مقتبس من فتوى مراتب ودرجات إنكار المنكر

Publié le par connaitre islam

 

 

كيف نوفق بين القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بالحق على ما يترتب عليه من نوع بلاء، وربما يؤدي بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إلى أن يُقتل ويُستشهد، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-:"سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ "رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491. وبين قوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَهُ "، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال:" يتَعَرَّضُ من البلاء لما لا يُطيقُهُ "صحيح سنن ابن ماجه: 3243 ؟


أبو بصير الطرطوسي: لا تعارض بين القولين .. والتوفيق بينهما سهل ولله الحمد .. وبيانه: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يُؤدَّى بشرطه ـ كما تقدم ـ ومن شرطه: القدرة، وأن لا يؤدِّي إنكار المنكر إلى ما هو أنكر منه .. فإن لم يُراع الآمر الناهي هذه الشروط .. تعرَّض لبلاء لا يُطيقه، فيذله بعد أن كان عزيزاً .. ولا يلومَنّ حينئذٍ إلا نفسه؛ لأنه اقتحم البيوت من غير أبوابها، واستشرف أعمالاً لم يوفِّ شروطها، ومثله مثل من يخوض معركة ضروساً من دون عتادٍ ولا سلاح .. فلو كان أول المقتولين في المعركة فلا يلومَنَّ إلا نفسه، وعليه وعلى أمثاله يُحمل قوله تعالى:{وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}البقرة:195
ويُقال كذلك: أن من يستشرف مواطن الشدة والعزيمة والبلاء ـ والتي منها الصدع بالحق أمام سلطانٍ جائر ـ مع علمه المسبق بضعف نفسه عن القيام بتلك الأعمال .. وأن نفسه أضعف من أن تتحمل تبعات تلك المواقف .. يكون قد أذلَّ نفسه وفتنها بتكليفها ما لا تُطيق .. فهذا الذي يُقال له الحديث الآنف الذكر: لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَهُ
كم من امرئٍ همَّ بأن يدخل على سلطانٍ جائر ليأمره بالمعروف وينهاه المنكر .. فلما دخل عليه افتتن؛ فأمره بالمنكر ونهاه عن المعروف، وزين له باطله .. فهذا يكون ممن أذل نفسه .. وعرَّض نفسه من البلاء ما لا تُطيق
ونحوه الذي يدخل على سلطانٍ جائرٍ ليأمره وينهاه .. فيفلح في إيصال رسالته إليه .. لكنه عندما يتعرض لأدنى بلاء أو عقوبة أو سجن من السلطان الجائر .. نتيجة لأمره ونهيه له .. تراه ينفد صبره .. وينقلب على عقبيه .. ويُفتتن في دينه .. ويرفع رايات الاستسلام والطاعة والولاء .. فيكون بذلك قد أذل نفسه بنفسه، وهذا ليس من الإيمان، ولا الحكمة في شيء .. وهو كان في غنى عن أن يُقحم نفسه هذا المقحم والمورد
وقوله -صلى الله عليه وسلم-:" سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ". وقوله -صلى الله عليه وسلم-:"أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ"رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491. وقوله -صلى الله عليه وسلم-:" أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ، كلمةُ حقٍّ تُقالُ لإمامٍ جائرٍ"رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 168 . هذا كله محمول على من يجد في نفسه وإيمانه القوة والثبات والجرأة على القيام بهذه المهمة العظيمة النبيلة .. من دون أن يُفتتن في دينه أو ينقلب على عقبيه .. فهو بهذه الصفات الحميدة ينال تلك الدرجة العظيمة مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- .. ولأجلها صُنِّفَ جهاده بأنه أفضل الجهاد .. وأحبه إلى الله تعالى
كثير من الناس يحسب أن جهاد الصدع بالحق عند سلاطين وأئمة الكفر والجور هيناً وسهلاً .. فيستشرف له من هو ليس بأهلٍ له .. فيُفتتن في دينه، وينقلب على عقبيه .. فيخسر دنياه وآخرته .. فهذا وأمثاله ممن يتشبعون بما لم يُعطَوا، وما ليس فيهم، يُقال له: لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَهُ

 

المصدر : مراتب ودرجات إنكار المنكر

Publié dans jurisprudence

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article