أهمية دراسة التاريخ

Publié le par connaitre islam

أهمية دراسة التاريخ

علي محمد محمد الصلابي

هذا الكتاب الذي أقدم له الآن «أبو بكر الصديق شخصيته وعصره» يرجع الفضل في كتابته للمولى عز وجل، ثم للأستاذ الدكتور المشرف على رسالة الدكتوراه، ومجموعة خيرة من الدعاة والشيوخ والعلماء الذين شجعوني على الاهتمام بدراسة الخلفاء الراشدين، حتى إن أحدهم قال لي: أصبحت هناك فجوة كبيرة بين أبناء المسلمين وذلك العصر، وحدث خلط في ترتيب الأولويات؛ حيث صار الشباب يلمُّون بسير الدعاة والعلماء والمصلحين أكثر من إلمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين، وأن ذلك العصر غني بالجوانب السياسية والإعلامية والأخلاقية والاقتصادية والفكرية والجهادية والفقهية التي نحن في أشد الحاجة إليها، ونحتاج أن نتتبع مؤسسات الدولة الإسلامية، وكيف تطورت مع مسيرة الزمن؛ كالمؤسسة القضائية والمالية ونظام الخلافة والمؤسسة العسكرية وتعيين الولاة، وما حدث من اجتهادات في ذلك العصر عندما احتكت الأمة الإسلامية بالحضارة الفارسية والرومانية، وطبيعة حركة الفتوحات الإسلامية

إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر، وهي متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع، سواء كانت تاريخية أو حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية، فنحن في أشد الحاجة لجمعها وترتيبها وتوثيقها وتحليلها؛ فتاريخ الخلافة إذا أحسن عرضه يغذي الأرواح ويهذب النفوس وينور العقول، ويشحذ الهمم، ويقدم الدروس، ويسهل العِبَر وينضج الأفكار، فنستفيد من ذلك في إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة، ونتعرف على حياة وعصر من قال الله فيهم: "وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة: 100]. وقال تعالى: "مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا" [الفتح: 29]. وقال فيهم رسول الله صلى الله .عليه وسلم: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم...» . مسلم وقال فيهم عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة وأبرَّها قلوبا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم». شرح السنة للبغوي

فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم، ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد وحركة الفتوحات والتعامل مع الشعوب والأمم، فتجد الأجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد، وتعرف من خلاله حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس. وقد عرف الأعداء من اليهود والنصارى والعلمانيين والماركسيين والروافض وغيرهم خطورة التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات، فعملوا على تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الأجيال فيه؛ فقد لعبت فيه الأيدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر؛ ففي الماضي تعرض تاريخنا الإسلامي للتحريف والتشويه على أيدي اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، إذ رأوا أن كيد الإسلام على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله، فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم الإسلام وتفتيت دولته وتفريق أتباعه، وذلك عن طريق تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة وتدبير الفتن ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه فقام عبد الله بن سبأ اليهودي وأتباعه بالدور الكبير في إشعال نار الفتنة التي أودت بحياة الخليفة الراشد الثالث، وكذلك إشعال المعركة بين المسلمين في موقعة الجمل بعد أن كاد يتم الصلح بين الطرفين، إلى غير ذلك من التحركات والمؤامرات التي قصد بها النيل من الإسلام وأتباعه، هذا بالإضافة إلى الروايات الضعيفة والموضوعة الواردة في مصادر التاريخ الإسلامي -وهي تشوه سيرة الصحابة- كرواية التحكيم التي تتهم بعضهم بالخداع أو الغباء أو التعلق بالجاه والسلطة، والهدف من وضع هذه الروايات الطعن في الإسلام بطريقة غير مباشرة؛ لأن الإسلام لم يؤده لنا إلا الصحابة، والتشكيك في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة الإسلام

هذا وقد استغل المستشرقون هذه الروايات الموضوعة ومن سار على نهجهم من أذنابهم ممن يتكلمون بلغتنا، فركزوا على التوسع في البحث فيها؛ بل كانت مغنمًا تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام والنيل من أعراض الصحابة الكرام. لقد قام الأعداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم المنحرفة، وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج المستوردة، فأصبحت كتابتهم في العقود الماضية ترجمة حرفية لما كتبه المستشرقون والماركسيون والروافض واليهود وغيرهم من أعداء الأمة؛ وذلك لأنهم لا يملكون تصورا حقيقيا لروح الإسلام وطبيعته؛ حيث إن كتابة التاريخ الإسلامي تحتاج حتما إلى إدراك طبيعة الفكرة الإسلامية ونظرتها إلى الحياة والأحداث والأشياء، ووزنها للقيم التي عليها الناس، وتأثيرها في الأرواح والأفكار وصياغتها للنفوس والشخصيات.. ودراسة الشخصيات الإسلامية –على وجه خاص- تقتضي إدراكًا كاملاً لطبيعة استجابة تلك الشخصيات الإسلامية لإيحاءات الفكرة الإسلامية، فإن طريقة استجابة تلك الشخصيات لهذه الإيحاءات مسألة هامة في صياغة شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة، وتفاعلها مع الأحداث، ولن يدرك طبيعة الفكرة الإسلامية ولا طريقة استجابة الشخصيات الإسلامية لها إلا كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها من أعماقه، لكي يكون إدراكه لها ناشئا عن تلبس ضميره بها لا عن رصدها من الخارج بالذهن المتجرد البارد

وبسبب غياب ذلك المنهج وقع بعض المعاصرين من المؤرخين والكتاب والأدباء في تشويه صورة سلف هذه الأمة، وأظهروا الصحابة بمظهر المتكالب على الدنيا وسفك الدماء للوصول إلى الغايات التي ينشدونها من الاستيلاء على الحكم والتنكيل بخصومهم، فتناولوا ذلك بعيدًا عن فهم حقيقة الجيل الذي تربى في مدرسة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبعيدا عن تأثرهم بالإسلام وعقيدته وأصوله، وبسبب تلك الكتابات نشأ جيل لا يعرف عن تاريخه إلا الحروب وسفك الدماء والخداع والمكر والحيلة، وأصبحت صورة الصحابة -رضوان الله عليهم جميعًا- مشوهة، مما جعل بعض المسلمين يرد تلك الأباطيل دون أن يعي الحقيقة؛ بل مجرد أن تلك الأباطيل مسطرة في كتاب زيد أو عمرو من الكُتَّاب

إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بمنهج أهل السنة والجماعة أصبح ضرورة ملحة لأبناء الأمة، وقد بدأت أقلام الباحثين والكُتَّاب تصيغ التاريخ من هذا المنظور، وهم لم يبدأوا من فراغ؛ لأن الله حمى دينه وحمى أمته، فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه ويصحح أخباره، ويكشف الستار عن الوضاعين والكذابين من ملفقي الأخبار، ويرجع الفضل في ذلك التصحيح إلى الله ثم أهل السنة والجماعة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير من الإشارات والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ما وضعه الملفقون

علي محمد محمد الصلابي

Publié dans histoire

Commenter cet article