ولا تقف ما ليس لك به علم

Publié le par connaitre islam

ولا تقف ما ليس لك به علم

كل يوم تطالعنا أخبار لا ندري مدى صحتها. وقد علمنا الإسلام أن لا يحدث أحدنا بكل ما سمع. ففي الحديث : "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع." متفق عليه. وقد علّمنا الله ما الموقف الذي ينبغي اتخاذه عند سماع خبر، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. سورة الحجرات. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على عظم جرم من يحدث بالكذبة ، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فمن حديث سمرة بن جندب في قصة الرؤيا : "أما الذي رايته يشق شدقه فكذاب ، يحدث بالكذبة ، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق ، فيصنع به إلى يوم القيامة." رواه البخاري

ومع هذا المنهج البين الواضح فإننا كثيرا ما نردد ما يقال هنا وهناك من دون تثبت. وكأننا لسنا مسؤولين عما نقول. مع أن الله تعالى يقول في سورة الإسراء : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا



يقال : قفوته أقفوه ، وقفته أقوفه ، وقفيته إذا اتبعت أثره . ومنه القافة لتتبعهم الآثار وقافية كل شيء آخره ، والقفا هو ما وراء العنق، ومنه قافية الشعر ; لأنها تقفو البيت . ومنه اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - المقفي ; لأنه جاء آخر الأنبياء . ومنه القائف ، وهو الذي يتبع أثر الشبه . يقال : قاف القائف يقوف إذا فعل ذلك

قال قتادة لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد ابن الحنفية : هي شهادة الزور. وقال القتبي : المعنى لا تتبع الحدس والظنون

ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال كما قال تعالى : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) الحجرات 12 ، وفي الحديث "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. وفي سنن أبي داود بئس مطية الرجل : زعموا. صححه الألباني في صحيح أبي داود، وفي الحديث الآخر إن من أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه في المنام ما لم تر. من حديث عبدالله بن عمر، المصدر: صحيح الجامع للاألباني. وفي الصحيح من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد



ويندرج تحت هذا أنواع كثيرة ; منها خلة من خلال الجاهلية ، وهي الطعن في أنساب الناس ، فكانوا يرمون النساء برجال ليسوا بأزواجهن ، ويليطون بعض الأولاد بغير آبائهم بهتانا ، أو سوء ظن إذا رأوا بعدا في الشبه بين الابن وأبيه ، أو رأوا شبهه برجل آخر من الحي أو رأوا لونا مخالفا للون الأب أو الأم ، تخرصا ، وجهلا بأسباب التشكل ، فإن النسل ينزع في الشبه وفي اللون إلى أصول من سلسلة الآباء أو الأمهات الأدنين أو الأبعدين ، وجهلا بالشبه الناشئ عن الرحم ، وقد جاء أعرابي إلى النبيء صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي ولدت ولدا أسود يريد أن ينتفي منه فقال له النبيء هل لك من إبل ؟ قال : نعم ، قال : ما ألوانهن ؟ قال : ورق ، قال : وهل فيها من جمل أسود ؟ قال : نعم ، قال : فمن أين ذلك ؟ قال : لعله عرق نزعه ، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم فلعل ابنك نزعه عرق ، ونهاه عن الانتفاء منه ، متفق عليه. فهذا كان شائعا في مجتمعات الجاهلية فنهى الله المسلمين عن ذلك

ومنها القذف بالزنى وغيره من المساوي بدون مشاهدة ، وربما رموا الجيرة من الرجال والنساء بذلك ، وكذلك كان عملهم إذا غاب زوج المرأةلم يلبثوا أن يلصقوا بها تهمة ببعض جيرتها ، وكذلك يصنعون إذا تزوج منهم شيخ مسن امرأة شابة أو نصفا فولدت له ألصقوا الولد ببعض الجيرة ، ولذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم سلوني عما شئتم فقال رجل يا رسول الله من أبي قال أبوك فلان الذي تدعى إليه. أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح.‏‏ وكان العرب في الجاهلية يطعنون في نسب أسامة بن زيد من أبيه زيد بن حارثة ؛ لأن أسامة كان أسود اللون ، وكان زيد أبوه أبيض أزهر ، وقد أثبت النبيء صلى الله عليه وسلم أن أسامة ابن زيد بن حارثة ، فهذا خلق باطل كان متفشيا في الجاهلية نهى الله المسلمين عن سوء أثره

قال عليه الصلاة والسلام : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا أي لا نسب أمنا . المصدر: صحيح الجامع للألباني

وقال الكميت : فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفو الحواصن إن قفينا



قوله تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا أي يسأل كل واحد منهم عما اكتسب ، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه واعتقده ، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع . وقيل : المعنى أن الله - سبحانه وتعالى - يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده ; ونظيره قوله - صلى الله عليه وسلم - : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته رواه مسلم وأبو داود. فالإنسان راع على جوارحه ; فكأنه قال : كل هذه كان الإنسان عنه مسئولا ، فهو على حذف مضاف . والمعنى الأول أبلغ في الحجة ; فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي ; كما قال : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، وقوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسئولة ، فهي حالة من يعقل ، فلذلك عبر عنها بأولئك



خلاصة القول : قبل إذاعة خبر ما، ينبغي التثبت منه حتى نتفادى الوقوع في المحظور أو نتسبب في الظلم أو العداوة بين الناس



المصادر

تفسير القرآن

التحرير والتنوير محمد الطاهر ابن عاشور

تفسير ابن كثير إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

تفسير القرطبي محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي



Publié dans éducation

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article