جاءت العشر الأواخر فهل من مشمر؟

Publié le par Alain

قال الله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) سورة القدر

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" رواه البخاري ومسلم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" رواه البخاري ومسلم

 

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ" رواه البخاري ومسلم. وفي رواية : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رواه مسلم

الحديث دليل على أن للعشر الأواخر من رمضان مزية على غيرها بمزيد الطاعة والعبادة من صلاة وذكر وتلاوة قرآن، فقد وصفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نبينا وقدوتنا محمداً صلى الله عليه وسلم بأربع صفات

الأولى : قولها (أحيا الليل) أي سهره فأحياه بالطاعة وأحيا نفسه بسهره فيه ؛ لأن النوم أخو الموت والمعنى أحياه كله بالقيام والتعبد لله رب العالمين وليال العشر معدودة، وأما ما ورد من النهي عن قيام الليل كله الوارد في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه فهو محمول على من داوم عليه جميع ليالي السنة

الثانية : قولها (وأيقظ أهله) أي زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين ليشاركنه في اغتنام الخير والذكر والعبادة في هذه الأوقات المباركة

الثالثة : قولها (وجدَّ) أي جدَّ واجتهد في العبادة، والجدّ هو: بذل الجهد في طلب الطاعات، أو في فعلها، أي: بذل ما يمكنه من الوسع، وذلك يستدعي أن يأتي الطاعة بنشاط ورغبة، وصدق ومحبة، ويستدعي أن يبعد عن نفسه الكسل والخمول والتثاقل، وأسباب ذلك، ففي أي شيء يكون هذا الجدّ؟

الجد في الصلاة فيصلي في الليل والنهار ما استطاع

والجد في القراءة أن يقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر وخشوع وقلب حاضر

والجد في الذكر أن يذكر الله ولا ينساه، ولا يزال لسانه رطبا بذكر الله

والجد في الدعاء أن يدعو ربه تضرعا وخفية وأن يكثر من الدعاء

والجد في الأعمال الخيرية المتعددة من النصائح والعبادات، وما أشبه ذلك

والجد في العلم والتعلم وما يتصل بذلك، أي الاجتهاد في الأعمال كلها

اختلف العلماء في معنى (شد المئزر) فقيل : هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته صلى الله عليه وسلم في غيره، ومعناه : التشمير في العبادات، يقال : شددت لهذا الأمر مئزري، أي : تشمرت له وتفرغت، وقيل : هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات. وقد كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من النساء

 

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر أرجى من غيرها، فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضِيَ اللهُ عنهُ قال : خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فقال : "إنِّي أُريتُ ليلةَ القَدْرِ، وإنِّي نُسِّيتُها (أو أُنسيتُها) ؛ فالْتمِسوها في العَشرِ الأواخرِ من كلِّ وَترٍ". رواه البخاريُّ ومسلم

وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن هذه الليلة متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة منها دائمًا

فعن عُبادةَ بن الصَّامتِ قال : خرَج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ليُخبِرَنا بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى رجُلانِ من المسلمين، فقال : "خرجتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ ؛ فرُفِعتْ! وعسى أنْ يكونَ خيرًا لكم ؛ فالْتمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ" رواه البخاريُّ ومسلم

وعن ابن عُمرَ رضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ رِجالًا من أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أُرُوا ليلةَ القَدْر في المنامِ في السَّبع الأواخِر، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ : "أَرَى رُؤياكم قد تَواطأتْ في السَّبع الأواخِر ؛ فمَن كان مُتحرِّيَها، فلْيَتحرَّها في السَّبع الأواخِر" رواه البخاريُّ ومسلم

وعن عبد اللهِ بن أُنيسٍ رضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال : "أُريتُ ليلةَ القَدْر، ثمَّ أُنسيتُها، وأَراني صُبحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ"، قال : فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرين، فصلَّى بنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فانصرَف، وإنَّ أثَرَ الماء والطِّين على جَبهته وأنفِه. قال : وكان عبد الله بن أُنيسٍ يقول : ثلاث وعِشرين. رواه مسلم

قال أُبيُّ بنُ كَعبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ في لَيلةِ القَدْرِ : "واللهِ، إنِّي لأَعلمُها، وأكثرُ عِلمي هي اللَّيلةُ التي أَمرَنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بقِيامِها، هي ليلةُ سَبعٍ وعِشرينَ" رواه مسلم

وعن أبي هُرَيرَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ قال: تَذاكَرْنا ليلةَ القَدْرِ عند رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقال : "أيُّكم يَذكُرُ حين طلَع القمرُ وهو مِثلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟" رواه مسلم. شِقِّ جَفْنَة أيْ نِصف قَصعةٍ ؛ قال أبو الحُسَينِ الفارسيُّ : أيْ: ليلة سَبْع وعِشرين؛ فإنَّ القَمَر يطلُع فيها بتلك الصِّفة

ما ورَد في علامتها : عن أُبيِّ بنِ كَعبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ قال : "هي ليلةُ صَبيحةِ سَبعٍ وعِشرين، وأمارتُها أنْ تطلُعَ الشَّمسُ في صَبيحةِ يومِها بيضاءَ لا شُعاعَ لها" رواه مسلم

 

وقد كان السلف الصالح من هذه الأمة يطيلون صلاة الليل تأسياً بنبيهم صلى الله عليه وسلم يقول السائب بن يزيد : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي ابن كعب وتميماً الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. وعن عبد الله بن أبي بكر قال : سمعت أبي يقول : "كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر". والمؤمن يجتمع له في رمضان جهادان لنفسه، جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بنيهما ووفى بحقوقهما فهو من الصابرين الذين يوفون أجرهم بغير حساب

إن هذا العشر هو ختام الشهر، والأعمال بخواتيمها، ولعل الإنسان يدرك فيها ليلة القدر وهو قائم لرب العالمين فيغفر له ما تقدم من ذنبه. عن عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها قالت : قلتُ يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدْر ؛ ما أقول فيها ؟ قال : "قولي اللَّهُمَّ إنَّك عفُوٌّ تحبُّ العفوَ، فاعفُ عنِّي". رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد. قال الترمذي: حسن صحيح، وصحَّح إسنادَه النوويُّ في الأذكار، وصحَّح الحديثَ ابن ُالقيِّم في أعلام الموقعين، والألبانيُّ في صحيح سنن الترمذي

وعلى الإنسان أن يحث أهله وينشطهم ويرغبهم في العبادة، لاسيما في هذه المواسم العظيمة التي لا يفرط فيها إلا محروم، وأعظم من ذلك أن يقضي الإنسان وقت صلاة الناس وتهجدهم في المجالس المحرمة والاجتماعات الآثمة فهذا هو الخسران المبين، نسأل الله السلامة

فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر، ومما يؤسف عليه أن ترى بعض الناس يقبل على الأعمال الصالحة في أول الشهر من الصلاة والقراءة ثم تظهر عليه أمارات الملل والسأم، ولاسيما عند دخول العشر الأواخر التي لها مزية على أول الشهر، فعلى الإنسان أن يواصل الجد والاجتهاد ويزيد في الطاعة إذا أخذ شهره في النقص، فالأعمال بخواتيمها، وما أحرى القبول إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

 

المصادر

أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر

معالم في العشر الأواخر

شرح النووي على مسلم

أصح ما ورد من الأحاديث في ليلة القَدْر

 

Commenter cet article