العليويون ومحاولة اغتيال ابن باديس رحمه الله 1/2

Publié le par connaitre islam

 

حاربت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ بن باديس رحمه الله الصوفية الطرقية لضلالها وإضلالها الشعب الجزائري، وإماتة روح المقاومة فيه بعقيدة الجبر الفاسدة ؛ فما وجدت بعض الطرق إلا محاولة قتل الشيخ -رحمه الله-.



(خلفيات الجريمة)
كان الجزائريون بعد قرابة القرن من الاحتلال لا يرون الإسلام إلا الطُرقية، وقد زاد ضلالهم ما كانوا يرون من الجامدين والمغرورين من المنتسبين للعلم من التمسك بها والتأييد لشيوخها
(1). وآل وضع الأمة إلى تخلف حضاري عام وشامل، لم يسلم من ذلك عالم أفكار الأمة ودينها ومعتقدتها، وأصبح الجانب التعبدي في أشكاله ومظاهره دون جوهره ومضامينه، وأخذ تَدين المجتمع عامة طابع الوراثة والتقليد والجمود لا أكثر، وتكلفت الزوايا والكتاتيب والمساجد في صورتها الموروثة بتقديم صورة معينة للإسلام، وفق وضع شيخ الطريقة المعينة.

ولما كان الإمام بن باديس يربط دائمًا بين الدين والأخلاق والعقل، ويرى أن قدرة المسلمين إنما تكون بالجمع بين العقائد الواضحة والأخلاق الطيبة والعلم، فإنه لم يتحرج من أن يقاوم الطُرق الصوفية في الجزائر، فكانت الحملات في دُروس التفسير والخُطب وفي مقالات الصحافة الإصلاحية بالأخص في الشهاب متوالية على الخرافات والأباطيل، وعلى المبتدعة والمضللين، وأيده في حملته فحول العلماء والمفكرين في الجزائر وتونس والمغرب وكان من أشدها عنفا على الطريقة العليوية وشيخها المتهم بالحلول ووحدة الوجود
"أحمد بن عليوة" شيخ الطريقة العليوية في مستغانم، لسوء أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى بعض شطحاته الحلولية المنافية للعقيدة الإسلامية.
أحمد بن عليوة وطريقته :
لقد انتشرت الطرق الصوفية، وتعددت وتنوعت، وصارت تتحكم بزمام أوضاع الأمة، فلم يكن أحد أيًا كان يتجرأ على مواجهة شيوخ الطرق ومريديهم، ورَفض قبول كلامهم والانصياع لمطالبهم، والإذعان لأحكامهم وأوامرهم، فتفطن الاستعمار لما للطرقية من قوة ونفوذ، وعمل على احتوائها واستيعابها لاستخدامها وسيلة لبسط نفوذه وإحكام سيطرته، بتنصيبه من يضطلع لتشويه الدين عن طريق ضعاف النفوس من أمثال
"أحمد بن عليوة" الذي تحدث عنه وعن طريقته الشيخ المجاهد "أحمد توفيق المدني" بما يلي :
» قال لي الأخ محمد رضا الأكحل – وكنا في أواخر شهر تموز
/يوليو(جويلية) 1925 م - : لنا اليوم سهرة حافلة بمقبرة سيدي محمد بن عبد الرحمن، فلنستعد لها مبكرين حتى نكون في الصفوف الأولى. لم أفهم إطلاقًا، سيدي محمد.. مقبرة كبيرة وشهيرة بعاصمة الجزائر تعادل في أهميتها وفي قيمتها وفي علو كعب من دفن بها مقبرة الزلاج التونسية، وهي ذات أقسام ثلاث : المسجد، الضريح وساحة الضريح الفسيحة، وقبورها مسواة مع الأرض، ثم القسم الخلفي وقبوره عالية بارزة، فكيف تكون حفلة ساهرة فوق الأجداث ؟ قال لي مؤكدًا أنها حفلة سنوية يقوم بها رجال الطريقة الرحمانية الذين يأتون في ركب عظيم من مدينة قسنطينة لزيارة شيخهم صاحب الطريقة. تقززت أولاً، هذه من أعظم البدع.. ويجب أن أرى ذلك رأي العين...

وجاء الليل وذهبنا جماعة إلى المقبرة، فإذا بالساحة الفسيحة الموجودة أمام الضريح وقد أصبحت أشبه شيء ببهو فخم لقصر ثري، وقد فرشت أرضها بالبسط الثمينة، والزرابي المبثوثة، والمنابذ الصوفية الفارهة
. وجلسنا، واستمر توارد القوم من حي "بلكور" ومن العاصمة وما يحيط بها، حتى لم يبق من مكان تطأه رجل إنسان.

وبعد صلاة العشاء، التأمت حلقة الذكر، وأخذ
"الفقراء" يترنمون بأصوات هي البشاعة أقرب منها إلى الرخامة. وطال ذلك نحو ساعة. فبعض تلك الأناشيد والأذكار كان مستقيم المعنى صحيح المبنى، فيه الصلاة على الّنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه الموعظة والذكرى، أما بعضها الآخر ففيه إشارات واضحة إلى مذهب "وحدة الوجود" يترنم بها القوم ولا يفهمون لها معنى، وخرجت من هناك آسفا حزينًا وأنا أتساءل : كيف تمكن أحمد بن عليوة المستغانمي من إنشاء طريقة صوفية وه وشبه أمّي ؟..

زارني – أحمد بن عليوة – يومًا، وسألته
: ما هي الأسس التي بنيت عليها هذه الطريقة الجديدة ؟ قال : سأبعث إليك بكتاب ألفته وطبعته... وما هي إلا ساعة حتى جاءني أحد "الفقراء" يحمل إلي كتابًا، اسمه "المنهج القدوسية في شرح متن ابن عاشر على الطريقة الصوفية". وأخذت في الحين أقرأ الكتاب، ويا لهول ما قرأت : كلام أهوج، وخرافات لا تنطلي حتى على الأبله، وأباطيل وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان. ودعوة سافرة غير حكيمة، لمذهب "وحدة الوجود" المنافي لعقيدتنا الإسلامية القرآنية الطاهرة على خط مستقيم. فاستعذت بالله من رجل اتخذ في ذهني صورة الشيطان في جسم إنسان...«(2).

هذا ما جاء به
"أحمد بن عليوة" (المتوفي سنة 1934 م) الذي كان يشتغل في تصليح الأحذية (إسكافي) حسب ما تناولته أقلام الشيخ الطيب العقبي ومبارك الميلي وحسين أرزقي في سرد سيرته بوصفه شيخ الزاوية العليوية في صحيفة الشهاب، ويقول بعض أهالي مستغانم في الوقت الحالي أنه كان صيادًا وينسبونه لعلي بن أبى طالب !! والحقيقة أن (العليوية) مشتقة من لقب (بن عليوة) الموجود بكثرة في غرب البلاد، وأن "أحمد بن عليوة" كان يعمل حرازًا بمستغانم قبل أن آلت إليه مشيخة زاوية "درقاوة" بمستغانم بوصيّة من شيخه "محمّد بن الحبيب البوزيدي" (المتوفي عام 1909 م). ولما كان "ابن عليوة" طموحًا جدًّا جدّد الطريقة وأدخل على نظامها وطقوسها ودعايتها تغييرًا شاملاً مِمّا جعلها تنتسب إليه بدلاً من نسبتها إلى "الدرقاوي" أو"الشاذلي"، وخرج بها من مستغانم لتنتشر في الآفاق، ونشطت على يده نشاطًا هائلاً، وامتدّت دعوتها باسمها الجديد : "الطريقة العليوية" في الوطن وخارج الوطن(3)... وهكذا انتحل مذهبه - الذي نادى به محيي الدين بن عربي الأندلسي في كتابه (شجرة الكون) وعالجه اليهودي الهولندي اسبينوزا، وتعرض له عمر بن الفارض – وهو مذهب "وحدة الوجود" الذي اشتهر به أيضًا شيخ الصوفية جلال الدين الرومي، أبعد الطرق عن الإسلام التي تدعو إلى الحلول صراحة، وهذا يتنافى تمامًا مع تعاليم الدين الإسلامي، ويصل بصاحبه إلى الكفر والإلحاد.

حملات ابن باديس على الطريقة العليوية والطرق الصوفية الأخرى :
رُفع نص سؤال إلى الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس يقول
: "ما قول ساداتنا العلماء - رضي الله تعالى عنهم، وأدام النفع بهم - في رجلٍ يزعم أنّه قطب الزمان الفرد، وأنّ الكلّ دونه، وأنّه العارف الْمُسَلّك... إلى غير ذلك من أعلى صفات العارفين، وأسمى درجات الكاملين، ثُمَّ يقول مخاطبًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم بما نصّه :


إنْ مُتّ بالشَّوْق منكد
...........إن تبق في هجـري زائـد
من هو بالملك موحـّد
...........عبس بالقـول تسـاعـد
ما عـذر ينجـيـك
....................للـمـولى نــدعيـك
ينظر في أمـريــك
.................مـا نرجــوه فـيـك


ولَمّا قيل له في هذه الأبيات، قال
: أَلسُنُ الْمُحِبِّين أعجمية !
فهل يُعَدُّ خِطابُه هذا سُوء أدب ؟

وهل تجوز مخاطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله ؟

وهل صدور مثله من شأن العارفين الكاملين

وهل يُقبل منه ما اعتذر به من عُجمة ألسن الْمُحبّين ؟

أفيدونا مأجورين
- إن شاء الله تعالى - من ربّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

فانبرى الشيخ ابن باديس للجواب بعد أن استخار الله تعالى، فألف رسالة نافعة في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم موسومة بـ
: "رسالة جواب سؤال عن سوء مقال". ردّا على أحمد بن عليوة المستغانمي صاحب الطريقة العليوية، الذي تَجَرَّأَ على مقام النبوة الكريم فَفَاهَ بِجُمَلٍ سَخِيفَةِ الْمَعْنَى في أبيات باللّسان العَامِّيِّ الوارد في السؤال التي نشرها في ديوانه المطبوع في تونس عام 1920 م، المشحون بالدعوة إلى مبدأ الحلول وحدة الوجود(4).

رسالة جواب عن سوء مقال عبارة عن رسالة صغيرة لا يزيد عددها عن سبع عشرة صفحة، تحتوي على مقدّمة وأربعة فصول وخاتمة، حَشَدَ فيها ابن باديس خير الأدلة، من الكتاب الكريم والسنّة الصحيحة وآثار السلف، بأسلوب علمي متين ولسان عربي مبين، وفرغ من تحريرها صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام عام
1340ﻫ الموافق لعام 1922 م، أرسل بها إلى كبار مشايخه بتونس وإلى أفاضل العلماء والمفتين بالجزائر والمغرب ومصر، فاطّلعوا عليها وقرّظوها وأرسلوا إليه بتقاريظهم تباعا فطبعها ونشرها في الجزء الأخير من الرسالة بأسماء العلماء المقرظين مع بيان وظائفهم وبلدانهم. واعتبروها من العمل المبرور والصنيع المشكور، وضلّلوا من فاه بتلك الأبيات، لما حوته من ترّهات"!

إنّ الرسالة
- على صغر حجمها وما فيها من علم دسم – ساهمت بالقدر الممكن في الردّ على تحرّك أدعياء التصوّف الزائف في تلك الأيام، وتحذير الأمة من إفكهم وباطلهم، وكشف مخازيهم على ما أدخَلُوهُ في القلوب من فساد العقائد، وعلى العقول من باطل الأوهام، وعلى الإسلام من زور وتحريف وتشويه، إلى ما صرفت من الأمّة عن خالقها بما نصبت من أنصاب، وشتّتت بكلمتها بما اختلقت من ألقاب، وقتلت من عزّتها بما اصطنعت من إرهاب، حتّى حقّت للحقّ على باطلها الغلبة(5)، واهتداءً بجنود الإصلاح من إخوانه المشايخ في جمعية العلماء المسلمين - التي أسسها ابن باديس سنة 1931 م – من أبرزهم : الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي، ومبارك الميلي، والطيب العقبي (رَحِمَ اللهُ الجميع) الذين "شنّوا الغارة على قلعة الضلال، وحملوا عليها حملةً صادقةً شعارُهم : لا صوفية في الإسلام، حتّى يدكّوها دكًّا وينسفوها نسفًا ويذروها خاوية على عروشها"(6).

وأمام الصعاب التي واجهها ابن باديس ورجال الإصلاح خاصة أن الطرق المنحرفة كانت تتلقى الدعم من سلطات الاحتلال، استعان ابن باديس بالصحافة الإصلاحية لكشف حقيقة تلك الطرق المنحرفة متبنيا منهج إصلاح عقائد الناس وأعمالهم، إذ يقول
: "قمنا بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح من التمسك بالقرآن الشريف والصحيح من السنة الشريفة وقد عرف القائمون بتلك الدعوة ما يلاقونه من مصاعب وقحم في طريقهم من وضع الذين شبّوا على ما وجدوا عليه آباءهم من خلق التساهل في الزيادات والذيول التي ألصقها بالدين المغرضون أو أعداء الإسلام الألداء والغافلون من أبناء الإسلام".

فكانت الحملات متوالية منذ أول جريدة أنشأها الإمام
"المنتقد" (في 3 جويلية سنة 1925 م) ...

وكما يدل عليها اسمها فقد كانت ثورة على كل المظاهر المنحرفة في المجتمع الجزائري بهدف تنبيه المجتمع إلى مواطن الخلل والتركيز على نقض الطرق الصوفية المنحرفة التي كانت تمثل الإسلام بصورة مشوهة وكانت توجه أتباعها من خلال المقولة الخطيرة
"اعتقد ولا تنتقد" فكان عبد الحميد بن باديس يردد عبارة "انتقد ولا تعتقد".

ولكن
"المنتقد" لم تعش طويلا، نظرا للهجتها الحارة، وجملتها الصادقة، ضد الخرافات والبدع، والتي أثارت حفيظة الطرقيين عليها، وساندهم في ذلك بعض رجال الدين الرسميين. فأخذوا في الوشاية لدى السلطات الفرنسية ضدها، حتى عطلتها بأمر حكومي، بعد أن دامت أربعة أشهر أصدرت خلالها ثمانية عشر عددًا. ويقول الإمام فاضحًا وكاشفًا سبب سعي السعاة لتعطيلها : "ولكن أثار الذين اعتادوا التملق صدقها. وكبر على الذين تعودوا النفاق صراحتها. وهال الذين اعتادوا الجبن من الرؤساء، أواعتادوا الجمود من الأتباع صرامتنا. فأجمعت هذه الطرائف أمرها، وأخذوا يسعون في الوشاية ضدها، وحمل الحطب للمراجع العليا لحرقها، حتى عطلت".

على إثر تعطيلها مباشرة، أصدر ابن باديس جريدة
"الشهاب" (في 12 نوفمبر 1925 م) التي يوحي عنوانها "بالطموح إلى إضرام النار في القديم البالي الميت، الذي يريد أن يتحكم في الأحياء، وفي المستقبل. وإلى إنارة الطريق للجيل الصاعد، نظرا لما للشهاب من معاني النار والضوء". وخوفًا من الإمام على الجريدة من التعطيل، وحذرًا منه على ذلك، اصطنع وانتهج – مداراة وتمويهًا – في تحريرها رؤية جديدة تتسم بعدم الصدام مع سلطات الاحتلال، والصبغة الدينية الغالبة في موضوعاتها، فقام الشيخ بشرح التفسير والأحاديث على صفحاتها، مع ربط المسائل الدينية بالواقع الجزائري، فراح يهاجم الدجاجلة فيقول على صفحاتها : "احذر من دجال يتاجر بالطلاسم، ويتخذ آيات القران وأسماء الرحمن هزواً يستعملها في التمويه والتضليل".

واتهم المتصوفة الذين أخذوا أنفسهم وأتباعهم بنسك الأعاجم
(يعتبر أحمد بن عليوة واحدا منهم) بأنهم اخترعوا أعمالا وأوضاعًا وعقائد من عند أنفسهم وظنوا أنهم يتقربون بها إلى الله على غرار ما فعل المشركون من عبادة الأوثان والذبح عليها، "وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص والزمر والطواف حول القبور والنذر لها والذبح عندها ونداء أصحابها وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها، وحرق البخور عندها، وصب العطور عليها" وهو يدمغ ذلك كله بأنه مخالف لسنة رسول الله وأصحابه. وهو يظهر عجبه من حال المسلمين الجزائريين وغيرهم إذ "تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقًا في هذا الضلال. فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات، يسألونهم حوائجهم من دفع الضر، وجلب النفع وتيسير الرزق وإعطاء النسل، وإنزال الغيث ويذهبون إلى الأضرحة... ويدقون قبورهم وينذرون لهم... وتراهم هناك في ذل وخضوع وتوجه، قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم"، إنهم يدعون غير الله...

وإلى جانب هذا الشرك الخفي أوالصريح، ما عسى أن يقول المتصوفة عن الأنبياء وعن سيد الخلق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهم أكثر الخلق خوفًا من الله ونفورًا من عذابه ؟ وهل يجهلون أن من دعاء القنوت الثابت المحفوظ
"وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد"...

هذا وقد صرف الطرقية في الجزائر الناس عن العمل، وحببوا إليهم التواكل، وأنكروا عليهم حرية الإرادة، وكادوا يجردونهم من قيمهم الإنسانية، وشاعت المنكرات في الموالد
"والزردات والوعدات"، واستغل أرباب الطرق الصوفية سذاجة العامة فهناك "نوع موجود في غالب القطر الجزائري، ويكثر في بعض الجبال وهو أن بعض المأمورين من بعض شيوخ الطوائف يأتون بثلة من أتباعهم، فينزلون على المنتمين إليهم من ضعفاء الناس فتذبح لهم الذبائح، ويكنس لهم ما في البيت.. وشر ما في هذا الشر أنه يرتكب باسم الدين وينسبه الجهال أنه قربة لرب العالمين".

ويعترف الإمام بن باديس أن الناس قبل نجاح حركة الإصلاح كانوا يظنون أن الإسلام ليس إلا ما تصوره الطرق الصوفية
. ومما زاد في ترويج هذه الفكرة الضالة ما رأوه من مسلك علماء الدين ضيقي الأفق الذين ساندوا الطرقية، وأيدوا شيوخها. لهذا عمد لكشف أسمائهم وطرقهم المنحرفة عبر عديد المقالات الحادة باسمه، أشهرها مقال "جواب صريح" في ذكر المشتهر بصلاة الفاتح لما أغلق من الأذكار المنتشرة عند الطريقة التيجانية، ونشره "الخطبة العصماء في التحذير من البدع والموالد" للسلطان سليمان بن سيدي محمد بن عبد الله، أحد مفاخر ملوك المسلمين في القرن الثاني عشر في المغرب الأقصى، ويعلل ذلك "ونحن نرجو من خطباء الجزائر أن يخطبوا بها على الناس إن كانوا لهم ناصحين". وللإمام مقالات أخرى كان يمضيها باسم "بيضاوي" في أغلبها كانت شديدة النقد للطريقة العليوية، راح يكشف من خلالها تجاوزات شيخها ابن عليوة مثل ثقافته المتواضعة وشرائه لقصر عظيم بالعاصمة بحي (سان أوجين) به حمام أوروبي وتليفون (هاتف) وبستان ويطل على شاطئ البحر، كما كان يجتمع بأتباعه مرة في السنة بالعاصمة وفتح لطريقته فروعا في عنابة، تبسة وسوق أهراس.. ويقول ابن باديس أن اتباع بن عليوة يعتقدون بأن شيخهم يتصرف في الكون ويعلم الغيب ويجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم صباحًا ومساءً، فحاول العليويون معرفة هذا الكاتب، ولكن إدارة الشهاب أبت الكشف عنه، وما تحركهم لمعرفة الكتاب إلا غيظا، كون الله وفق الجزائريين إلى معرفة حقيقة هذه الطرق وإلى كشف عن أهدافها من إشاعة العقائد الباطلة وتحريف الإسلام وتشويهه، وتحطيم القيم الأخلاقية الإسلامية، ومن مساندة دولة الباطل.
 

Publié dans histoire

Commenter cet article