فصل في أنواع الحديث من حيث عدد الرواة
قَسَّمُوهُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إلى قِسْمَيْنِ رَئِيْسِيَيْنِ :
1- الْمُتَوَاتِرُ : وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيْفِهِ عَلَى رَأْيَيْنِ :
الأَوَّلُ : هُوَ الاِعْتِبَارُ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الرُّوَاةِ في تَعْرِيْفِهِ كَحَدٍ فَاصِلٍ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَغَيْرِهِ ، فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ خَمْسَةً ، وَبَعْضُهُمْ سَبْعَةً ، وَبَعْضُهُمْ عَشَرَةً ، وَبَعْضُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَةَ، وَبَعْضُهُمْ عِشْرِيْنَ ، وَبَعْضُهُمْ أَرْبَعِيْنَ ، وَبَعْضُهُمْ سَبْعِيْنَ ، وَبَعْضُهُمْ ثَلَثَ مِائَةِ وَّبِضْعَةَ عَشَرَةَ ، وَبَعْضُهُمْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ مِائَةً ، وَبَعْضُهُمْ خَمْسَ عَشَرَةَ مِائَةً ، وَبَعْضُهُمْ سَبْعَ عَشَرَةَ مِائَةً ، وَبَعْضُهُمْ مَا لاَ يَحْوِيْهِمْ بَلَدٌ ، وَبَعْضُهُمْ جَمِيْعَ الأُمَّةِ كَالإِجْمَاعِ ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ الأَقْوَالِ الكَثِيْرَةِ الْمُضْطَرِبَةِ وَالفَاسِدَةِ .
وَالثَّانِي : هُوَ الاِعْتِبَارُ بِحُصُولِ الْعِلْمِ وَالْيَقِيْنِ ؛ فَكُلُّ مَا أَفَادَ الْيَقِيْنَ فَهُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَهُمْ ، سَوَاءٌ أَحَصَلَ الْعِلْمُ لِكَثْرَةِ عَدَدٍ أَمْ لِصِفَاتِ الضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ وَالْعَدَالَةِ ؛ إِذِ الصِّفَاتُ عِنْدَهُمْ تَقُومُ مَقَامَ الْعَدَدِ مِنَ الرُّوَاةِ .
وَهذَا اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَّة وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الأَثِيْرِ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ الشُّوكَانِيُّ : وَهذَا قَولُ الْجُمْهُورِ .
2- خَبَرُ الوَاحِدِ : وَهُوَ مُقَابِلُ الْمُتَوَاتِرِ ؛ فَتَعْرِيْفُهُ عَلَى الرَّأْيِ الأَوَّلِ : مَا قَلَّ عَدَدُهُ عَن أَعْدَادِ التَّوَاتُرِ الْمَذْكُورَةِ .
وَأَقْسَامُهُ ثَلاَثَةٌ :
الْمَشْهُورُ : وَهُوَ مَا رَوَاهُ ثَلاَثَةٌ فَأَكْثَر ، حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدَ أَعْدَادِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَذْكُورَةِ .
الْعَزِيْزُ : وَهُوَ مَا لَمْ يَقِلَّ عَدَدُ رُوَاتِهِ عَنِ اثْنَيْنِ ، وَإنْ زَادَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الطِّبَاقِ .
الْغَرِيْبُ : وَهُوَ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيْعِ طِبَاقِ السَّنَدِ أَوْ بَعْضِهَا .
وَعَلى الثَّانِي : مَا أَفَادَ الظَّنَ .
قُلْتُ : الأَصْلُ الثَّابِتُ الصَّحِيْحُ فِي قُبُولِ الأَخْبَارِ وَالَّذِي نَزَلَ بِهِ الشَّرْعُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ عِنْدَ أَصْحَابِ العُقُولِ الصَّحِيْحَةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيْمَةِ ، هُوَ السُّكُونُ وَالطُّمْأَنِيْنَةُ وَالْقَطْعُ بِأَخْبَارِ الثقات الْمَعْرُوفِيْنَ عِنْدَهُمْ بِالصِّدْقِ والأَمَانَةِ وَالاِعْتِدَالِ ، مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ بِإِثَارَةِ الظُّنُونِ وَالوَسَاوِسِ حَوْلَهَا بِحُجَّةِ تَجْوِيْزِ الْعَقْلِ لأَنْوَاعٍ مِنَ الاِحْتِمَالِ ، إِلاَّ فِي مُلاَبِسَاتٍ مُعَيَّنَةٍ وَظُرُوفٍ خَاصَّةٍ بِالْخَبْرِ تَدُلُّ عَلَى خِلاَفِ ذلِكَ ، فَحِيْنَئِذٍ كَانُوْا يَلْجَئُوْنَ إِلَى التَّثَبُّتِ بِوَسَائِلَ أُخْرَى .
أَمَّا تَقْسِيْمُ الأَخْبَارِ إِلى تَوَاتُرٍ وَآحَادٍ ثُمَّ تَعْلِيْقُ إِفَادَةِ الْقَطْعِ وَاليَقِيْنِ كُلِّهِ مَعَ الْمُتَوَاتِرِ وَالظَّنِ كُلِّهِ مَعَ الآحَادِ فَلَيْسَ أَصْلاً مِنْ أُصُولِ الْمُسْلِمِيْنَ .
وَإنَّمَا هِيَ أَقْسَامٌ وَتَقْسِيْمَاتٌ وَمُقَدِّمَاتٌ وَنَتَائِجُ تَكَلَّمَ فِيْهَا مَنَاطِقَةُ اليُونَانِ أَوَّلاً ، وَتَأَثَّرَ بِهَا فِيْمَا بَعْدَ ذلِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالفُقَهَاءُ وَالأُصُولِيُّونَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ الَّذِيْنَ دَرَسُوا كُتَبَ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ اليُونَانِيَّةِ فَتَكَلَّمُوا بِلِسَانِهَا وَسَلَّمُوا لِنَتَائِجِهَا وَتَمَسَّكُوا بِكُلَّيَاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا تَمَسُّكَ الْمُقَلِّدِ الأَعْمَى .
ثُمَّ حُكَمَاءُ اليُونَانِ إِذْ قَسَمُوا أَخْبَارَهُمْ إِلى تَوَاتُرٍ وَآحَادٍ وَحَكَمُوا بِالْقَطْعِ لِلْمُتَوَاتِرِ وَالظَّنِّ لِلآحَادِ كَانُوا عَلَى نَوْعِ مِنَ الْمَعْقُولِيَّةِ ، حَيْثُ أَنَّ مُجْتَمَعَهُمْ عَلى فَسَادٍ فِي الْعَقِيْدَةِ ، وَانْهِيَارٍ فِي الْخُلُقِ وَالسُّلُوكِ ، وَدِمَارٍ لِلْقِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ ، وَمُقْتَضِيَّاتِ التَّثَبُّتِ وَالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ فِي الأَخْبَارِ وَغَيْرِهَا .
وَهُمْ مَعَ ذلِكَ حَكَمُوا عَلى أَخْبَارِ آحَادِهِمْ بِالظَّنِّ، وَكَانَ الْحَقُّ يَعْنِي أَنْ يُحْكَمَ عَلى أَخْبَارِ أَمْثَالِ هؤُلاء بِالشَّكِّ لاَ بِالظَّنِّ .
أَمَّا فَلاَسِفَةُ الإِسْلاَمِ وَحُكَمَاءُ الأُصُولِ إِذْ حَكَمُوا عَلى أَخْبَارِ رُوَاةِ الْحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيْفِ الَّذِيْنَ هُمْ زُبْدَةُ الْمُجْتَمَعِ الإِسْلاَمِيِّ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلى غَايَةِ مِّنَ الْعَدَالَةِ وَالتُّقَى ، وَعَلى ذِرْوَةِ مِّنَ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ وَالتَّيَقُّظِ وَالذَّكَاءِ ، وَعَلى قِمَّةِ مِّنَ الأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ وَالصَّفَاءِ بِنَفْسِ حُكْمِ الْمُجْتَمَعِ الْفَاسِدِ وَهُوَ الظَّنُّ ،لَمْ يُنْصِفُوا مَعَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْحَقِّ وَالتَّحْقِيْقِ .
بَلْ فِي قَوْلِهِمْ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ - أَعْنِي بَيْنَ خَبَرِ الْمُجْتَمَعِ الْفَاسِقِ وَالْفَاسِدِ وَبَيْنَ خَبَرِ رُوَاةِ الْحَدِيْثِ الأَتْقِيَاءِ العُدُولِ - إِهْدَارٌ لِلْقِيَمِ الإِسْلاَمِيَّةِ السَّامِيَةِ وَالنَّبِيْلَةِ كُلِّهَا فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهذَا وَاللهِ جَوْرٌ كَبِيْرٌ وَظُلْمٌ عَظِيْمٌ يَا أَخَوَانِي الْمُسْلِمِيْنَ .