié le par connaitre islam

ملامح من شخصية معاذ بن جبل رضي الله عنه

تعريف الصحابي

معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، هو أبو عبد الرحمن، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وكان له من الولد عبد الرحمن وأم عبد الله وولد آخر لم يذكر اسمه

 

من مناقبه رضي الله عنه

روى الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح نعم الرجل أسيد بن حضير نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس نعم الرجل معاذ بن جبل نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح

معرفته للقرآن الكريم

وروى البخاري في صحيحه عن قتادة عن أنس رضي الله عنه : جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار أبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت. قلت لأنس : من أبو زيد؟ قال : أحد عمومتي

قوله : ( جمع القرآن ) أي استظهره حفظا

وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا وقال استقرئوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل

معرفته بالحلال والحرام

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، و أشدهم في أمر الله عمر، و أصدقهم حياء عثمان، و أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، و أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا و إن لكل أمة أمينا، و إن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم من حديث أنس رضي الله عنه وقال الألباني : إسناده صحيح على شرط الشيخين

 

قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم

لزم معاذ بن جبل رضي اللّه عنه‏ النبي صلى الله عليه وسلم منذ هجرته إلى المدينة، فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الإسلام وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يحبه ويوصيه كثيرا

عن معاذ رضي اللّه عنه‏ : أن رسولَ اللَّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ بيده وقال‏ :‏‏‏يا مُعَاذُ‏!‏ وَاللَّهِ إِنّي لأُحِبُّكَ، فَقالَ‏:‏أُوصِيكَ يا مُعاذُ‏!‏ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ تَقُولُ‏:‏ اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ‏‏‏.‏‏ رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح

وكان يستنصح النبي صلى الله عليه وسلم فينصحه فعن معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره اللَّه تعالى عليه: تعبد اللَّه لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل) ثم تلا: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} حتى بلغ {يعملون} (السجدة 16). ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه) قلت: بلى يا رَسُول اللَّهِ، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد) ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله ) قلت: بلى يا رَسُول اللَّهِ، فأخذ بلسانه قال: (كف عليك هذا) قلت: يا رَسُول اللَّهِ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: (ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح

 

بعثه إلى اليمن

يختار الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم هذا العالم الرباني لتعليم أهل اليمن الإسلام ويوصيه. فعن معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: بعثني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال:إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

انظر إلى هذا التدرج في الدعوة : نبدأ بالعقيدة أولا ثم بشرائع الإسلام ابتداء بالصلاة. ويوصيه الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم باتقاء دعوة المظلوم. ما أحوجنا وما أحوج مسؤولينا للامتثال لهذه الوصايا الغالية. إن الظلم ظلمات يوم القيامة، ولا يبارك الله لأمّة قامت على الظلم

 

أمّة قامت على النصيحة

من الملفت للنظر كثرة نصائح النبي لأصحابه، وكثرة تناصحهم فيما بينهم. روى الطبراني في الأوسط : كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ثم يسلم أحدهما على الآخر. ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة

كان أبو عبيدة ومعاذ رضي الله عنهما ينصحان عمر رضي الله عنه بالكتابة. أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، كتاب الخلافة : عن محمد بن سوقة قال : أتيت نعيم بن أبي هند فأخرج إلي صحيفة فإذا فيها : من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب سلام عليك أما بعد فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم فأصبحت وقد وليت أمر الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يديك الوضيع والشريف والعدو والصديق ولكل حظه من العدل فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر فإنا نحذرك يوما تعنى فيه الوجوه وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قاهر قد قهرهم بجبروته والخلق داخرون له يرجون رحمته ويخافون عذابه وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة في آخر زمانها سيرجع إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا فإنا إنما كتبنا به نصيحة لك والسلام عليك

فكتب إليهما عمر رضوان الله عليهم : من عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل سلام عليكما أما بعد : أتاني كتابكما تذكران أنكما عهدتماني وأمر نفسي لي مهم فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يدي الوضيع والشريف والعدو والصديق ولكل حظه من العدل وكتبتما : فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر فإنه لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك إلا بالله. وكتبتما لي تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا قديما وإن كان اختلاف الليل والنهار [ بآجال الناس يقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار ]. وكتبتما تحذراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السرية ولستم بأولئك وليس هذا بزمان ذلك وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة يكون رغبة بعض الناس إلى بعض لصلاح دنياهم. وكتبتما نعوذ بالله أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما وأنكما كتبتماه نصيحة لي وقد صدقتما فلا تدعا الكتاب إلي فإنه لا غنى لي عنكما والسلام عليكما

رواه الطبراني ورجاله ثقات إلى هذه الصحيفة

هكذا قامت خير أمة أخرجت للناس كما قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. سورة آل عمران

عن أبي تميم بن أوس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم. رواه البخاري و مسلم

 

أمّة قامت على الحب

عن أبي مسلم الخولاني قال : { أتيت مسجد أهل دمشق وإذا حلقة فيها كهول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى ، فقلت لجليس لي من هذا ؟ قال : هذا معاذ بن جبل ، فجئت من العشاء فلم يحضر ، فغدوت من الغد فلم يجئ ، فرحت فإذا أنا بالشاب يصلي إلى سارية ، فركعت ، ثم تحولت إليه ، قال فسلم فدنوت منه فقلت : إني أحبك في الله عز وجل ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله} . قال فخرجت حتى لقيت عبادة بن الصامت فذكرت له حديث معاذ بن جبل ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه تبارك وتعالى يقول : {حقت محبتي للمتحابين في ، وحقت محبتي للمتباذلين في ، وحقت محبتي للمتزاورين في ، والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله} ذكره الإمام ابن الجوزي في التبصرة . ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ { قلت لمعاذ والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك ، قال : فلأي شيء ؟ قلت : لله ، فجذب حبوتي ثم قال : أبشر إن كنت صادقا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء} الحديث. انظر غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني

 

معاذ المفاوض

ذهب معاذ مع جيوش المسلمين لفتح الشام. وبعد سلسلة من الانتصارات، اقترب الجيشان من منطقة بيسان وبعث الروم إلى أبي عبيدة أن أرسل الينا رجلا من صلحائكم نسأله عما تريدون وما تسألون وما تدعون إليه ونخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل. يدخل معاذ بن جبل على فرسه، ويصل إلى المعسكر الرومي، ويجد الروم يجلسون على وسائد من الحرير، ونمارق مبسوطة، والكثير من الرفاهية حتى في أرض المعركة! ويجلس أمراء جيشهم، وحولهم الخدم، ويقف هو بفرسه، وثيابه البسيطة، فينزل من على فرسه، وينظر إليهم، ويأتيه أحد الروم ويقول له: أعطني دابتك أمسكها لك، وادنُ أنت فاجلس مع هؤلاء الملوك، فإنه ليس كل أحد يقدر على ذلك. ولكن معاذًا يصر على أن يمسك دابته، ويقف على أول البسط، ويقول لهم (من خلال مترجم): إن نبينا أمرنا ألا نقوم لأحدٍ من خلق الله (يخبرهم أنه لا يقف تعظيمًا لهم)، ولا يكون قيامنا إلا لله، في الصلاة والعبادة، والرغبة إليه، فليس قيامي هذا لك إعظامًا، ولكني قمت هنا، إعظامًا للمشي على هذه البسط، والجلوس على هذه النمارق، التي استأثرتم بها على ضعفائكم، وإنما هي من زينة الدنيا وغرورها، وقد زَهَّد الله في الدنيا، وذمها، ونهى عن البغي والسَّرَف فيها، فأنا جالسٌ ها هنا على الأرض، وكلموني بحاجتكم من ها هنا

هذا الأمر به معنى إسلامي واضح، وهو أن المسلمين يكرهون هذه الرفاهية كراهية شديدة، وقد كان من الممكن لسيدنا معاذ أن يتنازل، ويتحمل، ويجلس معهم، ولكن في هذا الأمر ذكاء، وبعد سياسي من معاذ، بالإضافة إلى ورعه وتقواه، فبجلوسه في الخارج بهذا الوضع الغريب، سينقل الناس ذلك إلى من لم يشهدوه، وهو يريد أن يعلم الناس جميعًا أنه جلس على الأرض، ويتساءلون لم جلس كذلك؟ فيكون الرد ما قاله معاذ، وهو (أنكم استأثرتم بهذه الأشياء على ضعفائكم) مما يحدث بلبلة في صفوف الجيش الرومي، ويشعرهم بالفارق الشاسع بين الجند وقادتهم، مما يؤدي إلى تصدع الصف، وأن الأمة الإسلامية التي تحاربهم ليس لديهم هذه التفرقة

 

فنظر بعضهم إلى بعض متعجبين، فقالوا له: هل أنت أفضل أصحابك؟ فيقول لهم: معاذَ الله أن أقول ذلك، وليتني لا أكون شرَّهم! (على الرغم من علو مكانته بين المسلمين، وهكذا كان شأن صحابة رسول الله دائمًا). فأخذوا يتناقشون ساعة، فلما ملَّ من الانتظار، طلب منهم الانصراف، فأوصلوا له مجموعة من الطلبات، فقالوا للترجمان قل له أخبرونا ما تطلبون وإلام تدعون اليه وما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد وتركتم أرض فارس وقد هلك ملك فارس وهلك ابنه وإنما تملكهم اليوم النساء ونحن ملكنا حي وجنودنا عظيمة كثيرة وإن اقتحمتم من مدائننا مدينة أو من قرانا قرية أو من حصوننا حصنا أو هزمتم لنا عسكرا أظننتم أنكم قد ظفرتم بجماعتنا وأنكم قد قطعتم حربنا عنكم أو فرغتم ممن وراءنا منا ونحن عدد نجوم السماء وحصى الأرض وأخبرونا لم تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا

فلما قالوا هذا القول وفسره الترجمان لمعاذ سكتوا فقال معاذ للترجمان قد فرغوا قال له نعم قال فأفهمهم عني أن أول ما أنا ذاكر حمد الله الذي لا إله إلا هو والصلاة على محمد نبيه وأن أول ما أدعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده وبمحمد وأن تصلوا صلاتنا وتستقبلوا قبلتنا وأن تستنوا بسنة نبينا وتكسروا الصليب وتجتنبوا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ثم أنتم منا ونحن منكم وأنتم أخواننا في ديننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم فأدوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون ونكف عنكم وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شئ مما خلق الله عز و جل نحن قابلوه منكم فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه وأما قولكم ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد وتركتم أهل فارس وقد هلك ملكهم فإني أخبركم عن ذلك، ما بدأنا قتالكم لأنكم أقرب إلينا منهم وإنكم عندنا جميعا بالسواء وما جاءنا كتابنا بالكف عنهم ولكن الله عز و جل أنزل في كتابه على نبينا فقال (يا أيها الذين أمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) وكنتم أقرب إلينا منهم فبدأنا بكم لذلك وقد أتاهم طائفة منا وهم يقاتلونهم وأرجو أن يظفرهم الله ويفتح عليهم وينصرهم وأما قولكم إن ملكنا حي وإن جنودنا عظيمة وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض وتوئسونا من الظهور عليكم فإن الأمر في ذلك ليس إليكم وإنما الأمور كلها إلى الله وكل شئ في قبضته وقدرته وإذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وإن يكن ملككم هرقل فإن ملكنا الله عز و جل الذي خلقنا وأميرنا رجل منا إن عمل فينا بكتاب ديننا وسنة نبينا أقررناه علينا وإن عمل بغير ذلك عزلناه عنا وإن هو سرق قطعنا يده وإن زنى جلدناه وإن شتم رجلا منا شتمه كما شتمه وإن جرحه أقاده من نفسه ولا يحتجب منا ولا يتكبر علينا ولا يستأثر علينا في فيئنا الذي أفاءه الله علينا وهو كرجل منا وأما قولكم جنودنا كثيرة فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون اكثر من نجوم السماء وحصى الأرض فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها ولا نرجو النصر على عدونا بها ولكنا نتبرأ من الحول والقوة ونتوكل على الله عز و جل ونثق بربنا فكم من فئة قليلة قد أعزها الله ونصرها وأغناها وغلبت فئة كثيرة بإذن الله وكم من فئة كثيرة قد أذلها الله وأهانها قال تبارك وتعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) وأما قولكم كيف تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا فأنا أخبركم عن ذلك نحن نؤمن بنبيكم ونشهد أنه عبد من عبيد الله وأنه رسول من رسل الله وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ولا نقول إنه الله ولا نقول إنه ثاني إثنين ولا ثالث ثلاثة ولا إن لله والدا ولا إن له صاحبة ولا ولدا ولا إن معه آلهة أخرى لا إله إلا هو تعالى عما يقولون علوا كبيرا وأنتم تقولون في عيسى قولا عظيما فلو أنكم قلتم في عيسى كما نقول وآمنتم بنبوة نبينا كما تجدونه في كتابكم وكما نؤمن نحن بنبيكم وأقررتم بما جاء به من عند الله ووحدتم الله ما قاتلناكم بل كنا نسالمكم ونواليكم ونقاتل معكم عدوكم

فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا له ما نرى بيننا وبينك الا متباعدا وقد بقيت خصلة نحن نعرضها عليكم فإن قبلتموها منا فهو خير لكم وإن أبيتم فهو شر لكم نعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الاردن وتنحوا عن بقية أرضنا وعن مدائننا ونكتب إليكم كتابا نسمى فيه خياركم وصلحاءكم ونأخذ عهودكم ومواثيقكم على ألاا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم ونحن معكم نعينكم عليهم حتى تقتلوهم وتظهروا عليهم

فقال معاذ هذا الذى عرضتم علينا وتعطوناه كله في أيدينا ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاثة التي وصفت لكم (الإسلام أو الجزية أو القتال) ما فعلنا. فغضبوا عند ذلك وقالوا نتقرب إليك وتتباعد عنا اذهب إلى أصحابك فو الله إنا لنرجو أن نفرقكم في الجبال غدا فقال معاذ أما الجبال فلا ولكن والله لتقتلنا عن آخرنا أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون وانصرف معاذ إلى أبي عبيدة فأخبره بما قالوا

يا لعزة المؤمنين! قال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) سورة المنافقون. مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا سورة فاطر.وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) سورة آل عمران

ثم انظر بماذا اهتم الصحابة، اهتموا بنشر الإسلام ولم يهتموا بجمع حطام الدنيا الفاني. لقد فهموا قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم :فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا ، كما بسطت على من كان من قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم. صحيح البخاري

هذه قضية أساسية علينا أن نعالجها إن أردنا الفوز

 

خشيته من الله

عن ابن عمر قال : مرَّ عمر بمعاذ وهو يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول : ( إن أدنى الرياء شرك ، وأحب العبيد إلى الله الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا شهدوا لم يعرفوا ، أولئك مصابيح العلم وأئمة الهدى).أخرجه الحاكم وصححه

 

عبادة معاذ بن جبل واجتهاده

عن ثور بن يزيد قال: كان معاذ بن جبل رضي الله عنه إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد

 

زهده

عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر رضي الله عنه فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.

 

نبذة من ورعه

عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل رضي الله عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء

وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام والناس في شغل فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر

 

ثناء الصحابة عليه

عن الشعبي قال: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل: إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال: ما نسيت هل تدري ما الأمة؟ وما القانت فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يعلم الناس الخير وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله

وعن شهر بن حوشب قال: كان أصحاب محمد إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له

 

نبذة من مواعظ معاذ بن جبل وكلامه

عن أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون

 

وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل : علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم

 

وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ بن جبل : إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات. رواهما الإمام أحمد

 

وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل رضي الله عنه ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه فقال: إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حُفِظْتَ إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت

 

وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة

 

وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما لا يجد

 

مرض معاذ بن جبل ووفاته

عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام فاستغرقها فقال الناس ما هذا إلا الطوفان إلا أنه ليس بماء، فبلغ معاذ بن جبلرضي الله عنه فقام خطيبًا فقال: إنه قد بلغني ما تقولون وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وكموت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أو منافق، وخافوا إمارة الصبيان.

 

وعن عبد الله بن رافع رضي الله عنه قال لما أصيب أبو عبيدة بن الجراحرضي الله عنه في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل رضي الله عنه واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ بن جبل رضي الله عنه ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال: إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا: وما هن قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك

 

واتفق أهل التاريخ أن معاذ بن جبل رضي الله عنه مات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين: أحدهما: ثمان وثلاثون سنة، والثاني: ثلاث وثلاثون

 

 

المصادر

معاذ بن جبل إمام العلماء

مجمع الزوائد

المفاوضات قبل موقعة بيسان

جمهرة خطب العرب

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article