من الإعجاز البياني في القرآن
من الإعجاز البياني في القرآن

كتب الكثير عن الإعجاز البياني للقرآن،ولست هنا أضيف شيئاً إلى ما قيل، وإنما هي وقفات سريعة تمثل بعض انطباعاتي في هذا المجال
أشرت من قبل في كتاب ((دراسات قرآنية)) إلى ما يطلق عليه ظاهرة التكرار في القرآن وقلت إن التكرار نادر جدا في القرآن الكريم لا يتجاوز آيات معدودة جاءت بنصها في أكثر من سورة ولكن الظاهرة الحقيقية ليست هي التكرار إنما هي التشابه الذي يؤدى إلى التنوع، وقلت إنها كثمار الجنة تبدو لأول وهلة أنها هي هي، ولكنها عند المذاق يتبين الفرق بينها وبين ما كان من قبل: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) ([1])
وهذا التشابه الذي يؤدي إلى التنويع هو ذاته لون من الإعجاز فالموضوع الواحد يعرض مرارا، ولكنه يعرض في كل مرة مختلفا عما سبقه نوعا من الاختلاف، فيكون جديدا في كل مرة، ويكون- مع التلاوة المستمرة للقرآن- متجددا على الدوام
وقد يكون الاختلاف في حرف واحد، ولكنه يغير الصورة!
خذ هذا النموذج: ((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم)) ([2])
((وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم))([3])
هناك نوعان من الاختلاف بين الآيتين – وإن كان موضوعهما واحدا – فالآية الأولى خطاب من الله تبارك وتعالى إلى بنى إسرائيل يذكرهم بنعمه عليهم، ويمن عليهم بأنه نجاهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، والثانية خطاب من موسى عليه السلام إلى قومه يذكرهم بنعم الله عليهم، ويذكرهم بالذات بتلك النعمة الكبرى، وهى تنجيتهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، بالإضافة إلى التغيير في صيغة الفعل: نجيناكم وأنجاكم، أحدهما متعد بالتضعيف والآخر متعد بالهمزة، وأحدهما بضمير المتكلم والثاني بضمير الغائب
ولكن انظر إلى الجزء الخاص بالعذاب الذي كان يوقعه آل فرعون ببنى إسرائيل. إن فيه اختلافا بين الآيتين يحدث تغييرا في الصورة :
((يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم))
((يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم))
إن الفارق بين العبارتين حرف واحد، هو الواو التي جاءت في الآية الثانية قبل كلمة ((يذبحون))، ولكن انظر كم أحدث الحرف الواحد من الاختلاف بين الصورتين!
في الصورة الأولى ينحصر العذاب في قتل الأولاد واستحياء النساء، وفى الثانية يصبح هذا الأمر واحدا فقط من ألوان العذاب التي تصب على بنى إسرائيل، وإن كان السياق يوحي بأنه من أبرزها، وأشدها وأخبثها. إذ أجمل ((سوء العذاب)) وفصل قتل الأولاد واستحياء النساء
ذلك مجرد نموذج ينفي خاطر ((التكرار)) الذي يتوهمه قارئ القرآن لأول وهلة، ويبرز بدلا منه ظاهرة ((التشابه)) التي تؤدي إلى التنويع، والتي تشبه ثمار الجنة الموصوفة في القرآن الكريم
فإذا تدبرنا مجالين بالذات يوهمان بالتكرار للوهلة الأولى، بينما حقيقتهما التشابه وليس التكرار، فذانك هما قصص الأنبياء مع أقوامهم، وصور النعيم والعذاب في اليوم الآخر، وهما من أكثر الموضوعات ورودا في القرآن الكريم، ولكن بشكل مختلف في كل مرة، وذلك – في ذاته – كما أشرنا من قبل لون من الإعجاز، لا يرد بهذه الصورة في كلام البشر المحدودي القدرة في مجال التعبير
خذ هذا النموذج من قصة نوح في ثلاث سور من سور القرآن
من سورة هود :
ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين(25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم(26) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين(27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون(28) و يا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون(29) و يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون(30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين(31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين(32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين(33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون(34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون(35) وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون(36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون(37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون(38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم(39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل(40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم(41) وهى تجرى بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين(42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين(43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك و يا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين ([4])
ومن سورة الأعراف:
لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين(60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين)(61) أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون(62) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون(63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ([5])
ومن سورة الشعراء :
كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون(106) إني لكم رسول أمين(107) فاتقوا الله وأطيعون(108) وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين(109) فاتقوا الله وأطيعون(110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون(111) قال وما علمي بما كانوا يعملون(112) إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون(113) وما أنا بطارد المؤمنين(114) إن أنا إلا نذير مبين(115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين(116) قال رب إن قومى كذبون(117) فافتح بيني وبينهم فتحاً ونجنى ومن معى من المؤمنين(118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون(119) ثم أغرقنا بعد الباقين(120) إن في ذلك لآية وما أكثرهم مؤمنين(121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ([6])
إنها قصة واحدة قصة نوح مع قومه، وجدالهم معه، وردوده عليهم، وتكذيبهم له، وإغراقهم في النهاية ونجاة المؤمنين
ولكن هل هي واحدة في السرد القرآني، أم إنها صور متعددة وإن تشابهت في عمومياتها، وفى بدئها وفى نهايتها؟
إن اختلاف الصور في طرق السرد المختلفة هو في ذاته جمال، لأنه يعطى في كل مرة جوا مختلفا للقصة في نفس القارئ، والسامع، فكأنها قصة جديدة، مع أن الأشخاص هم هم، والوقائع هي هي في النهاية
ولكن القصص في القرآن لا يرد لمجرد القصص، وإن كان مشتملا من الناحية الفنية الجمالية على عناصر الجمال الفني التي تجعل له مدخلا لطيفا إلى النفس، فيكون أبلغ تأثيرا فيها، مما لو كان مجرد فكرة أو قضية تخاطب العقل وحده ولا تخاطب الوجدان
ولكن الروعة في هذا القصص أنه – مع جماله الفني – يؤدى هدفا دعويا مما يشتمل عليه كتاب الدعوة الأعظم، في تناسق كامل بين الهدف الدعوي والجمال الفني.. وإذ كانت الأهداف الدعوية كثيرة ومتعددة ومختلفة، يجيء القصص القرآني في صورة مختلفة في كل مرة، متناسقة مع الهدف المقصود من إيراد القصة، مع توافر الجمال الفني في كل مرة
ولنراجع قصة نوح في السور الثلاث التي أثبتناها منذ قليل، لنرى تناسقها في كل مرة مع الهدف من إيراد القصة
الهدف من إيراد القصة في سورة هود – كما هو مذكور في سياق السورة – ثلاثة أمور: ((ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد(100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التييدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب(101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن فيذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود))([7])
((وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فيهذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين))([8])
فهي إنذار للناس لكى يحذروا عذاب الآخرة ويتقوه .. وهى تثبيت لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهى موعظة وذكرى للمؤمنين
وكان من المناسب لهذه الأهداف الثلاثة تطويل العرض، والإكثار من ذكر التفاصيل فيما وقع بين كل رسول وقومه. وكان ذلك مناسبا بصفة خاصة للهدف المتعلق بتثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يلقى العنت من قومه : من تكذيبهم وجدلهم واللدد في خصومتهم.. فها هو ذا رسول سابق من رسل الله قد لقي مثل ذلك العنت، وصبر عليه، ثم نجاه الله وقضى على الذين كذبوه
أما الهدف في سورة الأعراف – كما جاء في سياق الصورة – فهو هذا البيان: ((وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون(94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون))([9])
فالتركيز هنا هو على الأخذ المباغت، وليس على ما جرى من أحداث بين الرسول وقومه، فلا يركز عليها في السياق
وأما في سورة الشعراء فهدف إيراد القصة – كما هو مذكور في السورة – أن الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بآية تجعلهم يصدقون أنه رسول من عند الله. فجاء التركيز في القصة على الآية، وهى إهلاك المكذبين وتنجية المؤمنين، وليس على تفاصيل الأحداث كما كان الحال في سورة هود
وهكذا يتم للقصة جمالها الفني مع وفائها – في كل مرة – بالهدف من إيراد القصة، وتتنوع الصور في كل مرة بما يناسب سياق العرض
وذلك من الإعجاز
[1] سورة البقرة
[2] سورة البقرة (49)
[3] سورة إبراهيم (6)
[4] سورة هود : (25– 44)
[5] سورة الأعراف : (59-64)
[6] سورة الشعراء : 105- 122
[7] سورة هود : 100- 103
[8] سورة هود : 120
[9] سورة الأعراف : 94، 95
من كتاب لا يأتون بمثله للأستاذ محمد قطب رحمه الله