قواعد تغيير المنكر

Publié le par connaitre islam

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فتوى العلامة الأستاذ الدكتور/ عبدالكريم زيدان في قواعد تغيير المنكر

 

سماحة الشيخ العلامة الدكتور/ عبدالكريم زيدانحفظكم الله–

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

هل يجوز تغيير المنكر باليد للقادر عليه في موضع تكون الولاية فيه لغيره وإذا ترك من له الولاية تغيير المنكرات الواقعة تحت ولايته فتدخل غيره باليد فما الحكم في ذلك، وهل ينطبق هذا على من له الولاية العامة؟

 

فأجاب شيخنا عافاه الله تعالى ونفع بعلمه –مشكوراً- بقوله:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالمقصود بالمنكر عند العلماء المتفق على إنكاره أو ما يؤول إليه وتغيير المنكر يخضع للقواعد الشرعية ومنها ما جاء في الحديث النبوي الشريف: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم.

فيفهم من هذا الحديث ومن غيره أن تغيير المنكر يخضع لجملة من القواعد:

أولاً: يخضع التغيير للقدرة المعبر عنها في الحديث باليد، والقدرة هنا هي تلك القدرة التي تغير المنكر دون أن يترتب على تغييره حدوث منكر أكبر من المنكر القائم.

ومن هذا المنكر القائم ما يترتب عليه من أضرار جِسامٍ على الجماعة أو الحزب الملتزم بالإسلام الذي ينتمي إليه هذا المسلم الذي قام بالتغيير دون فقه لما يترتب عليه ودون إذن شرعي ممن يملك إعطاء هذا الإذن فَيَلحقُ بجماعته ضررٌ كبير جداً يُسأل عنه ويحاسب عليه؛ لأن من القواعد الفقهية أنه قد يسع الفرد ما لا يسع الجماعة من الأخذ بالعزائم فقد يملك المسلم أن يتحمل ما ينتج عن فعله ضرر بشخصه ولكن ليس من حقه أن يفعل فعلاً يُلحق الضرر بالجماعة أو بمن ينتمي إليهم فهذا أمر غير مسموح به شرعاً.

والقاعدة الثانية: من القواعد التي يخضع لها تغيير المنكر باليد أنه إذا عجز المسلم عن تغييره، والعجز هنا ليس مقصوراً على العجز المادي بل يُنزل منزلة هذا العجز ويأخذ حكمه إذا كان لا يستطيع أن يمنع أي ضرر يترتب على إزالة هذا المنكر باليد.

ومن أمثلة ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كان يرى الأصنام حول الكعبة وكان باستطاعته أن يأمر واحداً من المسلمين بتكسير جميع الأصنام ولكنه لم يفعل! فهذه القدرة المادية ليست التي ينبغي وجودها فقط للتغيير باليد وإنما الإذن الشرعي أيضا.

فالقدرة المطلوبة التي يستطيع صاحبها أن يقوم بالتغيير بها أن يكون جاهزاً لمنع أي ضرر أو حدوث أي منكر جديد يكون أكبر من المنكر القائم.

ولا بد لمن يريد تغيير المنكر باليد أن يَحُسَّ من نفسه القدرة المادية على إزالة المنكر واستعداده لتحمل أي ضرر عليه والنظر إلى المآلات لمنع أي منكر أو ضرر جسيم عليه أو على غيره دون حصول المطلوب من إزالة المنكر.

ويؤكد ذلك ما قررناه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طيلة العهد المكي كان يرى الأصنام ويقدر على إزالتها ولكنه لم يفعل ذلك لأنه لو فعل ذلك لترتب منكر أكبر منه فالأصنام المكسرة يصنع غيرها بدلا عنها وتنشغل الدعوة بالمنكر الجديد وهو المصيبة المترتبة في إيذائهم دون حاجة شرعية.

والقاعدة الثالثة: أن المطلوب عند العجز أن ينتقل المسلم إلى المرتبة الثانية وهي التغيير باللسان بأن يُبين لأصحاب المنكر أن هذا منكر ينهى الله عنه باعتبارهم مسلمين والدار دار إسلام فيحرم وقوعهم في إقرار المنكر ورضاهم بحدوثه.

ويستطيعون الخروج من هذه المسؤولية بالقيام بإزالته عن طريق اللسان بإظهار عدم الرضا به، وبهذا يخرج المسلم المحتسب من العهدة والمسؤولية لأنه انتقل من التغيير باليد الممنوع منه هنا إلى التغيير القولي باللسان المقدور عليه والمأذون فيه.

ومن الشبه في هذا المقام أن يقوم المسلم بإزالة المنكر دون فقه في نتائج فعله وعدم رضاه بالأساليب الشرعية ونوعيات إزالة المنكر بانتقاله مباشرة إلى التغيير بالقوة الممنوع منها شرعاً وترك التغيير المقدور عليه المأذون به شرعاً باللسان اعتزازاً بقوته واستعداده لقبول ما يحدث له من ضرر حتى في فداء نفسه لما يقوم به لأن المطلوب من المسلم أن يطيع الشرع فيما يأخذ ويترك فيكون ما يفعله موافقاً للشرع فلا يجوز مخالفة ما يأمر به الشارع بحجة أنه حاضر أن يفدي حياته في سبيل الإسلام فهذا لا يبرر له ذلك إذا كان ما يقوم به الفرد خارجاً عن المنهج الإسلامي الواجب اتباعه في إزالة المنكر وفي أي فعل آخر؛ لأن روح الإنسان ليست ملكه وإنما هي ملك خالقها فلا يجوز أن يعرض حياته لخطر أو يجلب الضرر الجسيم على نفسه دون أن يجد المبرر الشرعي والإذن الشرعي فيما يقوم به.

ألا يُرى أن الذي يعرض نفسه للهلاك عن طريق انتحاره أو عن طريق تعريض نفسه لأعداء الإسلام إظهارا لشجاعته دون إذن من الشرع مخطئ لعدم ترتب النتيجة المنظور إليها في إزالة المنكر في نظر الشرع الإسلامي.

ويدلنا على ذلك أن الله تعالى نهى المسلمين أو المسلم عن سب آلهة المشركين مع أنها منكر، ومن يدعون غير الله فعلوا شركا أكبر، والواجب على المسلم إسكاتهم وإقامة ما ينبغي إقامته عليهم من ردع وزجر وعقاب وهذا أمر مشروع ولكن إذا ترتب على فعله أن يقوم المشركون أو يقوم المشرك الذي يسب آلهة المشركين أمامه بالرد عليه عن طريق سب الله تعالى فيمتنع من هذا السب، قال الله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم..)، وهذا في حالة قيام المسلم بسب آلهة المشركين وعجزه عن منعهم عن سب الله تعالى إن قاموا به.

ثم إن المسلم إذا انتحر بأن أزهق روحه ظنا منه أنه يتصرف بحياته فيجعل انتحاره أو تعريضه لإزهاق روحه مبررا لفعله المخالف للشرع فهذا جزاؤه النار.

بينما الذي يقاتل كما أمر الله تعالى في المواضع التي يجب عليه القتال فيها معرضاً نفسه للقتل يكون من الشهداء إن قتل وينال المنزلة العظمى.

فالمهم في مسألة إزالة المنكر الخضوع الكامل للشرع في إزالتها سواء من الأفراد أو الجماعات وإدخال النتائج المترتبة عن تكسير صنم أو منع قمار أو إراقة خمر أو منع صاحب بدعة من القيام بمحاضرة في الحسبان، فإن لم يستطع فينتقل إلى الرد اللساني لتفنيد ما قاله، وكذلك غيرها من المنكرات يُراعى فيها تلك النتائج.

وأما إن كان ما يقوله الشخص داخلا في دائرة الردة عن الدين فحكم المرتد جواز قتله شرعا وإن لم ينقل إلى الجهة التي تحكمه، والذي يترتب على قاتل المرتد إن قتله دون الرجوع إلى القضاء أن يعزر لافتئاته على سلطة القضاء أو الدولة؛ ولذلك كان الرجوع إلى القضاء لمحاكمة هذا المرتد هو الوسيلة الراشدة في معالجة هذا الأمر وهي وسيلة يجب اتباعها.

وخلاصة الخلاصة:

أن للشرع حكما في كل ما يقوم به المسلم وعليه أن يلتزم بما يحكم به الشرع من قيام بفعل أو تركه، ومن هذه الأفعال قيامه بإزالة المنكر باليد والوقوف عند هذه الكيفية في إزالة المنكر مع أن الشرع يأمره بالتحول إلى الكيفية الثانية وهي التغيير باللسان.

وفي السيرة النبوية توجد أمثلة حية لهذا الذي نقوله في هذا الباب: ففي معركة أحد ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ -‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الرَّجَّالَةِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ: ‏ ‏إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ،  فلما رأوا انحسار جيش المشركين أحبوا مطاردة الكفار وانشغلوا بالغنائم ولم يأتمروا بأمر قائدهم صلى الله عليه وسلم فجاء المشركون فقتلوا الباقين على رأس الجبل وقتلوا كثيرا من المسلمين فأصاب المسلمين ما أصابهم ولقد عفا الله عنهم مما يدل على وجوب الالتزام على النحو الذي يأمر به الشرع أو يأذن به.

وفي حرب الخندق أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعرف ما عند المشركين المحاصرين للمدينة من نية بقاء أو انسحاب فأرسل حذيفة -رضي الله عنه- وقال له: انظر ما عند هؤلاء ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني، قال حذيفة: رأيت أبا سفيان يصطلي بالنار وظهره إلي فأردت قتله فتذكرت نهي النبي صلى الله عليه وسلم لي عن إحداث شيء فامتنعت.

والشاهد هنا: توقف حذيفة -رضي الله عنه- عند أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مع قدرته على رأس هذا الكافر حينذاك، والحرب موجودة وقائمة، لكنه لم يفعل استجابة لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم مع أن في ظاهر قتل أبي سفيان إزالة منكر عظيم.

فعلى المسلمين أن يلتزموا بهذه الأمور وبالمنهج الإسلامي وأن لايسببوا لغيرهم الأذى، وأقصى ما يكون ممن لا يلتزموا بضوابط الشرع أن نيَّتهم الحسنة قد تخفف عنهم العذاب ولكنها لا تبرر سلامة أفعالهم وموافقتها للشرع؛ لأن النية الصالحة لا تحسن الفعل المخالف للشرع ولا تمنع الأضرار المترتبة على مخالفته.

ثم يلاحظ أخيراً: أن المسلمين في تاريخهم شهدوا مسألة إزالة المنكر بإزالة حُكامهم بالثورة المسلحة فلم يحصل لهم ما أرادوا لترك أخذهم بالتدرج المشروع في إنكار المنكر استعجالا منهم في تحقيق ما يريدون. 

 

فالواجب إذاً الخضوع للشرع في علاقات المسلمين مع ولاة أمورهم لأن العلاقة بين الرعاة والرعية علاقة نصيحة وليست علاقة عداء وانتقام وتشهير ولا علاقة مداهنة وقد دل على ذلك الحديث النبوي الشريف: عن أبي رقية تميم بن أوس الداري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) متفق عليه، فعلاقة المسلمين إذا برؤسائهم وحكامهم وولاة أمورهم كما قررنا علاقة نصيحة إذا صدر منهم ما يستدعيها ويستدعي تكرارها لأن الناصح يريد الخير للمنصوح ولو كان هذا المأمول من الخير يستلزم التكرار كرر المسلم النصح كما هو منهج الرسل الكرام.

ثم لو كان الأمر يقتضي تغيير المنكر باليد فلا بد من وجود القوة الكافية وأن لا يترتب ضرر أكبر وأن يوجد إذن شرعي وعلى هذا تقرير أئمة المسلمين.

وعلى المسلمين التثبت في هذه الأمور العظيمة، ومن لا يعرف فليسأل أهل الذكر: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وكما يسأل المسلم عن العبادات فليسأل عن أفعال يده وعن آثارها، فإن لم يستطع فلينتقل إلى اللسان فإن لم يستطع الإنكار باللسان فلينتقل إلى الدرجة الثالثة وهي كراهية المنكر بالقلب وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان.

وبتطبيق هذه القواعد يتحرى المسلم مراد الشرع في التغيير في المراحل الثلاث الواردة في الحديث برغبةٍ صادقةٍ فيما عند الله باتباع شرعه.

هذه هي قواعد إزالة المنكر والحديث طويل، فتُرد الفروع إلى أصولها، والمسائل والجزئيات إلى قواعدها التي تحكمها وتضبطها.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

أملاه الفقير إلى الله تعالى/ أ.د/ عبدالكريم زيدان

وكتبه الفقير إلى الله تعالى/ أحمد بن محمد بن إسماعيل المصباحي

7/جماد الأول/1431هـ

21/إبريل/2010م

 

 

المصدر

http://www.jameataleman.org/

 

Publié dans science

Commenter cet article