الحُبُّ
الحُبُّ
حب الله ورسوله دليل على إيمان المرء. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. رواه البخاري
قال البيضاوي : المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرّن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. وعبّر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة. قال : وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المُنعِم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه : فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله. وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا. ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار.
وقال غيره : محبة الله على قسمين فرض وندب
فالفرض المحبة التي تبعث على امتثال أوامره والانتهاء عن معاصيه والرضا بما يقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدّم هوى نفسه. والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع. وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم.
والندب أن يواظب على النوافل ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموما بذلك نادر.
قال : وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مِشْكَاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. وقال الشيخ محيي الدين : هذا حديث عظيم، أصل من أصول الدين. ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول. وإنما قال "مما سواهما" ولم يقل "ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل1.
ومن أحب الله ورسوله أحب إخوانه في الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان. رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني في صحيح أبي داود
وكما يحب المؤمنُ اللهَ تعالى فاللهُ يحب المؤمنين فالمحبة صفة ثابتة لله تبارك وتعالى تليق بجلاله. قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. (سورة المائدة 54)
علامة حب اللهِ لعبده
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض. متفق عليه.
صفات2 يحبها الله تعالى
الإحسان
فالمعلوم أن الدين مراتب: الأولى منه هي مرتبة الإسلام، والثانية هي مرتبة الإيمان، والثالثة هي مرتبة الإحسان؛ وهي أعلى مراتب الدين، ومعنى الإحسان : أن تعبد الله تبارك وتعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما في حديث جبريل الذي هو في الصحيحين3
قال العلامة حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله
وثالث مرتبة هي الإحسـان وتلك أعلاها لدى الرحمن
وهو رسوخ القلب في العرفان حتى يكون الغيب كالعيان4
قال الله تبارك وتعالى : {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة:195)، وقال تبارك وتعالى : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة:13)، وقال جل وعلا : {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134).
التوبة والتطهر
والتوبة هي الرجوع إلى الله تبارك وتعالى بترك معصيته إلى طاعته، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى بالتوبة في كثير من الآيات منها قول الحق تبارك وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التحريم:8)، وقال سبحانه : {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور:31)، وقال تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة:222) قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية : "اختلف فيه فقيل : التوابين من الذنوب والشرك، والمتطهرين أي بالماء من الجنابة والأحداث قاله عطاء وغيره، وقال مجاهد : من الذنوب، وعنه أيضاً : من إتيان النساء في أدبارهن، ابن عطية5. ويقول ابن كثير : قال تعالى : (إن الله يحب التوابين) أي : من الذنب وإن تكرر غشيانه، (ويحب المتطهرين) أي : المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى6.
التقوى
وهي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل كما قال ذلك الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي وصية الله للأولين والآخرين من عباده قال عز وجل : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} (النساء:131)، وهي أيضاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، فعن أبي أمامة صُدى بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال : "سمعت رسول الله يخطب في حجة الوداع فقال : ((اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم))، قال فقلت لأبي أمامة: منذ كم سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ قال: سمعته وأنا ابن ثلاثين سنة"7، وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً.
ومعنى تقوى العبد لربه : أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك بفعل طاعته، واجتناب معاصيه، إذ التقوى سبب لسعادة المرء في الدنيا والآخرة، وقد أخبر تبارك وتعالى أنه يحب المتقين فقال جل جلاله الكريم : {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (آل عمران:76)، وقال الله تبارك وتعالى : {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:4). وعن عامر بن سعد رضي الله عنه قال : كان سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه في إبله فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ، فضرب سعد في صدره فقال : اُسْكُتْ سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي)) رواه مسلم (7621).
الصبر
وهو عادة الأنبياء والمتقين، وحلية أولياء الله المخلصين، وهو ليس حالة جبن أو يأس أو ذل بل هو حبس النفس عن الوقوع في سخط الله تعالى، وتحمل الأمور بحزم وتدبر، ليكون أجر الصابر بغير حساب. قال الله تبارك وتعالى عن أهل الجنة : {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} (الرعد:24)، وفي كتاب الله آية عظيمة كفى بها واعظة ومسلية عند وقوع المصائب والأحزان هي قول الملك العلام : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ٱلاْمَوَالِ وَٱلاْنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155-157) فكلمة "إنا لله وإنا إليه راجعون" علاج ناجع لكل من أصيب بمصيبة دقيقة أو جليلة، وهو اعتراف وإيمان بأن مصير العبد ومرجعه إلى الله تبارك وتعالى مولاه الحق بعد أن يخلف الدنيا يوماً ما وراء ظهره، فمن صبر واحتسب ورضي بقضاء الله وجد الثواب الجزيل، والخير العميم. جاء عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها ؛ إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها))، قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه مسلم برقم (918).
والصبر صفة يحبها الله تبارك وتعالى، ويحب المتصفين بها فقد قال في كتابه الكريم : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146).
التوكل
وهو تفويض الأمر إليه سبحانه، وتعلق القلوب به تبارك وتعالى ؛ وهذا من أعظم ما يتحقق به المطلوب، ويندفع به المكروه، وتقضى به الحاجات، وكلما تمكنت معاني التوكل من القلوب تحقق المقصود أتم تحقيق.
والتوكل صفة يحبها الله تبارك وتعالى من عباده المؤمنين قال الله تعالى : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159).
العدل
وهو اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، ويعني العدل : وضع الأمور في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق حقه. والعدل صفة يحبها الله تبارك وتعالى. قال الله جل جلاله في محكم التنزيل وأصدق القيل : {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة:42)، وقال : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9)، وقال الله تبارك وتعالى : {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8)، بل إن الإمام العادل هو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في الصحيح.
التراص في الصف للقتال
وهو أدعى للثبات عند اللقاء أمام الأعداء، وهو من الصفات التي يحبها الله تبارك وتعالى. قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (الصف:4) قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله في الآية : "ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، كذلك تبارك وتعالى لا يختلف أمره، وإن الله وصف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به"8.
الرفق واللين والحلم والأناة
فمن الصفات التي يحبها الله تبارك وتعالى الرفق واللين، والحلم والأناة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج (أشج عبد القيس) : ((إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم، والأناة)) رواه مسلم برقم (17)، وعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : "دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم، قالت عائشة : ففهمتها، فقلت : وعليكم السام واللعنة، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قلت وعليكم)) رواه البخاري برقم (6024) ومسلم برقم (5784).
معالي الأمور
حيث يحب الله تبارك وتعالى المسارعة إليها فقد جاء في حديث حسين بن علي رضي الله عنهما قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها))9.
محبة من يحب لقاء الله تبارك وتعالى
وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه : "باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" صحيح البخاري (5/2386)، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ." صحيح البخاري 6026.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يمنَّ علينا بطاعة ورضاه، وأن يوفقنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأفعال بمنّه وكرمه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على نبينا محمد وآله وصحبه.
1انظر فتح الباري
2مقتبس من موقع إمام المسجد
3 رواه البخاري برقم (50)؛ ومسلم برقم (8).
4معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (1/41) للعلامة حافظ بن أحمد حكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم ء الدمام، ط1، 1410هـ 1990م.
5الجامع لأحكام القرآن (3/78) للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الشعب ء القاهرة.
6انظر تفسير ابن كثير
7رواه الترمذي برقم (616) وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ وأحمد في المسند برقم (22215) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، تحقق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط2، 1420هـ ء 1999م؛ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (867)، مكتبة المعارف، الرياض.
8جامع البيان في تأويل القرآن (12/81) للإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، تحقق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ 2000م.
9رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (2894)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم ء الموصل، ط2، 1404هـ 1983م؛ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1627).