علماء السوء من شرح العقيدة الطحاوية

 

علماء السوء من شرح العقيدة الطحاوية

الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي

من درس: الاعتراض على الله وطرقه


 
علماء السوء هم الباب الثاني من أبواب الفساد، فـالخديوي لما جاء بالقانون عرضه على بعض علماء السوء، فَقَالُوا: كل ما في هذا القانون من مواد لا تخرج عن المذاهب الأربعة، ولابد أن توافق أحد المذاهب الأربعة ولو بوجه من الوجوه، ولو برأي أو قول ضعيف في مذهب أَحْمَد أو الشَّافِعِيّ أو مالك أو أبي حنيفة ، فلا مانع من أن يقرَّ في بلاد الْمُسْلِمِينَ، فأقر هذا القانون بناءً عَلَى ذلك، فاتفق أصحاب السياسة، وعلماء السوء عَلَى إقرار هذا القانون وإدخاله إِلَى بلاد الْمُسْلِمِينَ.

والدولة العثمانية أدخلت النظم الغربية شيئاً فشيئاً، وكان أول ما أدخل قانون القناصل ومحاكم القناصل، فقد كانت لـأوروبا قناصل في العالم الإسلامي، وكان القناصل يحكمون بين رعاياهم فقط، ولكن أحكامهم وقوانينهم توسعت حتى أصبحت تحكم بين الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَاءَ السلطان سليمان ، وكان من أكبر وأعظم السلاطين في الحرب والقوة العسكرية، لكنه أتى من باب الجهل بالدين، ومن باب أيضاً سكوت علماء السوء، فأدخل القوانين، ولهذا سماه الغربيون، سليمان القانوني ، وأدخلها باسم "تنظيمات" تحاشياً من أن يُقال قانون، فيُقَالُ: القوانين كفر، أو القوانين لا تجوز، فسموها تنظيمات، وجعلوها أنظمة، نظام التجارة، حتى نظام العقوبات الجنائية، بدَّل فيه كثيراً من الأحكام عن غير ما أنزل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

 ثُمَّ استمر الوضع شيئاًَ فشيئاً حتى جَاءَ الأوروبيون الصليبيون الجدد -الذين يسمون المستعمرين- واحتلوا العالم الإسلامي وفرضوا القوانين بالقوة وألغوا الشريعة الإسلامية، ابتداءً من الهند ، التي كانت تحكم بالشريعة الإسلامية، وكان ملوك المغول هم حكام الهند لكن كما سبق في البيت الأول، "وقد يورث الذل إدمانها" عندما أذنب الْمُسْلِمُونَ في الهند وأقاموا الأضرحة الكبيرة، وانحرفوا عن دين الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وعظموا الأولياء والموتى، وتركوا العقيدة الصحيحة، وتركوا الأكثرية تعبد البقر وهم يحكمونهم بشريعة الإسلام سُبْحانَ اللَّه!!.

أين أنتم تحكمون أمةً تعبد البقر وتعبد الأصنام، ولم تتحركوا لإدخالهم في الإسلام وقد حكمتم البلاد ثمانمائة سنة؟! فلما جَاءَ الاستعمار وقضى عَلَى المغول، ألغيت معها الشريعة الإسلامية نهائياً.

وكذلك دخل الاستعمار في بقية البلاد إلا من رحم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، مثل وسط الجزيرة واليمن وأفغانستان وخراسان ، وفي بعض الأطراف نسبة تقل أو تكثر، لكن الاستعمار حرص عَلَى أن يقضي عَلَى الشريعة الإسلامية قضاء باتاً، إلا البقية القليلة التي تسمى الأحوال الشخصية، لأن الأقطاب والمارون والدروز كل منهم له أحوال شخصية خاصة فَقَالُوا: نجعل للمسلمين أحوالهم الشخصية ليس إقراراً للدين، لكن من باب أن هذه أمور خاصة جداً، وقد أُقرت جميع الملل عليها فليكن من ضمنها هَؤُلاءِ الْمُسْلِمُونَ، فهكذا أصبح الأمر، في ديار الإسلام، وأصبح التحاكم فيها إِلَى الطاغوت لا إِلَى ما أنزل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

 المدخل الثاني من مداخل الفساد هو مدخل الأحبار، والمقصود بالأحبار علماء السوء في جميع الملل، وفي هذا إشارة إِلَى ما يقع من ضعف وفساد في الدين سببه علماء السوء في جميع الملل والأعصار، أما أهل الكتاب: فها أنتم تقرءون في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ الكثير مما صنعوا، ومما أفسدوا في دينهم ودين أتباعهم، فأهل الكتاب كانوا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض، وكانوا يخرجون أبنائهم وأتباعهم ويقاتلونهم ويظاهرون عَلَى إخراجهم، وإذا جاءوهم أسارى يفادونهم كما ذكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذلك ولهذا قَالَ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[البقرة:85] الآية فكان علماء السوء يبدلون ويحتالون عَلَى دين الله كما في قصة القرية التي كانت حاضرة البحر كما قال الله تَعَالَى :وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ[الأعراف:163] فماذا فعلوا؟ وكيف المخرج؟

جَاءَ علماء السوء المفتون، وَقَالُوا: الأمر بسيط! ألقو الشِبَاك يوم الجمعة ولا تصطادوا يوم السبت ثُمَّ خذوها يوم الأحد.

تموت البقر فاحتالوا وَقَالُوا: اجمعوا الشحم وبيعوه عَلَى أنه زيت، فنحن لم نأكل التي حرم الله أكلها وإنما بعنا الزيت.

فاليهود هم أهل الحيل، ولذلك يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الفوائد : كل من آثر الدنيا عَلَى الآخرة فلا بد أن يقول في دين الله وشرعه بغير علم، وأن ينحرف عما أنزل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ لأن الدين جَاءَ عَلَى خلاف حظوظ النَّاس وأهوائهم، وهَؤُلاءِ يقدمون الحظ الفاني، ويقدمون الدنيا ويؤثرونها عَلَى الآخرة، فلا بد أن يقولوا عَلَى الله بغير علم تحايلاً للوصول إِلَى ما يريدون وإلى ما يشتهون فيحتالون، ومن هنا قلدهم في هذه الأمة من قلد، وليس المذمومون يهود فقط، ولذلك عندما قُرأ عند حذيفة -رضي الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عنه- قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[المائدة:44] قال رجل ممن كَانَ عند حذيفة : هذه لليهود فانتبه حذيفة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- إِلَى قضية خطيرة يقع فيها كثير من الْمُسْلِمِينَ وهي أننا نحيل دائماً العيوب والأخطاء إِلَى علماء اليهود والنَّصَارَى وننسى أننا قد نقع في نفس الشيء قال حذيفة رضي الله تَعَالَى عنه: [[نعم أبناء عم لكم اليهود، ما كَانَ من حلوة فهو لكم، وما كَانَ من مرة فهو لهم  ]] إذا قرأنا في القُرْآن ثناءً ومدحاً قلنا: هذا لنا لأمة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا قرأنا فيه ذماً وعيباً قلنا: هذا لليهود والله تَعَالَى قَالَ:لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ[المائدة:78، 79].

فإذا قيل لهم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قالوا: هذه نزلت في اليهود، فكأن الذي لا يقيم التوراة والإنجيل يكفر ويعاقب، والذي لا يقيم القُرْآن يكون مؤمناً ويكرم ويعزز! لا، القُرْآن أعظم فإن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قَالَ:وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ[المائدة:48] الآية. فالتمسك بالكتاب المهيمن يكون أقوى وعقوبة الانحراف عنه أغلظ وأشد.

 وقد وقع في هذه الأمة من يسمون أهل الرأي، أو أهل القياس وهَؤُلاءِ قد شابهوا بعض المشابهة لأحبار اليهود والنَّصَارَى فإنهم ألفوا كتباً تسمى كتب الحيل، فيحتال مثلاً عَلَى عدة المطلقة، أو عَلَى أي نوع من أنواع الربا، أو عَلَى إرجاع المطلقة بتحليلٍ مثلاً، فأفسد علماء السوء في هذه الأمة أيضاً دين الْمُسْلِمِينَ كما أفسد أحبار اليهود دينهم، وانتشر البلاء وعم، ولهذا تجد أن كتب الرجال تنتقدهم مثل كتاب المجروحين لـابن حبان -رَحِمَهُ اللَّهُ- فقد كَانَ ضد أهل الرأي، وهو في ذلك تبع للإمام البُخَارِيّ والإمام أَحْمَد -رحمهما الله- فكان إذا ذكر رجلاً من أهل الرأي يقول فيه ما يستحق من الذم، وهو من أكثر من جمع أصحاب الرأي وما اعترضوا به عَلَى دين الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وهم مجرد أصحاب قياس ونظر، لكن اعترضوا عَلَى النصوص فردوها بحجة أنها تخالف القياس، فبدأ الانحراف بتعظيم القياس والرأي والهوى مقابل العمل بالسنة.

 ويذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في حياة الإمام أَحْمَد أنه كَانَ يدرس في بغداد عَلَى عامة النَّاس كتابين: كتاب الإيمان وكتاب الأشربة يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ : كَانَ يفعل ذلك لأن أصحاب الرأي -وهم الفقهاء- كَانَ لهم انتشار في بغداد ، فكان يدرس كتاب الأشربة ليبين خطأهم في أحكام النبيذ، وكتاب الإيمان لأنهم كانوا مرجئةً في الإيمان، فكان الأئمة يعالجون الواقع ويحاولون أن يصلحوا الناس.

 ثُمَّ يقول المصنف: [إن أحبار السوء هم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرمه الله ورسوله وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك] فهذا مما يفسد الدين والواجب عَلَى المسلم أن يذعن لأمر الله، وأن ينقاد له، وأن يقول كما قال أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سمعنا وأطعنا، فالأحاديث التي نقرأها اليوم ونتجادل فيها سمعها أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه وما اختلفوا فيها، كانوا يسمعون ويمتثلون فلذلك كَانَ خلافهم قليلاً.

فالله تَعَالَى أنزل إلينا شريعة سمحة فطرية تتعامل مع الإِنسَان في كل زمان، ومكان، في كل بيئة ببساطة، ووضوح ويسر، وهكذا يجب أن ننظر دائماً إِلَى هذا الدين، وإلى هذه الشريعة، ونحمد الله تبارك وتعالى أنه أنزلها إلينا.

إذاً: فالذين يلغون ما اعتبره الشارع، أو يعتبرون ما ألغاه، أو يقيدون ما أطلقه، أو يطلقون ما قيده، هَؤُلاءِ من جنس النوع الثاني من أنواع الفساد وهو فساد الأحبار.

 

موقع الدكتور سفر الحوالي