متى صار إبراهيم عليه السلام إماما يُقتدى به؟

Publié le par Alain

متى صار إبراهيم عليه السلام إماما يُقتدى به؟

قال تَعَالَى : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) سورة البقرة.

وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ ابْتِلَاءَ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، أَيِ اخْتِبَارُهُ لَهُ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (فَأَتَمَّهُنَّ) أَيْ قَامَ بِهِنَّ كُلِّهِنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : (وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى) [النَّجْمِ : 37]، أَيْ وَفَّى جَمِيعَ مَا شَرَعَ لَهُ، فَعَمِلَ بِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى : (بِكَلِمَاتٍ) أَيْ بِشَرَائِعَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ تُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَلِمَاتُ الْقَدَرِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التَّحْرِيمِ : 12]. وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [لَا مُبَدِّلَ لِكَلَمَاتِهِ]) [الْأَنْعَامِ : 115] أَيْ كَلِمَاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ. وَهِيَ إِمَّا خَبَرُ صِدْقٍ، وَإِمَّا طَلَبُ عَدْلٍ إِنْ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) أَيْ : قَامَ بِهِنَّ. قَالَ : (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أَيْ جَزَاءً عَلَى مَا فَعَلَ، كَمَا قَامَ بِالْأَوَامِرِ وَتَرَكَ الزَّوَاجِرَ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، وَيُحْتَذَى حَذْوهُ.

أي أن الحق تبارك وتعالى ائتمنه أن يكون إماماً للبشر. والله سبحانه كان يعلم وفاء إبراهيم ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى عباده المقربين وكيف يكونون أئمة يتولون قيادة الأمور.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : الْكَلِمَاتُ التِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ فَأَتَمَّهُنَّ : فِرَاقُ قَوْمِهِ فِي اللَّهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفَارَقَتِهِمْ. وَمُحَاجَّتُهُ نُمْرُوذَ فِي اللَّهِ حِينَ وَقَفَهُ عَلَى مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرِ الْأَمْرِ الذِي فِيهِ خِلَافُهُ. وَصَبْرُهُ عَلَى قَذْفِهِ إِيَّاهُ فِي النَّارِ لِيَحْرِقُوهُ فِي اللَّهِ عَلَى هَوْلِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَالْهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطَنِهِ وَبِلَادِهِ فِي اللَّهِ حِينَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُمْ، وَمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيَافَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ، فَلَمَّا مَضَى عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كُلِّهِ وَأَخْلَصَهُ لِلْبَلَاءِ قَالَ اللَّهُ لَهُ : (أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلَافِ النَّاسِ وَفِرَاقِهِمْ.

يقول الشيخ الشعراوي : وكونه يلقى في النار ولا يبالي، يأتيه جبريل فيقول ألك حاجة فيرد إبراهيم أما إليك فلا، وأما إلى الله فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي. وكونه وهو شيخ كبير يبتلى بذبح ابنه الوحيد فيطيع بنفس مطمئنة ورضا بقدر الله. لقد نجح إبراهيم عليه السلام في كل ما ابتلي به أو اختبر به. والله كان أعز عليه من أهله ومن نفسه ومن ولده.

يقول محمد الطاهر ابن عاشور : وَأَعْظَمُ ذَلِكَ أَمْرُهُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ فِي الرُّؤْيَا، وَقَدْ سُمِّيَ ذَلِكَ بَلَاء فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وَقَوْلُهُ "فَأَتَمَهُنَّ" جِيءَ فِيهِ بِالْفَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ فِي الِامْتِثَالِ وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْعَزْمِ، وَالْإِتْمَامُ فِي الْأَصْلِ الْإِتْيَانُ بِنِهَايَةِ الْفِعْلِ أَوْ إِكْمَالُ آخِرِ أَجْزَاءِ الْمَصْنُوعِ.

 

تفسير ابن كثير

تفسير الشعراوي

التحرير والتنوير

 

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article