عبد الله بن ياسين

Publié le par connaitre islam

 

من نعم الله على هذه الأمة أن يبقى فيها جماعة قائمين على الحق، مجاهدين في سبيل الله. عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. رواهمسلم

وأخرج مسلم من حديث جابر بن سمرة، رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ

 

ومن بشريات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعود الخلافة على منهج النبوة بعد الملك الجبري الذي نحن فيه. فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال : كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال : يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة،ثم سكت. رواه الإمام أحمد والطيالسي والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري ، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط. انظر شرح الحديث في هذه الصفحة

 

ومن نعم الله على هذه الأمة أن الله يبعث فيها مجددين لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا. رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه السخاوي في المقاصد الحسنة، والألباني في السلسلة الصحيحة

 

من هؤلاء المجددين عبد الله بن ياسين الملقب بالزعيم الديني لدولة المرابطين. إننا في زمان كثر فيه الظلم، وصارت الشعوب تطمح فيه لاسترداد حريتها المسلوبة أشد ما نكون حاجة للاستفادة من تجارب أولئك المجددين المجاهدين. فمن هو عبد الله بن ياسين

نشأ الشيخ عبد الله بن ياسين في طلب العلم، فقد كان من طلبة أوكاد بن زلوه اللمطي، في داره، التي بناها بالسوس للعلم والخير، وسماها دار المرابطين، ويتضح أن الشيخ عبد الله بن ياسين كان لديه من الصفات القيادية، والشخصية، والأخلاقية التي أهلته لأن يبعثه شيخه مع جوهر بن سكن ليعلم قومه، إذ كان الدين عندهم قليلاً، وأكثرهم جاهلية، وليس عند أكثرهم غير الشهادتين

بدأ عبد الله بن ياسين دعوته في شرح الإسلام للناس وشرح عقائدهم، وبيان فضل الإسلام، واستجاب الناس لدعوة عبد الله بن ياسين إلا أنهم سرعان ما أجهضوها، وقالوا أما الصلاة والزكاة فقريب، وأما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فلا نلتزمه، فاذهب إلى غيرنا، وما كان عبد الله بن ياسين يقبل هذا الأمر الذي يقسم الدين ويؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه فتحول عنهم إلى قبيلة أخرى، وظل على ذلك حتى صارت دعوته من الدعوة الفردية القليلة الأنصار إلى جماعة كبيرة بلغ تعدادها في بادئ الأمر ألف رجل فبدأ عبد الله بن ياسين بتوجيه هؤلاء الرجال بالتوجه إلى قبائلهم ودعوتهم للإسلام، ومن هنا بدأت دعوته في الانتشار

بدأ عبد الله بن ياسين مرحلته الثانية وهي مرحلة الجهاد بالسيف بعد أن جاهد وبلغ بالكلمة، وتزامنت هذه الدعوة مع بداية ظهور ملامح الدولة

بدأت ملامح الدولة تظهر؛ فبعد أن نظم ابن ياسين جانب الدعوة وجانب العبادة نلاحظ أنه سرعان ما التفت إلى الجانب الاقتصادي، حيث أمرهم بالصلاة والزكاة وأداء العشر، واتخذ لذلك بيت مال يجمع فيه ما يرفع إليه من ذلك

كما ركز على الجانب العسكري حيث أخذ في اشتراء السلاح وإركاب الجيوش التي ألقي على كاهلها حماية خطاب ودعوة المرابطين وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد التي سيطروا عليها

وكذلك لم يتجاهل عبد الله بن ياسين الجانب العلمي حيث بعث بمال دَثْر مما اجتمع لديه من الزكوات والأعشار والأخماس إلى طلبة العلم ببلاد المصامدة

يقول الدكتور حامد خليفة منوهًا بصنيع هذا البطل : إن هذه الالتفاتة نحو طلبة العلم لهي إحدى روائع ابن ياسين، حيث لم يشغله عن هذا الجانب مسائل الإمارة الفتية، ولا المشاركة في الأعمال العسكرية وقيادة الجيوش وإعدادها، ولهذا كان لها أطيب الأثر في النفوس، ولاقت الارتياح التام في الأوساط العلمية المتمثلة بالربط والمدارس الفقهية آنذاك

وبعد أن ظهرت ملامح الدولة فلا بد لها من قيادة تحكمها فأقام الشورى لاختيار قائد يقود هذه الجماعة المرابطة، ولقد عزموا على اختياره أميرًا إلا أنه رفض فاسقر رأيهم على ولاية أبي بكر بن عمر

وكان عبد الله في ذلك الوقت الذي بدأت تظهر فيه هذه الجماعة في صورة دولة يبث فيهم العلم والسنة، ويقرئهم القرآن، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء. وكان يعظهم ويخوفهم، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم، وكثر الدين والخير في أهل الصحراء



ولما قويت شوكتهم خافت منهم القبائل الغير مسلمة فتألبت عليهم أحزاب الصحراء من أهل الشر والفساد، وجيشوا لحربهم، فلم يناجزوهم القتال، بل تلطف عبد الله بن ياسين وأبو بكر واستمالوهم، وبقي قوم أشرار، فتحيلوا عليهم حتى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق، وتركوهم فيه أيامًا بغير طعام، وحصروهم فيه، ثم أخرجوهم وقد ضعفوا من الجوع وقتلوهم. فدانت لأبي بكر أكثر القبائل وقويت شوكته. واستقامت للمرابطين بلاد الصحراء بجملتها وما وراءها من بلاد المصامدة، والقبلة، والسوس، بعد حروب كثيرة. ثم خرج بالناس لجهاد برغواطة الكفرة. فغزاهم مع أبي بكر بن عمر، في جمع عظيم من المرابطين، والمصامدة. قيل إنهم كانوا في نحو خمسين ألف راجل، وراكب

وصل الخبر إلى عبد الله بن ياسين ما عليه أهل برغواطة من معتقدات فاسدة؛ فقد كانوا يبيحون التزوج بأكثر من أربع نسوة، ويتعاملون بالسحر، وحرموا أكل كل رأس، وأكل الدجاج وغير ذلك مما كانوا عليه، فرأى أن الواجب تقديم جهادهم على جهاد غيرهم، فسار إليهم في جيوش المرابطين، فكانت بين ابن ياسين وأمير برغواطة ملاحم عظام، مات فيها من الفريقين خلق كثير، وأصيب عبد الله بن ياسين، فقضى بذلك نحبه، فاستشهد رحمه الله تعالى

وبعد وفاته قام أبو بكر بن عمر لقتال برغواطة حتى أخذ الثأر منهم، فأثخن فيهم قتلاً وسبيًا حتى تفرقوا في المكامن والغياض، واستأصل شأفتهم، وأسلم الباقون إسلامًا جديدًا، ومحا أبو بكر بن عمر أثر دعوتهم من المغرب، وجمع غنائمهم وقسمها بين المرابطين، وعاد إلى مدينة أغمات



لقد قام المرابطون بخدمة كبرى للأمة بأجمعها، حيث أنيرت هذه الزاوية المظلمة بمبادئ الحق، وأصبحت جزءًا من كيان الأمة، وثغرًا من ثغورها الصامدة، فضلاً على أنهم مَهَّدوا الطريق لربط أقاليم المغرب فيما بينها بعد إزالة الكيان الغريب في تركيبه وتفكيره، ومن ثَمَّ تكوين الدولة الواحدة التي تخضع لقيادة واحدة وقانون واحد



من كلماته

لعبد الله بن ياسين موقف عظيم سجله التاريخ إلى يومنا هذا، ويتجلى في الوصية التي قدَّمها لإخوانه المرابطين وهو على فراش الموت، يقول فيها : يا معشر المرابطين، إنكم في بلاد أعدائكم؛ وإني ميت في يومي هذا لا محالة؛ فإياكم أن تجبنوا أو تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم وكونوا ألفة وأعوانًا على الحق، وإخوانًا في ذات الله تعالى؛ وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة؛ فإن الله يوتي ملكه من يشاء من خلقه ويستخلف في أرضه من أحب من عباده؛ ولقد ذهبت عنكم؛ فانظروا من تقدمونه منكم يقوم بأمركم ويقود جيوشكم ويغزو عدوكم، ويقسم بينكم فيئكم، ويأخذ زكاتكم وأعشاركم

ومن كلماته لما ندب المرابطين إلى جهاد من خالفهم من قبائل صنهاجة وقال لهم : معشر المرابطين، إنكم اليوم جمع كثير نحو ألف رجل! ولن يغلب ألف من قلة! وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى، وهداكم إلى صراطه المستقيم، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، بأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتجاهدوا في الله حق جهاده



وقوي المرابطون حتى وصلوا إلى الأندلس التي كانت على وشك السقوط في يد ألفونسو السادس. ففي سنة 478 هـ/ 1085م يعبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ويتحد مع الأندلسيين ويهزم ألفونسو في موقعة "الزَّلاَّقة" ويوحد المغرب والأندلس تحت راية واحدة، وبعد وفاة يوسف بن تاشفين حرر المسلمون الكثير من الأراضي الإسلامية المحتلة



لنا في هؤلاء الجيل الصالح قدوة إذا أردنا أن نعلم ما ينبغي علينا فعله لنخرج من أزماتنا. إنها العودة إلى الإسلام، الرجوع إلى الله بصدق. إنه طلب العلم والجهاد والصبر والتجرد لله والترفع عن سفساف الأمور. والله ولي التوفيق

للمزيد عن دولة المرابطين وعبد الله بن ياسين

Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article