بطلان قصة ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) سندا ومتنا
بطلان قصة ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) سندا ومتنا
القصة: عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم قال : عذت بمعاذ ، قال : سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته ، فجعل يضربني بالسوط ويقول : أنا ابن الأكرمين ، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ، ويَقْدم بابنه معه ، فقدم ، فقال عمر : أين المصري؟ خذ السوط فاضرب فجعل يضربه بالسوط ، ويقول عمر : اضرب ابن الألْيَمَيْن ، قال أنس : فضرب ، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه ، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه ، ثم قال عمر للمصري : ضع على صلعة عمرو ، فقال : يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني ، وقد اشتفيت منه فقال عمر لعمرو : مُذْ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ (والجملة مشهورة بهذا اللفظ : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟) ، قال : يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني.
التخريج: أخرجها ابن عبد الحكم في " فتوح مصر و أخبارها " صـ 290 ، وأوردها محمد بن يوسف الكاندهلوي في " حياة الصحابة " ( 2 / 88 ) باب : عدل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
قال : وأخرج ابن عبد الحكم عن أنس – رضى الله عنه – ثم ذكر القصة . ثم قال : كذا في "منتخب كنز العمال " ( 4 /420 ). وبالرجوع إلى " كنز العمال فى سنن الأقوال و الأفعال " للعلامة علاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي وجِد أن القصة تقع في " كنز العمال " ( 12 /660 ) ورقم ( 36010 ) وعزاه لابن العبد الحكم أيضاً
تحقيق القصة: هذه القصة منقطعة السند وسندها واه ، ويظهر هذا الانقطاع في السند ، حيث قال ابن عبد الحكم في " فتوح مصر " صـ 290 : حُدثَنا عن أبى عبدة عن ثابت البُناني وحُمَيْد عن أنس ثم ذكر القصة
أولاً: قول ابن عبد الحكم " حُدثَنا عن أبى عبدة " يظهر منها طريقة تحمله للقصة وصيغة الأداء
والمراد بتحمله : بيان طرق أخذه وتلقيه عن الشيوخ. ولفظ الأداء في رواية ابن عبد الحكم للقصة مبنى للمجهول ، وبهذا لم يعرف من الشيخ الذي أخذ عنه وتلقى عنه القصة . وترتب عليه عدم معرفة أبى عبدة الذي روى عنه هذا المجهول وأصبح السند مظلماً بهذه الجهالة . وزاد الجهالة أنه بالبحث عمن روى عن ثابت في " تهذيب الكمال " ( 3 / 244/797 ) وجِد أن عددهم (104 )رواة لم يكن من بينهم أبو عبدة ، وأنه بالبحث عمن روى عن عن حميد في " تهذيب الكمال " ( 5 / 236 / 1507 ) وجِد أن عددهم ( 73) راوياً لم يكن بينهم أبو عبدة. وبهذا التخريج يصبح السند منقطعاً ومظلماً
ثانياً: نكارة المتن
أولاً: قول عمر للمصري : " ضع على صلعة عمرو" قال الله تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) الإسراء : 15 قال ابن كثير في تفسيره ( 5/ 34 ) : " أي لا يحمل أحد ذنب أحد ،ولا يجني جان إلا على نفسه ". وقال القرطبي في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن " 3 / 2676 - دار الغد : أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى ، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها ، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها
ثانياً: أخرج البخاري في " صحيحه " ( 12 / 219 – فتح ) ( ح 6882 ) قال : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبى حسين ، حدثنا نافع بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :أبغض الناس إلى الله ثلاثة : مُلْحِد في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومُطْلِب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه
و " مبتغ في الإسلام سنة جاهلية " والتي يتبين منها نكارة المتن حيث جاء فيها " ضع على صلعة عمرو " وبعض القصاص يوردها بمعنى " أدرها على صلعة عمرو ". لذلك قال الحافظ في الفتح ( مبتغ في الإسلام سنة جاهلية ): أي يكون له الحق عند شخص فيطلبه من غيره ممن لا يكون له فيه مشاركة كوالده ، أو ولده أو قريبه
وقيل المراد : من يريد بقاء سيرة الجاهلية أو إشاعتها أو تنفيذها
وسنة الجاهلية جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه من أخذ الجار بجاره ، والحليف بحليفه ونحو ذلك ، ويلتحق بذلك ما كانوا يعتقدونه ، والمراد منه ما جاء الإسلام بتركه . وقد يحاول البعض تأويل قول عمر و التأويل فرع التصحيح و السند مظلم و مؤاخذة الوالد بفعل ولده سنة الجاهلية
ثالثاً: في هذه القصة يُنْسب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال للمصري وهو يضرب ابن عمرو بن العاص : " اضرب ابن الألْيَمين " . يعنى الألأمين وهذا اللفظ أشد من لفظ ( لئيم ) لأن هناك اللئيم والأَلاَم ولفظ ( اللئيم ) كما في لسان العرب ( 12 / 530 ) معناه : " الدنيء الأصل الشحيح النفس " والتعيير بالأصل لا يجوز لأنه من أمور الجاهلية ،و الشاهد ما أخرجه البخاري في " صحيحه " ( ح 30 ، 2545 ، 6050 ) من حديث أبى ذر قال : إني سابيت رجلاً فعيرته بأمه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يا أبا ذر أعيرته بأمه ، إنك امرؤ فيك جاهلية". قال الحافظ في الفتح ( 1 / 108 ) : ويظهر لي أن ذلك كان قبل أن يعرف أبى ذر بتحريمه فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده فلهذا قال : كما عند البخاري في " الأدب ": على ساعتي هذه من كبر السن ؟ قال : " نعم " ، كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعاً
تنبيه: اشتهرت هذه القصة الواهية على ألسنة القُصَاص والوعاظ والخطباء حتى أوردها عباس محمود العقاد في كتابه " عبقرية عمر" صـ 146 ، 147 طبعة الجهاز المركزي للكتب الجامعية والمدرسية والوسائل التعليمية طبعة سنة ( 1399 هـ - 1979 م ). وقد قدم لها هذا العقاد ليبين أن عمر رضى الله عنه قد يأخذ الوالي أحياناً بوزر ولده أو ذوى قرابته
وهذا الكاتب قد فُتن به الكثير و أخذوا يأخذون من العلم الشرعي مع افتقاره إلى المنهج العلمي
ولأبين صحة ما أقول : ذكر العقاد في كتابه " عمرو بن العاص " صـ 16 طبعة دار الكتاب –بيروت – لبنان قصة للصحابي الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه والصحابية الجليلة أَروْىَ بنت الحارث بن عبد المطلب الهاشمية فقال العقاد : شتم عمرو بن العاص أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بمجلس معاوية فانتهرته قائلة : وأنت يا ابن النابغة تتكلم ( انظر يرحمك الله إلى هذا ) ، وأمك كانت أشهر مغنية تغنى بمكة وأخذهن لأجرة ؟ اربع على ظلَعْك ، واعن بشأن نفسك ، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها ، ولقد ادَََعاك خمسة نفر من قريش كلهم يزعم أنه أبوك ، فسئلت أمك عنهم ، فقالت : كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به
قلتُ : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يُطعن في نسب صحابي ويُنسب إلى الزنا فمنهج العقاد يجعل الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه شتاماً ابن زانية ، والتي تسبه هي الصحابية الجليلة أَروْىَ بنت الحارث بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي – صلى الله عليه وسلم. انظر ترجمتها في " الإصابة في حياة الصحابة " ( 7 / 479 ) لابن حجر ترجمة ( 10282 ). قال الحافظ : ذكرها ابن سعد في " الصحابيات في باب بنات عم النبي – صلى الله عليه وسلم " وذلك لتعرف مدى نكارة هذه القصة
وانظر " الطبقات " لابن سعد ( 8 / 40 ) ترجمة ( 4120 ) أسأل الله أن يكون في هذا البحث الفائدة المرجوة منه و أن ينفع الأخوة به إنه على ذلك قدير
وصلى الله على النبي وآله وصحبه وسلم