في فضل ذكر الله

Publié le par Alain

بسم الله الرحمن الرحيم

اشتكى رجل من ضعفه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدله على شيء يتشبث به فأوصاه بذكر الله. فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به. قال : لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله تعالى. رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد - بلفظ مقارب - وهو صحيح إن شاء الله. انظر الدرر السنية

وقد عد الله الذاكرين من جملة المغفور لهم فقال سبحانه : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما. سورة الأحزاب : 35

ذاكر الله حي وغيره ميت. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت. رواه البخاري في صحيحه. وقال تعالى في سورة يس : وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ( 69 ) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ( 70 ). وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب، مستنير البصيرة، كما قال قتادة : حي القلب ، حي البصر

وقد حثنا الله سبحانه على الإكثار من ذكره فقال عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا. الأحزاب : 41. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على جميع أحواله كما روت ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. (متفق عليه). والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على طهارة أو على حدث

والصالحون يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم. فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال : إن صاحبكم لفقيه، ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة. وكان عامة كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظت من الليل، وجدته يذكر الله، فأغتم، ثم أعزي نفسي بهذه الآية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. المائدة : 54. وكان بعض السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة. والتقى رجلان منهم في السوق، فقال أحدهما لصاحبه : تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس، فخلوا في موضع، فذكرا الله، ثم تفرقا، ثم مات أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له : أشعرت أن الله غفر لنا عشية التقينا في السوق؟

وذكر الله سهل على اللسان، عظيم الأجر فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله ، وبحمده سبحان الله العظيم. (متفق عليه). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جبل يقال له : جمدان. فقال : سيروا هذا جمدان، قد سبق المفردون. قالوا : ومن المفردون يا رسول الله؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : ذكر الله. حديث صحيح. وذكر الله مرغب فيه عند لقاء العدو، قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. سورة الأنفال : 45. عن قتادة في هذه الآية قال : افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون عند الضراب بالسيوف. وعن ابن جريج عن عطاء قال : وجب الإنصات والذكر عند الزحف. ثم تلا هذه الآية. قلت : يجهرون بالذكر؟ قال : نعم

وذكر الله يورث الطمأنينة في القلب. قال تعالى : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب. سورة الرعد : 28. وقال عز من قائل : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد. سورة الزمر : 23. تلا قتادة رحمه الله : تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. قال : هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان

وقد مدح الله الذاكرين في آيات كثيرة منها : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ( 190 ) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ( 191 ) سورة آل عمران. إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ( 15 ) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ( 16 ) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( 17 ) سورة السجدة. روى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عَجِب ربُّنا عزَّ وجلَّ من رجلينِ : رجلٍ ثار عن وِطائِه ولِحافِه من بينِ أهلِه وحيِّه إلى صلاتِه فيقولُ ربُّنا : أيا ملائكتي انظروا إلى عبدي ثار من فراشِه ووِطائِه ومن بينِ حيِّه وأهلِه إلى صلاتِه رغبةً فيما عندي وشفقةً مما عندي. ورجلٍ غزا في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ فانهزَموا فعلم ما عليه من الفرارِ وما له في الرجوعِ فرجع حتى أهريق دمُه رغبةً فيما عندي وشفقةً مما عندي. فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِه : انظُروا إلى عبدي رجع رغبةً فيما عندي ورهبةً مما عندي حتى أهريق دمُه. والحديث حسن أو صحيح

يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله : المحب اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه ، فلو كلف أن ينسى تذكره لما قدر، ولو كلف أن يكف عن ذكره بلسانه لما صبر. كيف ينسى المحب ذكر حبيب اسمه في فؤاده مكتوب. كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول : أحد أحد، فإذا قالوا له : قل : واللات والعزى، قال : لا أحسنه

كلما قويت المعرفة صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه : الله الله. ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح كما يلهمون النفس وتصير " لا إله إلا الله " لهم كالماء البارد لأهل الدنيا. إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : اقرأ علي. قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، قال : حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه

ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. الأنفال : 2

وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر

وصف علي رضي الله عنه يوما الصحابة فقال : كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم. كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله تغيرت عليه حاله حتى يرى جميع ذلك من عنده. قال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل. قال ذو النون : ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته. فإذا قوي حال المحب ومعرفته، لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل، فهو بين الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحل الأعلى. وفي هذا المعنى قيل

جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن

وهذه كانت حال الرسل والصديقين

ونختم بهذه الوصية الغالية : عن معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال : يا معاذ والله إني لأحبك. فقال : أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح

 

راجع المواضيع الآتية

لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله

جامع العلوم والحكم

تفسير سورة يس

كتاب الكلم الطيب

تفسير سورة الأنفال

تفسير سورة الزمر

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

 

 

Commenter cet article