العز بن عبد السلام: سلطان العلماء وبائع الأمراء
ولد العز بن عبد السلام (578-660هـ) بدمشق. واشتهر باسم العزّ (أي عزّ الدّين) بن عبد السلام. برز في زمن الحروب الصليبية وعاصر الدول الإسلامية المنشقة عن الخلافة العباسية في آخر عهدها. اشتهر العزّ بالورع والصرامة في دينه، وبقوة شكيمته، وتحمله الشدائد في سبيل مبادئه العليا. وبقيت صورته كذلك إلى يومنا هذا في الذاكرة الجماعية للمسلمين.
نشأته:
كان العز بن عبد السلام يعيش في أسرة فقيرة مغمورة، لم يكن لها مجد أو سلطان أو منصب أو علم، حيث عاش في دمشق، وهي وقتئذ مركز هام للعلم والمعرفة وقبلة للعلماء والفقهاء، وخطُّ مواجهة أماميٌّ مع الصليبيين الغزاة الذين احتلوا مدنًا وحصونًا عديدة في فلسطين وساحل بلاد الشام، كما كانت دمشق ممتلئة بنعم الله وخيراته الوفيرة من ماء عذب وزراعة وصناعة وتجارة درت عليها الرزق الواسع والخير الوفير. في هذه المدنية العريقة ولد العز بن عبد السلام ونشأ في ربوعها وتنسم هواءها وترعرع في أجوائها، وقد انشغلت أسرته بطلب الرزق عن طلب العلم، إلا أن العز كان منذ نشأته الأولى عفيفًا شريفًا يملك نفسًا أبية، إذ لم يعرف عنه أنه امتهن مهنة تزري بصاحبها، أو تحط من شأنه، وكان رحمه الله شابًا متدينًا، متعبدًا رغم فقره وكده على رزقه، ولا أدل على ذلك من مبيته في المسجد الليالي الطوال ينتظر الصلاة؛ كي لا تفوته الجماعة، أو يغيب عن الصلاة والعبادة فيه. وفي كنف تلك المدينة العظيمة، وفي ظل بيوت الله عز وجل نشأ هذا الشاب العابد الورع التقي، ليخرج لهذه الأمة عالمًا جليلًا ومفتيًا عظيمًا.
ولما نشأ هذا العالم الجليل في ظل أسرة فقيرة، فقد كانت حياته مليئة بالعقبات والصعوبات، ولم تكن حياة مترفة منعمة، ويروي الإمام السبكي في طبقات الشافعية طرفًا من ذلك فيقول: (كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيرًا جدًا، ولم يشتغل إلا على كِبَرٍ، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلاسة ـ وهي زاوية في الجانب الشمالي من جامع دمشق ـ فبات بها ليلة ذات بردٍ شديد فاحتلم، فقام مسرعًا ونزل في بِركة الكلاسة؛ فحصل له ألمٌ شديدٌ من البرد. وعاد فنام فاحتلم ثانيًا فعاد إلى البركة؛ لأن أبواب الجامع مغلقة وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأغمي عليه من شدة البرد ... ثم سمع النداء في المرة الأخيرة: "يا ابن عبد السلام، أتريد العلم أم العمل؟ فقال الشيخ عزُّ الدين: "العلمَ؛ لأنه يهدي إلى العمل"، فأصبح وأخذ التنبيه فحفظه في مدة يسيرة، وأقبل على العلم، فكان أعلم أهل زمانه ومن أعبد خلق الله تعالى) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/107)].
من يومها قصد العز العلماء، وجلس في حلقاتهم، ينهل من علومهم، ويكب على الدراسة والفهم والاستيعاب، فاجتاز العلوم بمدة يسيرة. وكان أكثر تحصيله للعلم في دمشق، ولكنه ارتحل أيضًا إلى بغداد في ريعان شبابه عام 597هـ وأقام بها أشهرًا، يأخذ العلوم والمعارف، ثم عاد إلى دمشق.
ثباته على الحق:
وفي ثباته على كل حق مواقف عدة، أول تلك المواقف والأحداث كان مع أمير دمشق "الصالح إسماعيل" المعروف بـ "أبي الخيش"، حيث (استعان أبو الخيش بالفرنجة وأعطاهم مدينة صيدا وقلعة الشَّقيف؛ فأنكر عليه الشيخ عز الدين وترك الدعاء له في الخطبة وساعده في ذلك الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب المالكي، فغضب السلطان منهما فخرجا إلى الديار المصرية في حدود سنة تسع وثلاثين وستمائة. فلما مرّ الشيخ عز الدين بالكَرك تلقَّاه صاحبها وسأله الإقامة عنده، فقال له: "بلدك صغيرٌ على علمي"، ثم توجه إلى القاهرة فتلقَّاه سلطانها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وأكرمه وولاه خطابة جامع عمرو ابن العاص بمصر والقضاء بها وبالوجه القبلي مدَّة) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/105)].
وأما الموقف الثاني فكان بمصر، وهو ذلك الموقف الذي ينقله لنا الإمام السيوطي في كتابه "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" فيقول: (لما تولى الشيخ عز الدين القضاء تصدى لبيع أمراء الدولة من الأتراك، وذكر أنه لم يثبت عنده أنهم أحرار، وإن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، فعظم الخطب عندهم، واحتدم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعًا ولا شراءً ولا نكاحًا، وتعطلت مصالحهم لذلك. وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستثار غضبًا، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلسًا، وننادي عليكم لبيت مال المسلمين، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه فلم يرجع، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه، فانزعج النائب، وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ، ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟! والله لأضربنه بسيفي هذا. فركب بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ، فرأى من نائب السلطنة ما رأى، وشرح له الحال، فما اكترث لذلك، وقال: يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج. حين وقع بصره على النائب يبست يد النائب، وسقط السيف منها، وأرعدت مفاصله، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدي إيش ـ أي ماذا ـ تعمل؟ فقال: أنادي عليكم وأبيعكم، قال: ففيم تصرف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: من يقبضه؟ قال: أنا. فتمَّ ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا، وغالى في ثمنهم ولم يبيعهم إلا بالثمن الوافي، وقبضه وصرفه في وجوه الخير) [حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، السيوطي، (1/269)]، ومن يومها صار العز بن عبد السلام "بائع الأمراء" بحق.
وفي إنكاره على السلاطين تروي كتب التاريخ موقفًا عظيمًا، فقد (طلع عز الدين مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة وما السلطانُ فيه يوم العيد من الأبَّهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراء تُقبِّلُ الأرض بين يدي السلطان. فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه: "يا أيوبُ، ما حُجَّتُك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملكَ مصر ثم تبيح الخمور؟"، فقال: "هل جرى هذا؟"، فقال: "نعم، الحانة الفُلانية يباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة"، يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون ... فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/106)].
وأيضا من أهم مواقفه فتواه الشهيرة ودورها في انتصار عين جالوت، ومن ذلك أن السلطان وعساكره عندما دهمت التتار البلاد عقب وقعة بغداد، استشاروا الشيخ فقال: (اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل وأنا أريد أن أقترض من التجار، فقال الشيخ عز الدين: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام وضربته سكة ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/109)]. وكان في مجلس السلطان كبار العلماء والفقهاء والقضاة، فكان الرأي ما ذهب إليه ابن عبد السلام حيث قال: (إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على الإمام قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص المذهبة، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوب وسلاحه ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقائه في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا) [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري، (2/269)]. وكانت النتيجة باهرة، حيث (نفذ الملك والأمراء والجند فتوى العز وامتثلوا أمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم، وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئًا في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال وضربت سكت ونقدًا وأنفقت في تجهيز الجيش، ولم تكفِ هذه الأموال نفقة الجيش أخذ السلطان قطز دينارًا واحدًا من كل رجل قادر في مصر، فجمع بذلك الأسلوب الفريد المال الحلال الذي لا ظلم ولا عدوان فيه، ومع الاستعداد النفسي الذي قام به العـز وإخوانه من العلماء تنزَّل نصر الله على عباده المؤمنين، وهزم الله التتار في عين جالوت سنة 658ﻫـ) [فتاوى شيخ الإسلام العز بن عبد السلام، ص(120)].
ومن أسباب النصر شعور الناس بقيمة العدل التي ساهمت في جعل روح جديدة تسري في كيان الشعب المسلم تحت قيادة السلطان قطز، من خلال الفتاوى الفذة التي أفتى بها الشيخ العز بن عبد السلام، وهكذا كانت مواقف العز بن عبد السلام من حكام عصره، في حياته المديدة كلها آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، صادعًا بالحق، حربًا على الباطل وأهله.
وتكرر هذا الأمر منه عند بيعة الظاهر بيبرس حين استدعى الأمراء والعلماء لبيعته، وكان من بينهم الشيخ العز، الذي فاجأ الظاهر بيبرس والحاضرين بقوله: يا ركن الدين أنا أعرفك مملوك البندق دار -أي لا تصح بيعته؛ لأنه ليس أهلا للتصرف- فما كان من الظاهر بيبرس إلا أن أحضر ما يثبت أن البندق دار قد وهبه للملك الصالح أيوب الذي أعتقه، وهنا تقدَّم الشيخ فبايع بيبرس على الملك.وكان الظاهر بيبرس على شدته وهيبته يعظم الشيخ العز ويحترمه، ويعرف مقداره، ويقف عند أقواله وفتاواه، ويعبر السيوطي عن ذلك بقوله: وكان بمصر منقمعًا، تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع أن يخرج عن أمره حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن.
مؤلفاته:
للعز بن عبد السلام رحمه الله مؤلفات كثيرة منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط فله كتاب الإلمام في أدلة الأحكام، وترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام، وله كتاب في التفسير، وكتاب شجرة المعارف، وله كتاب في العقيدة سمّاه عقائد الشيخ عز الدين وشرحه الإمام ولي الدين محمد بن أحمد الديباجي، وله كتاب الفتاوى الموصلية، وله كتاب القواعد الكبرى في فروع الشافعية قال عنه صاحب كشف الظنون: وليس لأحد مثله، وكتاب كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار، وله كتاب الغاية في اختصار النهاية.
وقد وشملت مؤلفات الشيخ التفسير وعلوم القرآن والحديث والسيرة النبوية، وعلم التوحيد، والفقه وأصوله والفتوى.
منهجه في البحث:
اهتم الشيخ عز الدين بوضع أصول للفقه، فألف كتابه قواعد "الأحكام في مصالح الأنام" وقد ضمنه كثيرا من القواعد الفقهية. وقال في أوله: "الشريعة كلها إما درء مفاسد أو جلب مصالح. فإذا سمعت الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا فلا تجد إلا خيرا يحثك عليه أو شرا يزجرك عنه أو جمعا بين الحث والزجر. وقد أبان الله تعالى ما في بعض الأحكام من المفاسد فحث على اجتناب المفاسد وما في بعض الأحكام من المصالح فحث على إتيان المصالح."
ثم يقول: أما مصالح الدنيا "الدنيا والآخرة" وأسبابها ومفاسدها وأسبابها فلا تعرف إلا بالشرع. فإن خفي طلب بأدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال الصحيح. أما مصالح الدنيا وأسبابها ومقاصدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات. فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته. ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد فليعرضها على العقل.
فهو يدعو إلى إعمال العقل في استنباط الأحكام، وفي التعرف على المصالح. وهو يرى أن الأحكام إن لم يمكن استنباطها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، فيجب استنباطها بما يحقق مصلحة ويدرأ مفسدة. والعقل هو أداة هذا الاستنباط.
ثناء العلماء عليه:
قال عنه الذهبي: بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن النكر والصلابة في الدين، وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرّج به أئمة.
وقال عنه ابن دقيق العيد: كان ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء.
وقال عنه السيوطي: شيخ الإسلام، سلطان العلماء،.... وبرع في الفقه والأصول والعربية...، مع الزهد والورع، وبلغَ رتبةَ الاجتهادِ.
وقال عنه ابن السبكي: شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها.
وقال عنه الصفدي: قرأ الأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب وبلغ رتبة الاجتهاد،وقصده الطلبة من البلاد، وتخرج به أئمة، وله الفتاوى السديدة... وكان ناسكاً ورعاً أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم.
المصدر
http://tellamrkhaled.com/pages/page_tak_ezz.html
شاهد الفيديو
http://www.islamstory.com/العز_بن_عبد_السلام_وقرار_نهي_السلطان_عن_معاونة_الصليبيين_فيديو